تفاصيل الخبر

تحرك نصر الله لفك عقدة الأزمة الحكومية يقابله تفاهم أميركي - فرنسي - سعودي على "حل"!

30/06/2021
السيد حسن نصر الله يتحرك لحل الأزمة الحكومية.

السيد حسن نصر الله يتحرك لحل الأزمة الحكومية.

 عاملان، الأول داخلي، والثاني خارجي، جعلا منسوب التفاؤل بامكانية الوصول الى حل للأزمـــة الحكومية الراهنة، يرتفع ولو نسبياً مع انتصاف هذا الأسبوع، من دون ان يعني ذلك ان الملف الحكومي سيجد طريقه الى الحل السريع، لكن ستكون له بدايات يؤمل ان تحمل نهاية سعيدة بعد اكثر من تسعة اشهر على انتظار ولادة الحكومة. العامل الداخلي يتمثل بمعاودة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الحديث عن قبوله طلب "صديقه" رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل اعادة تحريك المساعي لإخراج الأزمة الحكومية من عنق الزجاجــــة من خلال تفعيل مبادرة الرئيس نبيه بري على تحفظات باسيل وفريق العهد عليها. 

 أما العامل الخارجي، فقد تمثل باللقاء الثلاثي الذي جمع في روما وزير الخارجية الاميركية انطوني بلينكن مع وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان ووزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان، والذي كان الملف اللبناني من ابرز مواضيع البحث فيه. ولعل اهمية هذا اللقاء الثلاثي تكمن في مشاركة الوزير السعودي بن فرحان في اول "ظهور علني" للسعودية في ملف لبناني حساس، مثل تشكيل الحكومة. وهذان العاملان سوف يؤسسان حتماً لمقاربات جديدة لمسألة تشكيل الحكومي يمكن اذا ما تفاعلت ايجاباً ان تحقق الولادة الحكومية المرجوة.

واذا كانت حصيلة "اللقاء الثلاثي" في روما قد تأخر بالظهور عملياً شأنها شأن كل تحرك ديبلوماسي غالباً ما يكون بطيئاً، فإن الحراك الداخلي الذي اطلق شرارته السيد نصر الله في اطلالته الاعلامية الاخيرة يفترض ان يطرح من جديد الاسباب التي حالت دون الوصول الى تفاهم حول مبادرة الرئيس بري التي يقول فريق العهد انها غير واضحة المعالم، فيما يعتبر صاحبها، اي الرئيس بري، انها تتمحور حول حل نقطتين عالقتين، الاولى الجهة التي يفترض ان تعطى حق تسمية الوزيرين المسيحيين في حكومة من 24 وزيراً بعد توزيع الحصص على قاعدة 8-8-8، فيما النقطة الثانية العالقة ترتبط بمنح نواب "تكتل لبنان القوي" الثقة للحكومة الحريرية بتركيبتها المتفق عليها. 

 وهذا التباين في تفسير مبادرة بري بين رئيس المجلس وفريق العهد، تشكل ازالته اللبنة الاولى في مدماك التركيبة الحكومية العتيدة، علماً ان ثمة من رأى في كلام السيد مساء الجمعة الماضي انه لم يؤشر الى ان الحكومة باتت قريبة بمجرد الاستجابة لنداء باسيل له والاستعانة به كــ "صديق". لكن "السيد" اراد من خلال موقفه، وفق مصادر متابعة، عدم "تيئيس الناس" وملء الفراغ القاتل ببعض الامل، اضافة الى ان هذا الموقف من قبل السيد نصر الله حيال التعامل الايجابي مع الملف الحكومي، يحمل رداً مباشراً على القائلين إن حزب الله يقف وراء تعطيل الحكومة "لأسباب خارجية"، وبمجرد قبوله الدخول في وساطة يسقط هذه "التهمة" عن الحزب وعنه شخصياً.

نصر الله يرضي باسيل ولا يرضيه...

وفيما لم يلق كلام السيد نصر الله حول الشأن الحكومي "الارتياح" المطلوب لدى الفريق العوني، كان لافتاً ما اقترحه الأمين العام لحزب الله حول تشكيل لجنـــة من القوى السياسية التي شاركت في الحكومات السابقة والمسؤولة عما وصلت اليه الاوضاع المعيشية لتتخذ القرارات غير الشعبية في ترشيد الدعم، اذ فسر بأنه دليل على ان ولادة الحكومة غير قريبة فذهب الى استبدال اتخاذ القرارات في هذه اللجنة بالحكومة. الا ان مصادر متابعة اعتبرت ان لا ضرورة لربط هاتين المسألتين، ورأت هذه الدعوة مجرد رد  لا يرقى الى حجم الازمة، على اتهام الحزب بأنه يعجز عن ايجاد حلول للازمات المطروحة. غير ان ثمة من يرى ان السيد نصر الله ما كان ليقبل بدعوة "صديقه" النائب باسيل للتدخل مباشرة في الملف الحكومي، لو لم يكن واثقاً بقدرته على الوصول الى حل وإن اخذ ذلك وقتاً كما المح هو بنفسه الى هذا الواقع.

لقد اعطى "السيد" اكثر من نصف ساعة في خطابه الذي استمر 80 دقيقة، في الحديث تلميحاً او تصريحاً، عن العلاقة مع "التيار الوطني الحر" وفي تفنيد انتقادات قيادة "التيار" للحزب بالانحياز للرئيس نبيه بري حيناً، وللرئيس سعد الحريري احياناً، فاستخدم "السيد" الكثير من التوريات واللغة الديبلوماسية والكلام المنمق بهدف "تهدئة خواطر" حليفه، لكنه قطع بالتوازي الطريق على اي "مبالغة" في "المونة" عليه الى حد مطالبته بالانحياز الى فريق العهد ضد حليفه الاساسي بري، مشدداً بوضوح غير قابل للجدل، بأن مبادرة رئيس المجلس مستمرة، رافضاً في الوقت نفسه مهمة "الحكم" التي ارادها منه باسيل وذلك للتأكيد بأنه لا يستطيع ان يكون حيادياً بينه وبين بري، لقد استعمل السيد نصر الله عبارات مختارة بدقة ليقول لباسيل ولغيره إن مسألة افتراقه عن بري غير واردة، وبالتالي فهو ابقى مبادرة رئيس المجلس حية واعداً بالعمل على الوصول الى قواسم مشتركة تحقق الاتفاق على الحكومة من دون ان يبدو اي فريق وكأنه "انكسر" للآخر، لاسيما وان باسيل ليس وحده في الميدان، بل هو مع رئيس الجمهورية في خندق واحد في المقاربة من الملف الحكومي.

وفي الوقت الذي تحدث فيه السيد نصر الله عن طرح "افكار جديدة" لتسهيل عملية تأليف الحكومة، بدا حريصاً على اعطاء باسيل شحنة دعم في مقابل ما اخذه منه في ما خص العلاقة مع بري، لذلك اهتم بــ "تبرئة" باسيل من التهم التي وجهها اليه خصومه في الفريق المسيحي مثل "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب وغيرهما، لجهة ان باسيل "ائتمن" السيد نصر الله على حقوق المسيحيين، "وسلم أمرهم له". لقد أراد الأمين العام لحزب الله مساعدة باسيل على رد اتهامات خصومه لانه يدرك ان ما قاله باسيل في موضوع "الائتمان" كان له صدى غير مريح في الوسط المسيحي، على رغم ان باسيل حصر هذا "الائتمان" في الشق المتعلق بتشكيل الحكومة وليس في اي موضوع آخر. وفي اعتقاد "السيد"، وفقاً لمصادر متابعة، ان الدفاع عن باسيل في هذا الشق يساعد على تعاون رئيس "التيار" معه في مسألة حل الأزمة الحكومية، مع التأكيد على استمرار التفاهم مع "التيار البرتقالي" مع اختلاف حجم كل من الحزب و"التيار" وبالتالي الرد بديبلوماسية على المقارنة التي اقامها باسيل مع السيد نصر الله عندما قال انه يرضى بما يرضى به "السيد"!.

أبعاد لقاء روما الثلاثي

 في اي حال، كلام السيد نصر الله سيترجم خلال الآتي من الايام بسلسلة خطوات لفكفكة العقد التي تقف حائلاً دون قيام الحكومة، وبالتزامن مع التحرك الدولي الذي ظهر في "اللقاء الثلاثي" في روما والذي تناول الملف اللبناني من منظار اميركي- فرنسي- سعودي، على ما يبدو، عكسته "تغريدة" الوزير الاميركي بلينكن التي قال فيها انه اجرى مع نظيريه الفرنسي لودريان والسعودي بن فرحان "مناقشة مهمة في ما يتعلق بضرورة ان يظهر القادة السياسيون في لبنان قيادة حقيقية من خلال تنفيذ الاصلاحات التي طال انتظارها لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد وتوفير الاغاثة التي يحتاجها الشعب اللبناني بشدة". ومن الواضح ان اللقاء الثلاثي في روما اعطى زخماً اضافياً للمبادرة الفرنسية التي سبق ان دعمها الوزير بلينكن خلال لقائه الثنائي مع وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان، في ما يشبه "التكليف" الاميركي للادارة الفرنسية في ما خص الملف اللبناني. 

وبالعودة الى كلام الوزير الاميركي في المؤتمر الصحافي المشترك مع لودريان يبرز التلاقي الاميركي مع وجهة النظر الفرنسية لاسيما قوله إن بلاده مستعدة لمساعدة لبنان على التغيير لكنها بحاجـــة الى "قيادة حقيقية" في بيروت، مشيراً الى ان فرنسا "حليف قديم للولايات المتحدة الاميركية ونقوم باحياء العلاقة بيننا لمواجهة التحديات"، ولاقاه لودريان بالقول إن باريس وواشنطن ستتحركان معاً للضغط على المسؤولين عن الازمة التي يغرق فيها لبنان منذ اشهر. وقال: "نلاحظ معاً المأساة التي يمكن ان تحصل في حال تفتت هذا البلد او زال". واضاف "قررنا ان نتحرك معاً للضغط على المسؤولين. نحن نعرف من هم"، واشار الى انه وبلينكن لديهما "التقييم نفسه للوضع" بشأن "الانهيار المأسوي لهذا البلد"، منتقداً القادة السياسيين اللبنانيين وعجزهم عن مواجهة أدنى تحد او الشروع بأدنى عمل لانهاض البلد.

وفسر مراقبون كلام الثنائي بلينكن- لودريان بأنه اعادة تفعيل المبادرة الفرنسية بدعم اميركي واضح يثبت بأن واشنطن ستترك لباريس هامش تحرك واسعاً محمياً بقبة حديدية من الضغوطات التي اعلن الوزيران عنها بوضوح. ما يؤكد ان هذه الجولة قد تكون الاقسى والاكثر فعالية وجدية لمعالجة الملف اللبناني، وفق قواعد تم الاتفاق عليها بين الطرفين، كما يثبت كلام الديبلوماسيين الغربيين بأن ثمة توجهاً محسوماً لدى هذه الدول بالسير بخيار التغيير الشامل في لبنان، بمعنى "التخلص" من الطبقة السياسية، ولو ان توقيت هذا التغيير وادواته لا تزال غامضة، الا ان ما تشهده كواليس الاستعدادات للانتخابات النيابية المقبلة، لاسيما في اوساط مجموعات الحراك المدني و"الثورة" يدل على انخراط غربي جدي في هذا المجال سواء من خلال الدعم التقني الذي يقدم لبعض هذه المجموعات او من خلال الدعم المالي خصوصاً وان هذه القوى تعمل جاهدة لتوحيد صفوفها وتقديم نفسها للرأي العام ضمن مشروع واحد. ما قد يعني ان الدول الغربية تراهن على الاستحقاق النيابي ليكون معمودية التغيير الشرعية، ولو ان هناك من يعتقد ان تسارع وتيرة الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي قد يكون نتيجة اصرار الدول الغربية على ترك الرمال اللبنانية تتحرك لتبتلع الطبقة السياسية ولكن من دون ملامسة حدود الفوضى الامنية، ولهذا تبدي هذه الدول حرصها على القوى الامنية وتحديداً المؤسسة العسكرية وتعمل على حمايتها من تداعيات الانهيار.

 ولعل ما زاد من قناعة المتابعين بأن التفاهم الاميركي- الفرنسي- السعودي على ايجاد حل للازمة الحكومية، ما سربته مصادر ديبلوماسية بعيد لقاء روما، بأن الحديث عن "حكومة انتخابات" عاد الى الواجهة من جديدة، علماً ان هذا التوجه لا ينطبق على مواصفات مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون المعلنة في الاول من ايلول (سبتمبر) الماضي، لكن من الممكن جداً "دمج" حكومة الاختصاصيين بوجوه يمكن من خلالها جعل الحكومة العتيدة "حكومة الانتخابات" لاسيما وانه لم يبق سوى تسعة اشهر على الموعد المبدئي لاجراء الانتخابات النيابية، وبالتالي لا حاجة آنذاك لحكومة جديدة بل يمكن لحكومة الاختصاصيين الاشراف على الانتخابات خصوصاً أنها ستتألف من غير المرشحين على الانتخابات.


وزيرا الخارجية الأميركي "انطوني بلينكن" والفرنسي "جان ايف لودريان" خلال مؤتمرهما الصحافي في روما.

وزيرا الخارجية الأميركي "انطوني بلينكن" والفرنسي "جان ايف لودريان" خلال مؤتمرهما الصحافي في روما.