تفاصيل الخبر

حرب لسنوات وأرباح بالمليارات

18/02/2023
حرب لسنوات وأرباح بالمليارات

بقلم خالد عوض

 

مضت سنة على الحرب الأوكرانية. الحصيلة حتى الآن هي أكثر من ١٠٠ ألف قتيل و٢٠٠ ألف جريح في أقل التقديرات، إلى جانب الملايين من النازحين الأوكرانيين وعشرات آلاف المباني المهدمة. النتيجة العسكرية حتى الآن هي صفر. وبسبب عدم تحقيق أي نتيجة لا يمكن بدء مرحلة التفاوض. المشكلة التي تضاف إلى فداحة الخسائر وتواضع النتائج هي أن الطرفين المتحاربين يعدان العدة لحرب طويلة يمكن أن تستمر لسنوات. كيف سيتعامل العالم مع حرب لا نهاية لها في الأفق ولماذا أصبح المستفيدون من الحرب من أكبر أسباب اطالتها ؟

 

الكل يسلح أوكرانيا و...يتسلح

منذ أيام أعلنت بولندا أنها ستنفق أكثر من ٤ بالمئة من الناتج المحلي السنوي الذي يناهز ٧٠٠ مليار دولار على الدفاع. دولة يبلغ حجم اقتصادها أقل من ربع إقتصاد فرنسا ستنفق ما يقارب ما يرصده الفرنسيون للتسلح. ألمانيا التي لا تزال تعاني من عقدة الحرب العالمية الثانية أكدت على لسان مستشارها "اولاف شولتز" أنها ستلتزم بالحد الأدنى لدول الناتو أي ٢ بالمئة من الناتج المحلي، مما سيضاعف حجم انفاقها العسكري ليزيد عن ٨٠ مليار دولار سنوياً. حتى الولايات المتحدة التي تنفق أساساً مجموع ما تنفقه أوروبا والصين وروسيا مجتمعة زادت موازنة الدفاع إلى مستوى قياسي هو ٨٥٨ مليار دولار عام ٢٠٢٣ وهذا أكثر بحوالي ٤٥ مليار من الرقم الذي طلبه الرئيس الأميركي "جو بايدن" نفسه. موازنة حلف الناتو الذي يضم إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية تركيا، ستزيد بحوالي ٢٧ بالمئة عن ٢٠٢٣ لتناهز ألفي مليار دولار أي ما يساوي ٢٥ مرة حجم الإنفاق العسكري الروسي الذي سيبلغ عام ٢٠٢٣ ٨٤ مليار دولار وهو أعلى مستوى له في التاريخ. من الصعب فهم الأرقام عندما تكون بهذا الحجم من عدم التكافؤ. لماذا هذا السباق إلى التسلح أمام "عدو" اقتصاده بحجم إقتصاد إسبانيا ولا تزيد موازنته العسكرية عن موازنة ألمانيا؟

الرئيس البولندي "اندريج دودا": بولندا سيصبح لديها أقوى الجيوش العسكرية الاوروبية خلال خمس سنوات

 

المستفيد الأول...متهم؟

من دون الغرق في نظرية المؤامرة لا بد من ملاحظة بعض الأرقام الآتية من الولايات المتحدة حول ما تنفقه شركات السلاح في الضغط والتأثير (Lobbying). توظف شركات الأسلحة الأميركية أكثر من ٢٠٠ شخصاً في هذا المجال (Lobbyists) مهمتهم التأثير في سياسة وزارة الدفاع وقد خصصت لذلك حوالي مليارين ونصف مليار دولار خلال العشرين سنة الماضية بمعدل سنوي يناهز ١٢٥ مليون دولار وأنفقت حوالي ٣٠٠ مليون دولار لتمويل الحملات الإنتخابية خلال نفس الفترة. حصة الأسد في الإنفاق تستأثر بها خمس شركات هي "بوينغ" و"رايثيون" و"جنرال ديناميكس" و"نورثروب غرومان" و"لوكهيد مارتن" التي صعدت قيمتها السوقية منذ بداية الحرب الأوكرانية إلى أعلى مستوى لها في التاريخ وبلغت حوالي ٥٠٠ مليار دولار أي حوالي ضعف ما كانت عليه منذ ٣ سنوات. هذه الشركات تتنفس مالياً من خلال الحروب وستكون المصدر الأول للأسلحة التي ستشتريها أوروبا. وهي تشكل اليوم إحدى القواعد الصناعية القليلة المتبقية في الولايات المتحدة بعدما انتقلت معظم الصناعات الأخرى إلى الصين ودول اسيوية أخرى.

 "جايمس ريتكليت" رئيس شركة "لوكهيد مارتن" مصنعة نظام "الجافلان" المضاد للمدرعات الذي دمر مئات الدبابات الروسية: حرب أوكرانيا ضاعفت قيمة شركته 

  

المستفيد الثاني

بالإضافة إلى السباق المحموم إلى التسلح الذي تغذيه شركات السلاح وتعتبر إطالته فرصة مالية ثمينة لها، هناك شركات النفط التي تستفيد بشكل غير مسبوق من الحرب الدائرة في أوكرانيا. عادة تتراجع أسعار النفط مع خطر الحروب بسبب الخوف من الانكماش الاقتصادي وتراجع الطلب. ولكن عندما يكون الطرف الأساسي في الحرب هو دولة نفطية مثل روسيا تتعرض حالياً لأقصى أنواع العقوبات فمن الطبيعي أن ترتفع أسعار النفط والغاز بسبب الخوف من شح العرض. وكما هي الحال في عالم السلاح هناك خمس شركات نفط تستحوذ على حصة الأسد من الأرباح النفطية في العالم، هي "توتال" و"اكزٍون موبيل" و"شيفرون" و"بريتش بتروليوم" و"شيل". هذه الشركات جمعت عام ٢٠٢٢ أرباحا وصلت إلى ١٩٦ مليار دولار، من مبيعات فاق مجموعها ألف مليار دولار وهذه أرقام قياسية لم تعرفها هذه الشركات في الماضي وبالتالي فاستمرار الحرب لعدة سنوات يصب مباشرة في مصلحة شركات النفط لأنه يضمن لها أرباحاً بمئات مليار الدولارات سنوياً.

 "باتريك بوياني" رئيس شركة توتال انرجيز": أرباح شركته تضاعفت عام ٢٠٢٢ وتخطت ٣٦ مليار دولار

 

ساكن "الكرملين" وثائر "كييف"

هناك شخص آخر يخاف من أن تنتهي الحرب. الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" يعرف أن الغرب قرر دعم أوكرانيا بالمال والسلاح إلى ما لا نهاية. الخيار النووي لم يعد مطروحاً لأسباب كثيرة. رهانه الوحيد اليوم هو القوة العددية لجيشه حتى يستنفذ القدرة البشرية الأوكرانية. وإذا فشل هذا الرهان أمام التفوق العسكري للأسلحة الغربية فإن إحتمال الإنتصار في الحرب سيصبح معدوماً. إنهاء الحرب من دون إنتصار هو كابوس سياسي لـ"بوتين" وإبقاؤها يسهل تمديد وجوده في السلطة.  في المقابل وضع الرئيس الأوكراني "فلوديمير زيلنسكي" نصب أعين مواطنيه وأعين الرؤساء الغربيين الخط الوحيد المقبول لإنهاء الحرب: إستعادة كل الأراضي التي احتلتها روسيا بما فيها شبه جزيرة القرم.  إستعادة القرم حدث لا يمكن أن يتعايش معه "فلاديمير بوتين".

 

المصالح المرتبطة بالحرب في أوكرانيا أصبحت أكبر من قدرة المتحاربين على التوصل إلى مسار منطقي لوقف الحرب. هذا يعني أن على العالم التكيف مع حرب طويلة ومنهكة لن تنطوي صفحتها الأخيرة ربما إلا بتنحي "بوتين" أو بتنحيته. طالما هو على رأس السلطة ستهنأ شركات السلاح والنفط بالمليارات.