تفاصيل الخبر

ظهور حالات شلل الأطفال في لبنان والدول المجاورة بسبب تأخير التطعيم لانشغالهم بفيروس "كورونا"

بقلم وردية بطرس
التطعيم يحمي من الشلل.

التطعيم يحمي من الشلل.


الاختصاصي في طب الأطفال الدكتور داني حاموض: التعاون والتنسيق ما بين القطاع العام والقطاع الخاص يساعد على توفير التطعيم للأطفال في لبنان 


 لقد قطع العالم شوطاً طويلاً منذ أن حقن الطبيب والعالم "ادوارد جينر" صبياً عمره 13 عاماً بقيح جدري الأبقار الأقل حدة نسبياً في العام 1796، وأدى ذلك الى ظهور بثرة واحدة فقط، ثم عند حقنه بقيح الجدري الذي يصيب البشر لم تظهر عليه أي أعراض المرض. وبذلك قدّم "جينر" أدلة علمية على أن التطعيم باستخدام شكل خفيف من المرض يمكن أن ينقذ حياة الانسان، الأمر الذي مهّد الطريق لتحقيق تقدّم مذهل في الطب. ومنذ تلك اللحظة المحورية قبل أكثر من مئتي عام، فقد تحسّنت صحة الانسان تحسّناً كبيراً. ويجري اليوم تطعيم مئات الملايين من الأطفال ضد مجموعة متنوعة من الأمراض من الجدري الى شلل الأطفال التي كانت تتسبب في الوفاة والاعاقة على نطاق واسع. وبحلول العام 1979 أعلن استئصال مرض الجدري، وهو مرض كان يؤدي بحياة 30 في المئة من المصابين به. أما شلل الأطفال فهو متوطن حالياً في ثلاثة بلدان فقط.

وقبل جائحة الـ"كورونا" كانت المعركة ضد شلل الأطفال في آخر مراحلها، وبالتالي أثّر الوباء على الجهود للقضاء على شلل الأطفال، لكن في الوقت نفسه ساعدت البنى التحتية الخاصة بشلل الأطفال في مكافحة "كوفيد-19".

تجدر الاشارة أنه منذ جيل واحد فقط كان يتعرض أكثر من ألف طفل بالشلل بسبب شلل الأطفال يومياً في جميع أنحاء العالم. كان الآباء يرسلون أطفالهم الى المدرسة في الصباح، وبحلول فترة ما بعد الظهر كان فيروس شلل الأطفال يصيبهم بالشلل مدى الحياة. لم يكن هناك علاج ولكن بعد ذلك تم تطوير لقاح آمن وفعّال وقررت دول العالم أنه سيتم القضاء على شلل الأطفال من خلال التأكد من وصول اللقاح الى كل طفل في كل بقعة على الأرض. طبعاً في العام 2020 مثل بقية الأنشطة والحملات في العالم تأثر التحصين أو التطعيم بسبب جائحة الكورونا حيث لم يتمكن الآباء من احضار أطفالهم الى المرافق الصحية للتحصين ولم يتمكن العاملون في مجال التوعية من زيارة المنازل لتطعيم الأطفال.

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من انخفاض مثير للقلق في عدد الأطفال الذين يحصلون على التطعيمات اللازمة، والآثار الخطيرة التي خلّفتها جائحة "كورونا" في مجال لقاحات الأطفال. وبطبيعة الحال أجبر الفيروس الذي تسبب بالوباء لملايين العائلات في العالم على تأجيل اعطاء اللقاحات المجدولة لأطفالهم. وفي ظل بقاء ملايين العائلات في بيوتهم تطبيقاً لاجراءات العزل المنزلي يرى أطباء أن تأخير اللقاحات قد يضّر بصحة الأطفال ويعرضهم أكثر للاصابة بفيروسات مهددة لحياتهم.

وتبقى التوعية أساسية لحماية الأطفال من الاصابة بالأمراض، من هنا أهمية اسبوع التحصين العالمي World Immunization Week كحملة عالمية للصحة العامة لرفع مستوى الوعي وزيادة معدلات التحصين ضد الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات في جميع أنحاء العالم، حيث تعقد هذه الحملة العالمية من كل عام خلال الأسبوع الأخير من شهر نيسان "أبريل" الجاري. 


الدكتور داني حاموض وأهمية أسبوع التحصين العالمي 


فما أهمية حملات التوعية في لبنان بعدما ظهرت حالات شلل الأطفال في البلد؟ وماذا عن التعاون والتنسيق ما بين القطاع العام والقطاع الخاص لتوفير التطعيم للأطفال في لبنان نظراً للظروف المعيشية والاقتصادية المتردية حيث لا يتمكن الكثير من الأهالي من تطعيم أطفالهم؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها "الأفكار" على الاختصاصي في طب الأطفال الدكتور داني حاموض وسألناه:

* ما أهمية اسبوع التحصين العالمي لا سيما بعد تأخير أخذ التطعيمات بسبب جائحة الـ"كورونا" نظراً لخوف الأهالي من اصطحاب أطفالهم الى مراكز التطعيم على مدى سنتين؟

- بالفعل لم يأخذ الأطفال التطعيمات اللازمة على مدى سنتين بسبب جائحة الـ"كورونا"، لهذا بدأنا نرى ازدياد بحالات الاصابة بشلل الأطفال حيث لم يتم تطعيم الأطفال منذ بداية الجائحة،  وبالتالي حملات التوعية مهمة من أجل توعية الأهالي بضرورة تطعيم أطفالهم وذلك من خلال التعاون والتنسيق بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء ووزارة التربية فلكل منها دور لايصال الصورة سواء للطلاب أو للأهل لكي يعرفوا مدى أهمية التطعيم.


* لا شك أن الأطفال معرضين لمشاكل صحية ولكن هل كنتم ترون حالات شلل الأطفال قبل الجائحة؟

- نعتبر أن الأطفال معرضون للاصابة بشلل الأطفال نظراً لعدم تلقيهم التطعيم في السنتين الأخيرتين بسبب الجائحة كما ذكرت، وذلك لأننا نرى حالات أكثر اليوم لأنه من قبل لم نكن نرى اصابات بشلل الأطفال كما اليوم، والأمر نفسه في الدول المجاورة حيث تزداد حالات الاصابة بشلل الأطفال نتيجة عدم تلقي تطعيم شلل الأطفال. بالنسبة للبنان فنرى حالات شلل الأطفال في المناطق المجاورة للحدود وأيضاً في البقاع وعكار.


دق ناقوس الخطر


* وهل اختلف الأمر الآن مقارنة ببداية الجائحة حيث نرى أن الأهل بدأوا يصطحبون أطفالهم الى مراكز التطعيم وما شابه نظراً لخطورة الأمر بعدما قمتم بالتحذير من مخاطرها ودق ناقوس الخطر؟

- هذا صحيح لقد سارعنا الى دق ناقوس الخطر أولاً بعدما رأينا ازياد بحالات شلل الأطفال في لبنان منذ بداية الجائحة. ثانياً الوضع تغيّر الآن فمع بداية الجائحة كان الناس يخشون من الخروج من منازلهم والتوجه الى المراكز الصحية أو المستشفيات وبالتالي لم يكن الأطفال يتلقون التطعيمات ككل وليس فقط تطعيم شلل الأطفال بل أيضاً التطعيم ضد الحصبة والجدري. أما اليوم فبدأ الأهالي باصطحاب أطفالهم الى مراكز التطعيم بعدما تراجعت نسبة الاصابة بفيروس "كورونا"، ولم يعد الناس يلازمون بيوتهم خوفاً من التقاط العدوى، وبطبيعة الحال كان أطفالهم لا يأخذون التطعيمات الضرورية لحمايتهم من الأمراض، لكن للأسف ما نراه اليوم هو ناتج عن الجائحة، اذ بدأنا نرى حالات اصابة بالانفلونزا أكثر ومشاكل بالجهاز التنفسي حيث كانت أشد خطورة على الأولاد مما لو كانوا يُصابون بالـ"كورونا".


ضعف المناعة لدى الأطفال 


* الملاحظ أنه مع بداية الجائحة لم نكن نرى حالات اصابة بالانفلونزا أو مشاكل تنفسية لدى الأطفال بينما اليوم تسجل اصابات أكثر، فهل السبب هو ضعف المناعة لديهم التي كانوا يكتسبونها بفعل التخالط فيما بينهم؟

- هذا صحيح لأن الأطفال لازموا بيوتهم على مدى سنتين، فهناك أطفال لم يدخلوا الى الحضانة من الأساس، وبالتالي لم يتخالط الأطفال فيما بينهم ولم يتعرضوا للاصابة بفيروسات ولكن الآن بدأنا نرى حالات اصابة بشلل الأطفال، حيث إن الفيروسات تنتشر أكثر بينهم بشكل أسرع لأن المناعة قد خفت. ففي السابق كان جميع الأطفال يلتقطون العدوى من بعضهم البعض فكانت هناك مناعة أما اليوم فترين الأولاد الذين لم يلتقطوا العدوى من قبل ظهرت عليهم أعراض أكثر شدة.


التعاون ما بين القطاع العام والقطاع الخاص لتوفير التطعيمات للأطفال في لبنان


* على الرغم من الأزمات المتتالية في لبنان هناك دائماً سعي لنشر التوعية بين الناس من أجل الوقاية وتجنّب الاصابة بأمراض، فما أهمية التعاون في هذا الخصوص؟

- نظراً للوضع الاقتصادي الصعب في البلد رأينا مؤخراً تنسيقاً ما بين وزارة الصحة ولجنة طب الأطفال حيث أعدوا فيديو وقاموا بنشره على مواقع التواصل الاجتماعي، اذ نؤكد في هذا الفيديو أن هناك جهوداً  لتطعيم الأطفال حتى لو كانت امكانيات الأهالي لا تسمح بذلك بسبب ظروف البلد الصعبة، لأن قطاع الدولة لن يقدر أن يغطي كل الأطفال في لبنان ولهذا التعاون ما بين القطاع العام والقطاع الخاص ساعد في هذا الخصوص. فالوضع الاقتصادي المتردي في البلد لا يسمح للقطاع العام القيام بذلك لوحده، كما حصل تعاون مع الكاريتاس والصليب الأحمر اللبناني والمستوصفات ليساعدوا معاً من أجل توفير التطعيمات للأطفال في لبنان.


* هل هناك دراسة تؤكد نسبة الاصابة بشلل الأطفال حالياً في لبنان؟

- لغاية الآن ليست هناك دراسة تؤكد نسبة الاصابة بشلل الأطفال في لبنان، الا أنه المؤكد أنه تُسجل حالات اصابة بشلل الأطفال. فمن الصعب القيام بذلك الآن لأنه لكي يتم التشخيص يجب اجراء الفحوصات، وبظل الظروف الصعبة في البلد لا يقدر الجميع تحمل تكاليف الفحوصات ولهذا نرى أن هناك تزايداً بحالات الاصابة بشلل الأطفال في لبنان. 


* طبعاً كل الأطفال بحاجة للتطعيم ولكن أي أعمار لا يمكن تأجيل أخذ التطعيمات؟ 

- بالنسبة للتطعيم فأول تطعيم نعطيه للطفل بعمر الشهرين، ثم يأخذ التطعيم وهو بعمر 18 شهراً، من ثم بعمر 4 أو 5 سنوات نعطيه تطعيماً أيضاً، من ثم بعمر 10 و 12 سنة ولهذا على الأهالي أن يعرفوا بأنه اذا لم يأخذ الطفل تطعيماً واحداً فهناك امكانية القيام بما نسميه Catch up أي نعطيه فيما بعد التطعيم لهذا عليهم أن يتواصلوا مع طبيب الأطفال بهذا الخصوص ليعلموه بأنه خلال جائحة الكورونا لم يأخذ ابنهم تطعيماً معيناً وبدوره الطبيب يعلمهم متى يستوجب أخذ التطعيم.


التعاون بين وزارة الصحة ووزارة التربية


* وهل هناك تعاون ما بين وزارة الصحة ووزارة التربية بما يتعلق بتطعيم الأطفال؟

- أولاً هناك منظمة الصحة العالمية وكل المؤسسات والمنظمات الصحية التي تتعاون مع وزارة الصحة، وبدورها وزارة الصحة تتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي لكي يقدر الجميع أن يمنحوا الأمان للمجتمع وتحديداً للأطفال. وكوني مستشاراً لوزير التربية للشؤون الصحية نعمل بهذا الخصوص لرفع مستوى التوعية في المدراس بما يتعلق بأخذ التطعيمات.


* في السابق كنا نرى أنه قد لا تكون حملات التوعية كافية في المناطق النائية والبعيدة، ولكن اليوم لم يعد الأمر مقتصراً على تلك المناطق بل في مختلف المناطق اللبنانية وبالتالي الجميع يعاني من الصعوبات بما يتعلق بالشأن الصحي، فهل ستتمكن هذه الحملات من ايصال الرسالة لكل الأهالي في البلد؟

- طبعاً التوعية أمر أساسي بما يتعلق بصحة الأطفال وضرورة تلقيهم التطعيم مهما كانت الظروف قاسية وصعبة في البلد. فاليوم نقول أهم شيء في العلاج هو التوعية أي تبدأ الأمور بالتوعية. فاذا كانت هناك توعية جيدة أعتقد أنه ستكون لدينا نتائج جيدة ببما يتعلق بالأطفال ولهذا التوعية ضرورية سواء في وسائل الاعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي واينما كان،  فكل ذلك يساعد بايصال المعلومات والارشادات الصحية لكل شخص سواء كان في بيته أو أي مكان بطريقة أسرع.


* لا شك أن دول العالم كلها تأثرت سلباً بما يتعلق بتطعيم الأطفال منذ بداية جائحة الـ"كورونا" ولكن الى أي مدى تأثر لبنان نظراً للظروف القاسية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والصحية؟

- طبعاً العالم كله تأثّر سلباً بسبب جائحة الـ"كورونا" انما الوضع في لبنان أصعب بسبب الحالة الاقتصادية والمعيشية، ولا يجب أن يغيب عن البال وجود النازحين السوريين في البلد لأن هذا عبء كبير اينما كان وليس فقط في لبنان لأن النازحين السوريين انتقلوا الى الكثير من البلدان، ولأن الأطفال لم يأخذوا التطعيمات اللازمة بدأت تظهر حالات شلل الأطفال في تلك البلدان التي نزحوا اليها، ولهذا اتخذت كل الدول اجراءاتها وبدأت توفر التطعيمات للأطفال من أجل منع انتشار شلل الأطفال.


الدكتور داني حاموض: أهمية حملات التوعية لتطعيم الأطفال أساسية لحمايتهم من الاصابة بالأمراض.

الدكتور داني حاموض: أهمية حملات التوعية لتطعيم الأطفال أساسية لحمايتهم من الاصابة بالأمراض.

تطعيم الأطفال.

تطعيم الأطفال.