تفاصيل الخبر

دياب المصرّ على عدم انعقاد مجلس الوزراء لن يعتكف... الى حين تشكيل حكومة جديدة !

30/06/2021
رئيس الحكومة حسان دياب يرفض تحميله مسؤولية ما يحصل حالياً من أزمات.

رئيس الحكومة حسان دياب يرفض تحميله مسؤولية ما يحصل حالياً من أزمات.


 لم يكن تغيّب رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب عن الاجتماع الذي عقد في قصر بعبدا الاسبوع الماضي للبحث في ازمة المحروقات في لبنان، مفاجئاً للاوساط السياسية التي لم تقتنع بما قيل عن ارتباطه بموعد تزامن مع موعد الاجتماع الذي ضم وزير المال غازي وزني ووزير الطاقة والمياه ريمون غجر وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ذلك ان هذا الغياب يظهر فتوراً يعتري العلاقة بين الرئيس دياب ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون لم يرتق بعد الى حد القطيعة بين الرجلين بل وصل الى حد مقاطعة دياب للاجتماعات التي تعقد في قصر بعبدا لتسيير شؤون البلاد ولو في حدها الادنى. والذين تابعوا مسار اجتماع بعبدا المالي- النفطي ادركوا ان رئيس حكومة تصريف الاعمال "منزعج" من الاجتماعات التي تعقد في بعبدا وغالباً ما يستبقها باجتماعات في السراي  للبحث في المواضيع نفسها، في وقت يأخذ فريق العهد على دياب ان امتناعه عن دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد على رغم الظروف الصعبة والخطيرة التي تمر بها البلاد، ليس له ما يبرره، لاسيما وان حالات مماثلة حصلت في ايام الرئيس نجيب ميقاتي عندما جمع مجلس الوزراء مرتين للبحث في امور طارئة وملحة، علماً ان حكومة ميقاتي كانت آنذاك في حالة تصريف الاعمال المماثلة لواقع حكومة دياب حالياً.

الا ان غياب دياب عن اجتماع بعبدا كانت له اسباب اخرى لعل ابرزها عدم موافقته على الاقتراح الذي كان يدرس برفع الدعم تدريجياً عن المحروقات لتأمين البنزين والفيول كي لا تتعقد اكثر فاكثر الازمة الخانقة في محطات البنزين وكي لا تغرق البلاد في العتمة، خصوصاً ان ثمة من يرى بأن موسم الصيف سيكون حافلاً بمجيء اللبنانيين من الخارج لتمضيته في الربوع اللبنانية، اضافة الى حركة سياسية بدأت طلائعها في حجوزات في الفنادق ارتفع منسوبها بشكل كبير، الامر الذي يعني توفير عملة صعبة (دولار ويورو وغيرهما) ما ينعش الاقتصاد اللبناني ولو جزئياً لفترة ثلاثة اشهر يخف خلالها الضغط المالي الحاصل. اما سبب عدم الموافقة فيعود الى ان دياب اراد ان يتزامن رفع الدعم التدريجي عن المحروقات مع اقرار قانون البطاقة التمويلية في مجلس النواب لاقامة نوع من التوازن بين ارتفاع الاسعار الذي سينجم عن احتساب المحروقات على 3900 ليرة مقابل الدولار، بدلاً من 1500 ليرة، ما يجعل ردة الفعل الشعبية اقل حدة. اضف الى ذلك ان دياب لم يكن على قناعة بأن مصرف لبنان سيلتزم تنفيذ اي اجراء يتخذ انطلاقاً من الحذر الذي يسود العلاقة بينه وبين حاكم المصرف المركزي رياض سلامة لاسيما وان سلامة يرفض المساس بالاحتياطي الالزامي للمصارف في المصرف المركزي لشراء المحروقات من دون نصوص قانونية تحمي هذا الاجراء الذي يتناقض مع قانون النقد والتسليف.

رفض .... ثم وافق!

وزير من الوزيرين الحاضرين، روى بعد مغادرته قصر بعبدا ان دياب رفض الاقتراح الذي تم درسه خلال الاجتماع وذلك عندما اتصل به الرئيس عون لاطلاعه على نتيجة الاجتماع وحصيلة درس الاقتراحات التي نوقشت فيه، علماً ان الصيغة التي كانت اعتمدت تقضي بأن يقرض مصرف لبنان المبالغ المطلوبة لتأمين شراء المحروقات على اساس الدولار بـــ 3900 ليرة بدلاً من 1500 ليرة، على ان تعيد الدولة عندما تسمح لها الظروف المالية والاقتصادية، الاموال المقترضة الى مصرف لبنان لاعادتها الى الاحتياطي الالزامي، علما ان ثمة من يقول إن هذا الامر لن يحصل لان عجز الدولة يتزايد يوماً بعد يوم وسيكون مصير الاموال المعطاة بموجب القرض المقترح، مثل مصير الاموال التي صرفها مصرف لبنان على قطاع الكهرباء والتي لم يسترجعها المصرف منذ سنوات. ويضيف الوزير ان رفض دياب ازعج الرئيس عون الذي كان يعمل من اجل عدم اغراق البلاد في العتمة من جهة، وتفادي تفاقم ازمة البنزين وتحولها من ازمة اقتصادية الى ازمة امنية لاسيما بعد الاحداث التي وقعت في عدد من محطات الوقود وتخللها اطلاق نار ومناوشات عكرت الاوضاع الامنية. الا ان الصيغة التي تم التوصل اليها لجهة آلية الاقراض وافق عليها دياب في وقت لاحق بعد اتصال ثان اجراه الرئيس عون، والتوافق على ربط رفع الدعم التدريجي عن المحروقات بالاستعجال بإقرار البطاقة التمويلية.

ويقول وزراء على اطلاع على واقع العلاقة بين عون ودياب في الوقت الحاضر ان بعبدا لا تبرر الخطوات التي يتخذها رئيس حكومة تصريف الاعمال وتعطي لها خلفيات سياسية وسط الحديث المتنامي عن رغبة دياب بالاقتراب اكثر من نادي رؤساء الحكومة السابقين حتى يسهل عليه انضمامه اليه بعد خروجه من السرايا، اضافة الى التزام ولو غير كامل، توجهات الفريق الطائفي الذي ينتمي اليه، علماً ان دياب ينفي ذلك بقوة ويقول انه يريد ان يعمل وفق نصوص الدستور وعملاً بالصلاحيات المعطاة له. لكن يسجل هؤلاء الوزراء "مبالغة" دياب في كثير من الاحيان في مقاربة المعالجات المطروحة لاسيما وان الظروف الاستثنائية الخطرة التي تمر بها البلاد تحتاج بعض "الليونة" في مقاربتها للتخفيف ولو جزئياً، من وقعها السلبي على المواطنين وعلى الاوضاع العامة التي يعيشها لبنان حالياً. 

ويضيف هؤلاء الوزراء ان دياب الذي يعيش معاناة وجوده في السراي في هذه الظروف يرى انه لا يمكن لعاقل الاقتناع والتسليم بما يسميه "العجز السياسي" وبانقطاع الحوار المجدي بين المعنيين وتعطيل كل المخارج التي تؤدي الى ايجاد تسوية لتشكيل حكومة فاعلة لديها صلاحيات التعامل مع الازمة المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الحادة، بحيث توقف مسلسل الانهيارات المتدحرجة في البلد، والتي يقول دياب انها اتت نتيجة سياسات مالية خاطئة متراكمة على مدى عقود، ويعمقها اليوم الانقسام السياسي الحاد الذي منع ويمنع تشكيل الحكومة منذ اكثر من عشرة اشهر ويتسبب بانهيار العملة الوطنية.


الحكومة تحملت مسؤولياتها

وينقل الوزراء انفسهم عن دياب رفضه تحميله مسؤولية ما يحصل في لبنان حالياً من ازمات تتناسل بشكل يومي لانه لم يكن في موقعه الا منذ سنتين تقريباً وهو بذل كل ما في وسعه للعمل على ايجاد الحلول للازمات المتراكمة ويرفض بالتالي رمي اثقال العجز السياسي على حكومة تصريف الاعمال ومحاولة "تعويمها" و"تفعيلها" ودفعها لمخالفة الدستور كما يطالب البعض وهي مطالب لا تستند - حسب دياب - الى اي معطى دستوري، وهي محاولة للقفز فوق وقائع دستورية تتمثل باستقالة الحكومة وبحصول استشارات نيابية ملزمة انتجت رئيساً مكلفاً تشكيل حكومة جديدة، ويضيف دياب ان الدستور واضح في المساواة صراحة، بين صلاحيات الحكومة قبل نيلها الثقة وبين الحكومة بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة. فما يحق للحكومة ان تقوم به، بعد تشكيلها وقبل نيلها الثقة، هو تحديداً ما يحق للحكومة المستقيلة القيام به. وقد نصت المادة 64 في بندها الثاني على الاتي: "..ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة الا بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال". وان اي تفسير لهذا النص مخالف لما هو متعارف عليه ومعمول به منذ وضع الدستور، وهو ما اكده مجلس النواب سابقاً. وبالتالي تشكل الدعوات لــ "تعويم" و"تفعيل" الحكومة المستقيلة، اعترافاً بالفشل، ومحاولة للالتفاف على الهدف الاساس المتمثل بتشكيل حكومة جديدة، مما يعني التسليم بالفراغ الذي لا يجب الاستسلام له مطلقاً.

ولعل اكثر ما يؤلم دياب، وفق الوزراء انفسهم، الحملات التي يتعرض لها مع حكومته والانتقادات "الظالمة" التي تطلق بحقها يومياً، حتى ممن يفترض انه يعرف الحقيقة واذا به يتجاهلها . فالحكومة، يقول دياب، تحملت بمسؤولية كبيرة وتاريخية، عبء السياسات الخاطئة التي اوصلت البلد الى حالة الانهيار، ووضعت خطة شفافة وموضوعية لمعالجة هذا الانهيار، لقيت تأكيداً على صوابيتها من صندق النقد  الدولي ومن جهات دولية عديدة، ولولا اضاعة الوقت الذي حصل من سياسيين واقتصاديين وماليين، معروفين ومستترين، حاولوا مقاومة تلك الخطة لتعطيلها وادخال البلد في حالة الفوضى المالية والاقتصادية، لكان قطار التعافي قد انطلق منذ سنة كاملة. كذلك فإن الحكومة قامت بواجباتها كاملة على مدى ستة اشهر من عملها كحكومة قائمة، وهي استمرت بعد استقالتها في القيام بواجباتها كاملة في تصريف الاعمال، وبأعلى درجة من المسؤولية الوطنية، وبأقصى جهد، ويتابع رئيسها ووزراؤها يومياً وعلى مدار الساعة، كل الملفات، ويعملون على معالجة المشكلات المزمنة والطارئة، ولم يتقاعسوا في التعامل مع كل الملفات والمهمات. ولولا هذا الجهد المبذول والمستمر، لكانت المشكلات اكبر بكثير مما هو حاصل اليوم. وبالتالي، فإن هذه الحكومة التي واجهت اكبر التحديات - عدداً وصعوبة - التي مرت على لبنان في تاريخه، بذلت اقصى جهودها، من منطلقات وطنية وبمعايير علمية، منذ تشكيلها وعلى مدى ستة اشهر، وبعد استقالتها على مدى عشرة اشهر ونيف. وهي تعمل بصمت ولم تحاول استثمار الجهود، الفردية والجماعية، لرئيسها ووزرائها، في حسابات سياسية او انتخابية، لأن الهم وطني لا شخصي، ولأن الاولوية هي للناس لا للسياسة.

ويؤكد الوزراء انفسهم ان دياب ابلغهم بأنه لن يدعو الى عقد جلسة لمجلس الوزراء مهما كانت الاسباب والظروف ومهما اشتدت الضغوط عليه وتزايدت الحملات، لكنه في المقابل، سيواصل تسيير الاعمال من خلال صيغة "الموافقة الاستثنائية" التي تصدر عنه وعن رئيس الجمهورية كبديل عن قرارات مجلس الوزراء، الى ان تتحمل القوى السياسية مسؤولياتها في الاسراع في تشكيل حكومة جديدة "حتى لا يطول عبور النفق المظلم"!.