تفاصيل الخبر

علاج جيني موجه جديد قد يمنع تطور سرطان الرئة ويحسّن حياة ملايين المرضى حول العالم

بقلم وردية بطرس
28/09/2021
تشخيص الإصابة بسرطان الرئة.

تشخيص الإصابة بسرطان الرئة.


طبيب الأورام في قسم أمراض الدم والأورام في "كليفلاند كلينك" الدكتور خالد حسن: 81 في المئة من مرضى السرطان استطاعوا السيطرة على مرضهم بفضل العلاج الجديد الموجه لاستهداف جين "كيراس" الذي يعد السبب الرئيسي للإصابة بالسرطان وخصوصاً سرطان الرئة



 يعّد سرطان الرئة ثاني أكثر أنواع السرطانات انتشاراً في العالم، حيث بلغ عدد الإصابات الجديدة 2.21 مليون حالة في العام 2020، كما أنه السبب الرئيس للوفاة بالسرطان، اذ أدى الى 1.8 مليون حالة وفاة في العام نفسه وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وبفضل التطور الحاصل في الطب بات هناك علاج جيني موجه، حيث يعتبر طبيب الأورام في قسم أمراض الدم والأورام في "كليفلاند كلينك" المستشفى الأميركي الشهير الدكتور خالد حسن أن هذا العلاج الحديث قد يساعد الملايين من مرضى سرطان الرئة حول العالم على منع انتشار المرض. وأن الجين أو المورثة "كيراس" KRAS يعُد الجين الرئيس الذي يتسبب في الاصابة بالسرطان، وبسرطان الرئة على وجه التحديد مشيراً الى صعوبة استهدافه في السابق.

كما أوضح الدكتور خالد حسن أن 81 في المئة من مرضى السرطان استطاعوا السيطرة على مرضهم بفضل العلاج الجديد الموجّه لاستهداف هذا الجين، ما يعني امكانية تحسين حياة المرضى واطالتها بنحو ستة أشهر في المتوسط. وحقق ثلث المرضى في تجربة سريرية أجريت لاختبار العلاج الجديد، معدل استجابة موضوعي تمثل في تقليص السرطان او القضاء عليه تماماً، وذلك بالرغم من خضوعهم من قبل لعلاج كيميائي فشل في السيطرة على مرضهم. وأنه باتت لدينا الآن علاجات موجهة لثماني جينات مسببة للسرطان يستجيب لها المرضى استجابة جيدة. 

لقد حقق نحو أربعة من كل خمسة مرضى (80 في المئة) ممن خضعوا للتجربة السريرية التي لم يشارك في إجرائها الدكتور حسن، سيطرة على المرض، أي أنهم استطاعوا إما القضاء على السرطان أو البدء في التماثل للشفاء منه او إبقاءه على حاله والحيلولة دون انتشاره. وحقّق أكثر من ثلث اجمالي المرضى (36 في المئة) معدل استجابة موضوعي أي تقلّص السرطان أو اختفى تماماً.

وكانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية قد وافقت حديثاً على استخدام علاج موجه للطفرة الجينية، التي تمثّل نحو 13 في المئة من KRAS G12C من الطفرات التي تحدث في سرطانات الرئة غير صغيرة الخلايا، في حين تمثل الطفرةKRAS  حوالي 25 في المئة من الطفرات التي تحدث في سرطانات الرئة غير صغيرة الخلايا.

وأضاف الدكتور حسن أن العلاجات الموجّهة تصمّم بطريقة تجعلها انتقائية في الارتباط بمسارات طفرات جينية معينة، ما يمكنها من التخلص من معظم السموم في الخلايا السرطانية وقد تُحدث آثاراً جانبية طفيفة، مؤكداً أن مستشفى "كليفلاند كلينك" قد شرع في وصف العلاج الجيني للمرضى حيث قال:

- بقي أن نعمل على معرفة كيفية تطوير عقاقير يمكنها استهداف مسار الجينات لدى المرضى الذين لم يستجيبوا للعلاج الجديد. لكن العلاج الموجه الجديد للجينKRAS  لا يشفي من المرض شفاءً تاماً، بل بامكان الخلايا السرطانية أن تجد طريقة للالتفاف حول العلاج وتطور مقاومة له...هناك أمران مهمان في هذا الخصوص: أولاً ضرورة الاقلاع عن التدخين الذي يمكن أن يسبب السرطان وأمراضاً أخرى. ثانياً: أهمية أن يحرص الأشخاص المعرضون أكثر من غيرهم لخطر الاصابة بالسرطان على الخضوع لفحوص التصوير المقطعي بقدر آمن يفي بالغرض، مبيناً أن المرضى الأكثر عرضة للخطر هم من بلغوا أو تجاوزوا الخمسين عاماً من العمر، ودخنوا علبة سجائر واحدة على الأقل يومياً طوال عشرين عاماً.



الدكتور خالد حسن والعلاج الجيني الموجّه


وأجرت "الأفكار" مقابلة مع طبيب الأورام في قسم الدم والأورام في المستشفى الأميركي "كليفلاند كلينك" الطبيب اللبناني المغترب الدكتور خالد حسن عبر تطبيق "الزوم" ليطلعنا على كل التفاصيل حول العلاج الجيني الموجّه الذي قد يساعد ملايين المرضى حول العالم وسألناه عن العلاج الجيني الموجّه فقال:

- في الماضي كنا نعالج سرطان الرئة لأنه موجود في الرئة، نقسم الأمر الى نوعين أساسيين حسب ما نراه تحت المجهر لنرى عما اذا كان خلية صغيرة أم لا، اذاً هذه كانت الطريقة التي ننظر بها الى السرطان ونعالجه بالمواد الكيماوية، ولكن هذا الأمر تطور ففي العام 2004 تقريباً بدأنا نرى أخطاء جينية معينة التي تؤدي الى أن يتكاثر السرطان، بالتالي اذا وجهّنا الدواء على الجين المتحور عندها نقدر أن نوقف السرطان من تكاثره وانتشاره. لقد كان هذا الأمر مفصلياً بطريقة تفكيرنا بالسرطان وبطريقة علاجنا للسرطان. أول جين كان EGFR الذي أتاح المجال لأمور كثيرة، حيث منحت ادارة الغذاء والدواء الأميركية الموافقة على دواء EGFR في العام 2004. وثاني دواء موجّه كان لمتحور ثان حيث اكتشفنا بأن "اي جي أف آر" موجود لدى 10 الى 15 في المئة من المرضى، هناك مرضى لديهم 5 في المئة متحور ثان فأتت الموافقة في العام 2011. ومن عام 2011 لغاية العام 2021 أصبح لدينا 17 دواء. اذاً بدل أن ننظر الى السرطان بشكل عام وكيف هو شكله تحت المجهر أصبحنا نقسمه أكثر حسب التحورات الجينية الموجودة فيه، ولكل تحور نحاول أن نكتشف دواء لنقدر أن نعالج هذا التحور لكن ليس لنغيره بل لنقدر أن نوقف عمله. بالتالي هذه التحورات الجينية هي مصدر طاقة للخلية. وعندما يأخذ المريض هذا الدواء يتوقف مصدر الطاقة لهذه الخلية، فتموت الخلية ولا تقدر أن تتكاثر ولهذا يتجاوب المريض مع العلاج. يجب التنويه هنا أننا لا نعالج جينياً أي أننا لا نقوم بتغيير شيء في الجينات بل نكتشف هذا المرض وعلى ماذا يعتمد بمعنى الجين الذي يجعله يتكاثر وبدورنا نكتشف الدواء الذي يقدر أن يوقف عملية التكاثر.


التحور الذي يقود عملية تكاثر السرطان


* اذاً تطلب الأمر سنوات الى أن توصلتم الى هذا العلاج الموجّه الذي سيساعد المرضى حول العالم، برأيك الى أي مدى سيؤدي ذلك الى تطور أكثر في السنوات المقبلة؟

- لقد حصلت القفزة النوعية عندما بدأنا ننظر الى السرطان ليس فقط من حيث شكله تحت المجهر، بل أصبحنا نرى "دي أن اي" والتحورات الجينية. بالتالي كلما نغوص أكثر نكتشف ما هو هذا الجين الذي نسميهA DRIVER MUTATION او التحور الذي يقود عملية التكاثر للسرطان. كما ذكرت أننا كنا قد اكتشفنا جين واحد في العام 2004 وسررنا بذلك حيث كنا نبحث لدى المريض عما اذا لديه هذا الجين لنعطيه الدواء الصحيح والآن أصبح لدينا 10 أو 12 جين أي لدينا أكثر من دواء لـ 10 جينات بمعنى أننا نبحث عن 10 جينات لنقدر أن نعطيه الأدوية مباشرة. هذا التطور جيد لأن العلاج الكيميائي بشكل عام ليس موجّهاً لخلية سرطانية مباشرة، يعني هذا العلاج يؤثر على خلايا السرطان لأنه يتكاثر بسرعة، ولكنه يؤثر أيضاً على خلايا الدم لأنه يتكاثر بسرعة، كما يؤثر على الخلايا الموجودة في الجهاز الهضمي وفي أماكن عدة ولهذا تكون له آثار جانبية كثيرة. بينما الأدوية التي نستعملها للجينات المتحورة هي أننا نعطي المريض حبة دواء واحدة أو أثنتين في اليوم، يعني طريقة العلاج مختلفة حيث لم يعد المريض يتوجع كما عندما كان يأخذ العلاج بالدم لأن العلاج أصبح موجّهاً لهذا الجين بشكل دقيق. هذا الجين موجود بالخلايا الطبيعية أي نظل نرى القليل من الآثار الجانبية ولكن بما أنها موجودة كثيراً بالخلية السرطانية فنجد افادة كبيرة بالخلايا السرطانية والآثار الجانبية مقبولة أيضاً ويمكن التعامل معها.


العلاج لا يشفي السرطان تماماً ولكن يمنع تكاثره  


*  81 في المئة من مرضى السرطان قد استطاعوا أن يسيطروا على المرض من خلال العلاج الجيني الموجّه فما أهمية هذا الانجاز؟

- غالبية الأدوية الموجّهة لها النتائج نفسها تقريباً، عندما نقول 81 في المئة من المرضى قد استطاعوا ان يسيطروا على السرطان فلا يعني أن حجم السرطان قد أصبح صغيراً بل اما صغر حجمه او تم السيطرة عليه لفترة طويلة ولم يعد ينمو وهذا بحد ذاته انجاز. اذاً الهدف هو أن نتمكن من ايقاف تكاثر السرطان من خلال تناول حبة دواء أو اثنتين في اليوم على مدى سنتين أو ثلاث سنوات وهذا يُعتبر انتصاراً كبيراً. لكن للأسف السرطان ذكي جداً حيث يحاول دائماً أن يظل حياً على الرغم من أن المريض يستفيد من العلاج والسرطان يخف الا أنه يحاول أن يكتشف طريقة لينمو ويتغذى، لهذا لا نعتبره علاجاً شافياً حيث لا نقدر أن نتخلص منه كلياً. ما يحصل أنه عندما ينمو السرطان نقوم بأخذ خزعة ثانية ونحاول أن نعرف هل استعمل جين آخر وهو ما نسميه A driver Gene حيث أصبح العلاج الآن موجهاً لذا نحاول أن نرى أي طريقة يستعمل السرطان لكي يعود ويتكاثر من جديد، والخوف ألا يكون لدينا دواء آخر يقدر أن يوقف نموه وتكاثره.


الوقاية ثم الوقاية


وعن أهمية الوقاية خصوصاً من سرطان الرئة يشرح الدكتور حسن:

- أهم ما في الأمر بموضوع سرطان الرئة هو الوقاية، فلكي نكتشف السرطان يكون بمراحله المتقدمة أي لا نقدر أن نتخلص منه، لهذا نسبة الوفيات بسبب سرطان الرئة عالية. لهذا الأفضل هو الاقلاع عن التدخين لأن العامل المشترك بين التدخين وسرطان الرئة واضح جد، حيث تبين الاحصاءات في أميركا نسبة ازدياد الاصابة بسرطان الرئة بسبب التدخين، لهذا تم منع الاعلانات عن الدخان وأيضاً فُرضت الضرائب على التدخين. اذاً الوقاية أساسية بما يتعلق بسرطان الرئة من خلال التوقف عن التدخين والنرجيلة قدر الإمكان، كما أن فرض الضرائب على الدخان تقلل من نسبة المدخنين... بالنسبة للمدخنين فللأسف غالبيتهم ليس لديهم المتحورات التي نقدر أن نعطي لها الدواء كحبة دواء، حيث أن غالبية المتحورات موجودة لدى غير المدخنين. أما جين "كيراس" خصوصاً موجود عند المدخن، ولهذا يجب أن ننظر الى "دي أن أي" لكي نعطي أفضل علاج. ثانياً: الكشف المبكر مهم فهناك "داتا" تدعم الأمر. يعني اذا أجرينا فحص "سكانر" نقدر أن نكتشف المرض بشكل مبكر، ونقدر أن نقلل من نسبة الوفيات. ثالثاً: ألا نخاف من فكرة مرض السرطان بل علينا أن نتكلم عنه وأن نعالجه حيث لم يعد الأمر كما في السابق حيث كان الناس يخافون منه، ولا يريدون أن يأخذوا العلاج الكيميائي بل أصبحت لدينا علاجات متطورة جداً لنقدر أن نعرف ما اذا كان هناك متحور لكي نستعمل هذه الأدوية.


المراحل التي يمر بها الدواء


* ماذا عن المراحل التي يمر بها الدواء؟

- بالنسبة للدواء فتُجرى الأبحاث لسنوات لحين الوصول الى الدواء، حيث يمر بمراحل عدة: المراحل السريرية، ولكن قبل هذه المرحلة يكون قد بدأ في المختبر، على سبيل المثال أقوم بعملي في المختبر بما يتعلق بجين EGFR عدا عن جين "كيراس" لنرى المرضى الذين أعطيناهم الدواء ما اذا عاود المرض، وبالتالي نحاول أن نكتشف كيف عاود المرض لذا نأخذ عينات من المرضى ونقوم بالتجارب وما نكتشفه أن الخلية السرطانية هي تتأقلم مع الدواء وتقوم بتحور جديد لكي تتغلب على العلاج الذي نعطيه، فنكتشف كيف تقوم بهذا التحور ونحاول أن نطّور أدوية لمعالجته. اذاً هذا الأمر يحصل على مستوى المختبر، وعندما نكتشف الدواء نرى ما اذا أقله يعمل على الحيوان من ثم ننتقل الى المريض. اذاً المرحلة الأولى هي أن نعرف المعيار الآمن للانسان، وما هي الآثار الجانبية لها. من ثم نأخذ المعيار وننتقل الى المرحلة الثانية التي نحاول فيها أن نعرف ما اذا هناك استفادة منه. ثم ننتقل الى المرحلة الثالثة لنقدر أن نعرف ما اذا هناك استفادة حقيقية أم لا. بالتالي أي دواء سيمر بكل هذه المراحل التي تتطلب جهوداً على مدى سنوات، اذاً ليس سهلاً أن نكتشف أمراً لكي نقول إن هذا الدواء ينفع أم لا. بل يتطلب الأمر الكثير من الوقت والمال، والجامعات في الولايات المتحدة مثل "جامعة ميشيغان" أو مستشفى "كليفلاند كلينك" كلها تحاول بهذه الطريقة أن تعرف ما هو DRIVER MUTATION لتقدر أن تعالجه بالطريقة الصحيحة.


الدكتور خالد حسن: العلاج أصبح الآن موجهاً ولذلك نحاول أن نرى أي طريقة يستعمل السرطان لكي يتكاثر من جديد.

الدكتور خالد حسن: العلاج أصبح الآن موجهاً ولذلك نحاول أن نرى أي طريقة يستعمل السرطان لكي يتكاثر من جديد.