تفاصيل الخبر

الصيدليات في لبنان بين نقص الأدوية والإقفال

28/04/2021
نقص حاد في الأدوية.

نقص حاد في الأدوية.


بقلم وردية بطرس


نقيب الصيادلة غسان الأمين: الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر الصرف الرسمي للدولار أدّيا الى انقطاع الأدوية في لبنان 


 وكأن إيجاد الأدوية في هذه الأيام الصعبة التي يمر بها لبنان أصبح إنجازاً مهماً، كيف لا واللبناني قبل أن يدخل الصيدلية يأخذ نفساً عميقاً، آملاً أن يجد الأدوية التي يحتاجها وإلا سيقوم بجولة طويلة على الصيدليات علّه يحصل عليها... للأسف يشهد لبنان ظاهرتين أسهمتا في فقدان الكثير من الأدوية في السوق، الأولى عمليات التهريب الى الخارج لاسيما أن الدواء في لبنان ما زال حتى الآن مدعوماً بسعر الصرف الرسمي للدولار (1515 ليرة لبنانية) ما يوازي عشر سعر الصرف الفعلي في السوق الموازية، والثانية تهافت الناس على تخزين الأدوية في منازلهم خوفاً من انقطاعها وتحسباً لرفع الدعم عنها.

 وكان نقيب الصيادلة غسان الأمين قد طالب في شهر آذار (مارس) الماضي بإقرار خطة ترشيد دعم الدواء التي أعدّتها اللجنة الوزارية ووافقت عليها وزارة الصحة ولجنة الصحة النيابية والنقابات المعنية، داعياً الى تبنّيها ورفعها الى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وقال إنه اذ لم تقرّ هذه الخطة فسنشهد مزيداً من الشح في الأدوية، لأن مصرف لبنان يتأخر أربعة أشهر للموافقة على الفواتير، والمصانع المصدّرة لا تتحمل التأخير في الدفع، مبدياً تخوفه من الوصول الى وقت تُقفل فيه الصيدليات، مطالباً برفع جعالة الصيادلة بعد الارتفاع الهستيري للدولار لكي تستطيع الاستمرار والمحافظة على الأمن الدوائي في لبنان وإلا ستنتشر الفوضى والأدوية المهرّبة والمزوّرة. 


نقيب الصيادلة غسان الأمين ونقص الأدوية


 فلماذا هناك نقص في الأدوية؟ وماذا عن تهريب الأدوية؟ وما هي العوائق التي تواجه نقابة الصيادلة في لبنان في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة من جهة ووباء الـ"كورونا" من جهة أخرى؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها (الأفكار) على نقيب الصيادلة غسان الأمين وسألناه بداية:

* ما سبب نقص الأدوية في لبنان خصوصاً في الآونة الأخيرة؟

- طبعاً السبب هو الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها البلد وارتفاع سعر الصرف الرسمي للدولار. أولاً: إن فاتورة الدواء في لبنان كسعر مبيع للعموم هي تقريباً مليار وستمئة مليون دولار، ولقد اضطر مصرف لبنان أن يدعم الدواء بسعر الصرف الرسمي للدولار (1515 ليرة لبنانية) لكي لا يرتفع السعر وذلك كدعم للفاتورة بنسبة 85 في المئة من قيمة سعر الصرف الرسمي للدولار (1515 ليرة لبنانية)، وهذا الدعم أدى الى أن مصرف لبنان يدفع مليار وستمئة مليون دولار في السنة، وطبعاً سياسة الدعم عادة لا تكون مستمرة أي هي لفترة معينة حتى تتحلحل الأمور. وبطبيعة الحال اذا لم تتشكل الحكومة وللأسف ليس هناك أفق لتشكيل الحكومة، وبحسب مصادر مصرف لبنان أنه يدفع كل سنة مليار وستمئة مليون دولار ولكن لم يعد لديه الكثير من المال لكي يدفعها.

ويتابع:

- ثانياً: عندما يُدعم الدواء في لبنان حتى ولو بلغت قيمة الدولار 12 و 13 و 15 ألف ليرة لبنانية، ويصبح بالتالي سعر الدواء في لبنان أقل من كل الدول المحيطة به بنسبة عالية، وطبعاً هذا ما أدى الى تنشيط عملية تهريب الأدوية الى خارج لبنان. ثالثاً: عندما يردد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة هذا الكلام ثلاث مرات منذ تقريباً ثمانية أشهر بأنه لم تعد هناك أموال وأنه سيوقف الدعم فهذا الأمر سبب الهلع لدى الناس الذين يخزنون الأدوية بكميات كبيرة في بيوتهم، وهذا أدى الى عدم التوازن بين العرض والطلب، أي هناك طلب كبير على الأدوية والموجود قليل جداً فكانت النتيجة انقطاع عدد من الأدوية، وكلما يوافق المصرف على فاتورة يتأمن الدواء قليلاً من ثم ينقطع بسرعة، وهذا هو الواقع المرير.


لجنة ترشيد دعم الدواء

 

* ما هو دور نقابة الصيادلة في هذا الخصوص وكيف يمكن مواجهة مشكلة نقص الأدوية خصوصاً في ظل جائحة الـ"كورونا"؟

- لقد عملنا على خطين: أول خط شاركنا مشاركة فعّالة في لجنة ترشيد دعم الدواء وانجزنا خطة كاملة وقدمّناها للحكومة، ولكن للأسف في آخر زيارة قمنا بها لرئيس الحكومة حسان دياب قال لنا إنه لن يوافق على خطة ترشيد الدعم بدون تأمين البطاقة التموينية للمواطن، حيث يعتبر ان الدعم كله يتحوّل الى التجار والى التهريب وما شابه... من جهة أخرى كنقابة الصيادلة نحاول قدر المستطاع أن نقوم بترشيد صرف الدواء للمواطن بمعنى ألا يعطي الصيدلي الشخص أكثر من علبة دواء أكثر من استعمال شهر، وألا يعطي سوى للناس الذين يثق بهم لكي لا يحاول التجار او أي شخص جمع الدواء وبيعه.


* وهل يُطبق ذلك ام هناك خروقات كما يحصل عادة؟ 

- لا يُطبق ذلك مئة بالمئة لأننا لسنا اللجان الوحيدة التي تعمل في هذا الخصوص، لأنه للأسف حتى ان المستوردين لا يوزعون الأدوية بشكل عادل للصيدليات بل يوزعونها للصيدليات الكبيرة أكثر، وأيضاً للصيدليات الأقرب جغرافياً لهم ، حيث ان هناك مناطق نائية في لبنان مثلاً في الجنوب والبقاع والشمال التي لا يصل اليها الدواء بتاتاً ولا حتى الغذاء أو الحليب ولا شيء وهذا سبّب الخلل.


استيراد الأدوية من أوروبا


* أي نوع من الأدوية هي مفقودة في السوق؟ ومن أي البلدان نستورد الأدوية ولا نزال؟

- أكثر أنواع الأدوية المفقودة في السوق هي أدوية الأمراض المزمنة مثل أدوية الضغط والسكري والكوليسترول وغيرها، وطبعاً كل الأدوية التي تُعطى لمرضى الـ"كورونا"، ونحن نستورد الدواء بشكل كبير من أوروبا وما زلنا، لأننا لا نقدر ان نستورد الدواء من أي مكان اذ يتطلب ملفاً وتسجيلاً ودراسة. 


دواء "الجينيريك"  


* وماذا عن تصنيع دواء "الجينيريك" في لبنان؟   

- الكثير من الدول تقوم بتصنيع الدواء ولكن في لبنان للأسف لا نقوم بتصنيع الدواء بشكل كاف أقصد دواء "الجينيريك"، إذ إن هذا الدواء الذي يُصنّع في لبنان لا يتعدى 7 في المئة من الفاتورة الدوائية. أما على صعيد الاستيراد فلا نزال نعتمد على سياسة دوائية التي هي مبنية على "البراند" أكثر ولا نشجع على استيراد دواء "الجينيريك" الذي يأتي من أوروبا وأميركا ودول عربية التي لديها صناعة جيدة، ولكن للأسف هذا الموضوع غير قائم عندنا في لبنان، لذلك ليس لدينا دواء كما ينقطع الدواء عندنا... 


* وهل ترى كنقيب للصيادلة أنه في الأيام أو الأشهر المقبلة سيكون هناك نقص بالأدوية أكثر؟

- المشكلة أن حاكم مصرف لبنان قد أدلى بتصاريح كثيرة وهناك تناقض في تلك التصاريح ، فهو أولاً على سبيل المثال قال في شهر تموز (يوليو) 2020 إنه في آواخر عام 2020 سيوقف دعم الدواء ولكنه لم يفعل، ثم قال أن هناك 800 مليون دولار منذ أربعة أشهر، ومنذ شهرين قال إن لديه مليارين دولار، ونحن بالحقيقة لا نعلم ماذا لديه مصرف لبنان وعما اذا باستطاعته أن يواصل الدعم، وأتصور ان المسؤولين في الدولة لا يعرفون. ثانياً: اذا صدق حاكم مصرف لبنان بما قاله في آخر تصريح له أن مصرف لبنان لن يقدر أن يدفع الدعم في آواخر شهر أيار (مايو) المقبل، فعندها ستكون كارثة وطنية، اي ليس سعر الدواء فقط سيرتفع بل أيضاً ستفلس المؤسسات الضامنة والضمان الاجتماعي وتعاونية موظفي الدولة والدرك والجيش وكل المؤسسات التي تغطي الشعب اللبناني.


أدوية لمرضى الـ"كورونا" والتلقيح


* لأننا نعيش أزمة اقتصادية خانقة في ظل وباء الـ"كورونا"، فهل هناك استثناء بما يتعلق بأدوية مرضى هذا الفيروس؟

- طبعاً هناك اهتمام بأدوية مرضى الـ"كورونا" بحيث ان هناك سعياً دائماً لئلا تنقطع تلك الأدوية في ظل وباء يفتك بالشعوب. كما أنه الآن بعدما تم تلقيح اللبنانيين ما فوق سن 75 وأيضاً عدد كبير من الناس بسن 65 و 55 سنة أصبح النظام الصحي بوضع أحسن من قبل وارتاح ولو قليلاً، والأمر نفسه بالنسبة لمراكز العناية الفائقة التي لم تكن قادرة ان تتحمل أعداداً كبيرة من المرضى وذلك قبل مرحلة التلقيح، اذ لم تكن هناك أماكن شاغرة في العناية الفائقة نظراً للحالات التي كان يتم ادخالها يومياً، وبالتالي الوضع سيكون أفضل قليلاً في الفترة المقبلة، انما لكي نصل الى المناعة الجماعية يجب أن يتم تلقيح 80 في المئة من الشعب اللبناني، ولكن أقله الآن لم تعد هناك أزمة بألا يجد مريض الـ"كورونا" مكاناً شاغراً في مراكز العناية الفائقة كما كان يحصل قبل بدء عملية التلقيح في لبنان.


إغلاق الصيدليات بسبب الضائقة المعيشية والاقتصادية


* لقد أغلقت تقريباً 600 صيدلية نظراً للظروف الصعبة التي يمر بها البلد من جميع النواحي فهل سيؤدي الأمر الى اغلاق المزيد من الصيدليات في البلد؟

- طبعاً تعرّضت الصيدليات في لبنان لكارثة لأن الصيدلية مؤسسة وهي مؤسسة فيها قوة تشغيلية، اذ يتوجب على الصيدلي أن يدفع مبلغاً كل شهر بين ايجار المكان وفاتورة الكهرباء والماء ومعاشات الموظفين، الا أن هذا المبلغ أصبح أكثر من مردود الصيدلية في الشهر لأن الصيدلي ربحه على الدولار (1515 ليرة لبنانية) ولهذا أُغلقت 600 صيدلية في لبنان. ولكن حصل هناك تدخل من قبل وزير الصحة الدكتور حمد حسن وذلك بعد ورشة عمل قمنا بها كنقابة الصيادلة مع الوزير بحيث يصمد الصيدلي ابتداءً من الآن لغاية ثلاثة أو أربعة أشهر، وإن شاء الله تكون هناك حلول في الأفق، فالصيدلية مؤسسة خاصة، واذا أغلق الصيدلي باب صيدليته وسافر الى الخارج فلن يعود الى البلد، ولكن ربما الذي يقيم في لبنان قد يعيد فتحها اذا تحسّن الوضع الاقتصادي، وبالتالي لا نعلم هل ستفتح الصيدليات التي أغلقت في ظل ما نعيشه من ظروف معيشية واقتصادية متردية.


ملف تهريب الأدوية

 

* وماذا عن مشكلة تهريب الأدوية التي تفاقمت أكثر في الآونة الأخيرة؟

- بالنسبة لملف تهريب الأدوية تتم معالجة 80 في المئة تقريباً من المشكلة  بعدما أقامت وزارة الصحة برنامج تتبع للدواء منذ بداية استيراده الى مرحلة بيعه، ومراقبة كيف تتم عملية البيع وبالتالي أصبح لدى الوزارة علم لمن باع المستورد الأدوية، حيث تبيّن أنه يتم بيع كميات كبيرة لأي صيدلية تخضع لعملية التفتيش في الحال، وبالتالي تراجع تهريب الدواء بنسبة كبيرة، ولكن حتى لو حصل ذلك لدينا عدم توازن بين الدواء الموجود والدواء المطلوب، اذ هناك طلب كبير على الدواء وهناك قلة في الاستيراد.


المعاناة الاقتصادية لدى الصيادلة وموظفي شركات الأدوية والموزعين


* ما هي العوائق التي تواجهها نقابة الصيادلة في لبنان في ظل الأزمة الحالية؟

- طبعاً الوضع الاقتصادي هو أكبر عائق تواجهه أي مؤسسة بما فيها نقابة الصيادلة في لبنان، فاليوم الجميع يعاني اذ ليس الصيدلي فقط بل أيضاً الموظفون في شركات الأدوية لأنه يتم صرفهم في ظل الأزمة الاقتصادية المتردية. كما هناك شركات لا تدفع رواتب الموظفين، وهناك الصيادلة الموظفون الذين يعانون كثيراً. فمثلاً الصيدلي الموظف الذي يقبض مليون ونصف المليون ليرة لبنانية لا يكفيه أن يتحمل أعباء الحياة في ظل الأزمة الحالية. وأيضاً هناك مشكلة بالصناعة في هذا المجال اذ تعاني مصانع الأدوية أيضاً إذ إن كرتونة دواء "الجينيريك" أصبحت تكلّف أكثر من سعر الدواء، وأيضاً هناك الموزعون وتكلفة التوزيع والسيارات التي تتعطل وتحتاج للتصليح وكل ما يجنيه يدفعه لتصليح السيارة، فالجميع يعاني من الأزمة الاقتصادية.


* هل من خطة عمل لنقابة الصيادلة للأشهر المقبلة لمواجهة هذه المشاكل الذي يعاني منها الصيادلة في لبنان؟

- نحاول قدر المستطاع أن نخفف على الصيدلي، بالنهاية نقابة الصيادلة ليست سلطة تنفيذية، النقابة تقدّم اقتراحات وأكثر من ذلك لا تقدر أن تفعل شيئاً، إذ إنها تقدّم المشاريع والحلول، الأمر متعلق بتشكيل الحكومة فاذا تم تشكيل الحكومة عندها نقدر أن نعلم كيف ستُحل المشاكل التي يعاني منها الجميع، وبدون تشكيل الحكومة لا حلول لكل هذه المشاكل.



النقيب غسان الأمين: نحاول كنقابة قدر المستطاع ترشيد صرف الدواء للمواطن.

النقيب غسان الأمين: نحاول كنقابة قدر المستطاع ترشيد صرف الدواء للمواطن.