تفاصيل الخبر

الصحة النفسية في ظل جائحة كورونا

05/05/2021
تداعيات كورونا على الصحة النفسية.

تداعيات كورونا على الصحة النفسية.


بقلم وردية بطرس


الاختصاصية في علم النفس لوما نقاش: الجميع يتأثر نفسياً بما يحصل من حوله في ظل وباء كورونا والأزمة الاقتصادية الخانقة... 


 خلّفت أزمة (كوفيد-19) مستويات غير مسبوقة للاحتياجات في مجال دعم الصحة النفسية والدعم النفسي – الاجتماعي لدى ضحايا الفيروس وعائلاتهم والعاملين في مجال الصحة وكذلك الناس بشكل عام. الآثار المجتمعة لقيود الاغلاق وانعدام التفاعل الاجتماعي والضغوط الاقتصادية توجّه ضربات للصحة النفسية للناس وفرص حصولهم على الرعاية الصحية.


لوما نقاش وأهمية الصحة النفسية  


لا شك أن العالم يعاني من وباء الكورونا ولكن في لبنان محكوم على اللبنانيين ان يواجهوا الوباء في ظل ظروف معيشية واقتصادية صعبة جداً، فالى أي مدى تؤثر هذه الظروف على الصحة النفسية؟ وكيف يمكن الحفاظ على الصحة النفسية وسط كل هذه الأزمات التي تتفاقم يوماً بعد يوم؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها (الأفكار) على الاختصاصية في علم النفس لوما نقاش وسألناها بداية:

* ما أهمية الصحة النفسية؟

- أولاً الصحة النفسية كانت دائماً مهمة وبأهمية الصحة الجسدية، ولكن ربما في المجتمعات العربية بنسبة أقل وكأن هناك نوعاً من الخجل او العيب للتحدث عن الصحة النفسية. ولكن بصراحة جميعنا نعاني من مشاكل نفسية انما ليس بالضرورة أن تكون مزمنة أو تسبب مشكلة كبيرة. ما حصل في السنة ونصف السنة الأخيرة أنه اضطررنا أن نقوم بأمور لم نكن معتادين على القيام بها، اذ تبيّن أن هناك شريحة كبيرة من الناس لديها مشاكل نفسية ولكنهم تكيّفوا معها ويعيشون حياتهم نوعاً ما بشكل طبيعي ولهذا لا يتطرقون لموضوع الصحة النفسية.


الضغوطات والخوف في ظل وباء الكورونا


* وهل الأشخاص الذين لا يعانون بالأساس من مشاكل نفسية يتأثرون أقل من غيرهم؟

- بالنسبة للصحة النفسية فليس هناك أحد لا يعاني منها، اي جميعنا ومنذ الصغر هناك أمور بالحياة تغضبنا وتحزننا أو مثلاً نتعرّض لصدمة أو مشاكل عائلية الى ما هنالك... أولاً: لقد حصل تغيير في العالم اذ أصبحنا نعيش ضغوطات غير عادية، وفجأة لم يعد أحد لديه القدرة للسيطرة على الأمور. أضف الى ذلك لازمنا بيوتنا وابتعدنا عن الناس، ولم نعد نقوم بنشاطات اجتماعية لنرفّه عن أنفسنا وننسى بطريقة معينة ما يحصل بعالمنا الداخلي، وبذلك أصبحنا لوحدنا ولم يعد لدينا سوى العالم الداخلي.

وأضافت: ثانياً أصبح هناك عامل الخوف والذي يلعب دوراً كبيراً لأن الناس يخشون الاصابة بـ (كوفيد-19)، وبالتالي أصبحنا نتعامل مع الخوف من المستقبل والخوف مما نجهله الذي نحن بالأساس لا نعرف كيف نتعامل معه دائماً، وليس لدينا القدرة أن نتكيّف معه جيداً، وكأنه اجتمعت كل العوامل ما بين سنة 2020 و 2021 من حياتنا لنواجه كل هذه المشاكل، وبالتالي من غير معقول ألا يتأثر الناس بما يحصل من حولهم. هناك أناس يتأثرون بطرق مختلفة اذ هناك من يتأثر أكثر من غيره ولكن ليس هناك أحد لا يتأثر بما يحصل من حوله.


2020 كانت سنة القلق والضغوطات


* تُعتبر سنة 2020 من أكثر السنوات التي عانى منها الناس من القلق والضغط النفسي فهل ذلك ما زال مستمراً ام خفّ سنة 2021؟

- الصدمة كانت سنة 2020 ولكن آثارها ظهرت فيما بعد. الآن نشعر بآثار الصدمة التي عشناها سنة 2020، الصدمة هي مرحلة معينة، وما بعد الصدمة عندما نعود الى حياتنا الطبيعية هنا تظهر الأمور التي أشعرتنا بالصدمة وقتها ومما كنا نعاني منه. برأيي الآن ستظهر أمور كثيرة لأننا كنا داخل بيوتنا لوقت طويل أي عشناها بطريقة ولكن آثارها ستستمر. وتظهر آثارها على الشكل التالي: أولاً الشعور بالقلق، والتوتر، والخوف من الأمور، والتعامل مع الناس بطريقة ربما فيها عنف وغضب وصعوبة في التواصل السليم ، ربما يتغير المزاج اذ يشعر الشخص بالحزن أو الاحباط أو عدم الاهتمام بالحياة وبالنشاطات الاجتماعية. كما يظهر ذلك بطريقة النوم وطريقة تناول الطعام.

وتتابع:

- كما ذكرت في سياق الحديث أن كل واحد منا يتفاعل مع هذه الأمور بطريقة ما، اذ هناك أناس يكثرون من تناول الطعام، وهناك أناس ينامون أكثر او يزاولون الرياضة، وهناك أناس يفعلون العكس اذ ينعزلون عن الناس ويفضلون البقاء لوحدهم، وهناك أناس ينكبون على العمل بشكل كبير أي ليس هناك مشكلة بحد ذاتها انما المشكلة دائماً أن هذا الشخص يحاول أن يتكيّف مع أحساسيه وهذا يؤدي الى أن يتصرف بطريقة تضره.


الأكثر عرضة للاصابة بالضغط النفسي 


* كل الناس معرضون لمشاكل نفسية، ولكن هل العاملون في القطاع الصحي وكبار السن والمراهقون والأشخاص الذين يعانون بالأساس من مشاكل نفسية معرضون للاصابة بمشاكل نفسية أكثر من غيرهم؟ 

- برأيي كل فئة معرّضة لمشاكل نفسية لسبب معين. يعني الأشخاص الذين ذكرتهم كل واحد منهم معرّض أكثر ولكن ليس للأسباب نفسها. لنتحدث أولاً عن العاملين في القطاع الصحي وفي الصفوف الأمامية لمواجهة الكورونا والسؤال لماذا هؤلاء لديهم استعداد أكثر من غيرهم؟ السبب أنهم دائماً قادرون على تحمل الضغط ولا شيء يؤثر عليهم لأننا كأناس نعتمد عليهم، ولكنهم خلال سنة ونصف السنة التي مرت شاهدوا واختبروا أموراً ربما بكل مسيرتهم المهنية لم يتعرضوا لها، أي كان وضعاً صعباً جداً بمكان ما اذ أصبحوا يشعرون نوعاً ما باحساس العجز لأنهم غير قادرين على تغيير ما يحصل، لأن ما يحصل لا يتعلق بشخص او شخصين، فهذه جائحة عالمية اذ يشعرون بأنهم عاجزون على مساعدة مريض الكورونا الذي فارق الحياة لأنه لم يقدر أن يتغلب على الفيروس، ويشعرون أنهم يجب ان يسيطروا على هذه الأمور مهما كانت صعبة ولكن طبعاً الأمر مختلف لأنها جائحة عالمية. ثانياً: كبار السن. المشكلة الأساسية هي شعورهم بالوحدة لأنهم فجأة ومن أجل حمايتهم حُرموا من التواصل مع أحبائهم وهم بالمبدأ لم يبق لديهم سوى ذلك اذ يعتمدون فقط على التواصل مع أحبائهم ليشعروا أنهم بحال جيدة وبسبب هذه الجائحة حُرموا من ذلك. ثالثاً: المراهقون. ولأن فترة المراهقة هي أكثر فترة يكتسب فيها المراهق الكثير من المجتمع سواء من حيث التواصل مع أصدقائه وزملاء الدراسة وتمضية الأوقات معهم، واذ بهم يُحرمون من ذلك أيضاً لهذا كان الأمر لدى المراهقين أصعب مما جعلهم يلتجأون الى الألعاب الالكترونية (أونلاين) ليظلوا نوعاً ما على تواصل مع الأصدقاء، ولكن طبعاً هذا ممكن أن يسبب لهم الادمان على الاونلاين.


* وماذا عن الأشخاص الذين كانوا بالأساس يعانون من مشاكل نفسية فهل زادت لديهم هذه المشاكل في ظل وباء الكورونا ناهيك عن الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة في البلد؟

- بالنسبة الي فأرى هذا الموضوع مختلفاً، اذ على العكس فالشخص الذي كان بالأساس يعاني من مشاكل نفسية لديه الوعي والادراك،  ويعرف أكثر ما هو الضرر بهذا الخصوص، ربما هناك أناس تأذوا أكثر وأيضاً هناك أناس استطاعوا ان يسيطروا على الأمور لأنهم معتادون على التعامل مع أنفسهم. بالتالي ليس هناك أحد ليس لديه صعوبات نفسية، ولكن ممكن أن لا تظهر لديهم. ان الأشخاص الذين لديهم بالأساس مشاكل نفسية حتماً يتأثرون مثل الآخرين ولكن الوعي لديهم يساعدهم في هذا الخصوص.


تراكم الأزمات وتأثيرها على الحالة النفسية  


* لا شك ان العالم كله يعاني من وباء الكورونا ولكن في لبنان وضعنا أصعب لأن البلد يمر بضائقة معيشية واقتصادية خانقة ونسبة الفقر فيه تزداد وأيضاً البطالة، برأيك شعب يعاني كثيراً هل يحتاج لوقت أطول للخروج من تداعيات وباء الكورونا أم العكس لأنه عاش حروباً وأزمات يقدر أن يتخطى كل ذلك من الناحية النفسية؟ 

- طبعاً تراكم المشاكل والأزمات تسبّب التعب للنظام الداخلي لجسم الانسان، أي عندما يمر الشخص بأزمة أو مشكلة يستعمل المصادر ليتخطى المشكلة، من ثم تأتي مشكلة أخرى فيستعمل المصادر نفسها ولكن بمكان معين يتعب من كل ذلك. لا أقدر أن أقول إن الوضع في لبنان أصعب من أي مكان آخر، ولكن ما يحصل أن المشاكل تتراكم وتسبب ربما التعب وعدم القدرة على التعامل مع الأمور، لأنه يحصل اضطراب في العالم الداخلي. وهناك أمر أود أن أذكره وهو أن الأشخاص الذين يقولون إنهم عاشوا حروباً في لبنان ولكنهم بخير وكما نقول باللبناني (مشي حالهم)، يغيب عن بالهم أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك الوعي الكافي عن الصحة النفسية، ولهذا يقولون (مشي حالهم)، بمعنى أنهم اليوم أحياء وأكملوا حياتهم بشكل عادي، ولكن جيل الحرب لديه مشاكل نفسية الا أنه لم يتحدث عنها وكأنها لم تحصل، ولكن آثارها لا تزال موجودة لا بل ورثها لجيل آخر. لا شك ان ترسبات الحرب لا تزال تظهر في وقتنا هذا اذ لم يكن لدينا الآليات الصحيحة لاجراء احصاء، ولكن لا نقدر أن نقول إن الحرب انتهت وانتهى كل شيء معها، لأن هذه الأمور تنتقل من جيل لجيل باللاوعي بدون أن يدرك او يستوعب ما حصل معه، وبالتالي الأشخاص الذين نجوا من الحروب لا يعني أنهم لا يعانون من مشاكل نفسية.


الأولاد أكثر فئة متضررة مما يحصل من حولهم


* كيف تؤثر الجائحة على الأولاد كونهم يعيشون ظروفاً صعبة لم يسبق ان عاشها الأولاد حتى في ظل الحروب؟

- الأولاد ربما هم الفئة الأكثر تضرراً مما يحصل من حولهم في ظل وباء الكورونا، ولهذا عالمياً هناك دعوة لاعادة الأولاد الى المدارس، لأن الخطر على صحتهم الجسدية أقل ضرراً من الخطر على حالتهم النفسية وذلك بسبب الاحتجاز في منازلهم حيث لا يلعبون مع أصدقائهم ولا يقومون بالانشطة الرياضية والترفيهية التي يُفترض ان يقوموا بها خلال هذه المرحلة لتكوين شخصيتهم. لا نقدر ان نقول إنه سيحصل كذا وكذا لأنه ليست لدينا سوابق بالحالة النفسية، ولكن ما نعلمه أن الولد لديه حاجات معينة في طفولته وهذا يؤثر على الصحة النفسية.


* هل من نصائح ليحمي الانسان نفسه من مشاكل نفسية ويحافظ على توازنه وعدم فقدان السيطرة على نفسه؟

- نحن نختلف عن بعضنا البعض، بمعنى أن ما يناسب شخصاً ما لا يناسب شخصاً آخر. الأهم ان يسمع الشخص صوته الداخلي ليعرف ماذا يحتاج اليه، وان يحاول التواصل مع الآخرين أكثر. اذاً أول نصيحة هي أن نكون قريبين من أنفسنا وأن نسمع صوتنا الداخلي لأننا نحن نعرف ما هو الأنسب لنا. ثانياً: اذا ظهرت مشكلة وازدادت أكثر يجب استشارة اختصاصي قبل مرور الوقت، ويجب التنبه اذا كان هناك تغيير في المزاج او شعور بالاحباط او القلق او عدم الاهتمام بأمور كان يحبها من قبل، عندها عليه ان يتواصل مع اختصاصي ليعرف اين المشكلة ومعالجتها. كما عليه ان يدرك انه يقدر أن يساعد نفسه وان يتقبّل أنها فترة وستمضي. ربما ليس لدينا القدرة للسيطرة على الأمور الخارجية ولكننا نقدر أن نسيطر على الأمور بعالمنا الداخلي.


لوما نقاش: آثار الصدمة والخوف من الوباء الذي بدأ سنة 2020 تظهر الآن أكثر.

لوما نقاش: آثار الصدمة والخوف من الوباء الذي بدأ سنة 2020 تظهر الآن أكثر.