تفاصيل الخبر

"حرب البيانات" بين بعبدا وعين التينة كشفت مخططاً لـ"تصفية" عهد عون وإسقاطه!

24/06/2021
الرئيسان ميشال عون ونبيه بري وثالثهما حرب البيانات.

الرئيسان ميشال عون ونبيه بري وثالثهما حرب البيانات.


 هل بدأت معركة إسقاط رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل سنة وبضعة اشهر من انتهاء ولايته؟

هذاالسؤال تردد بقوة في الأندية السياسية والديبلوماسية قبل اسبوعين في ظل المعطيات التي أخرت تشكيل الحكومة وما يقال عن أن التأخير متعمد لايصال البلاد الى حافة الانهيار، خصوصاً بعد المواجهة التي وقعت بين الرئيس عون ورئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي والتي تأتي استكمالاً للمواجهة المستمرة بين رئيس الجمهورية وفريقه السياسي والرئيس المكلف سعد الحريري. ذلك ان لغة البيانات التي تبادلها الطرفان في كل من بعبدا وعين التينة لم تكن لغة مألوفة وظهّرت الخلاف القديم بين الرجلين منذ اللحظة الاولى التي اعلن فيها الرئيس بري انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الاول (اكتوبر 2016)، وأتى الطرح الذي قدمه رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل الاحد الماضي ليزيد الامور تعقيداً خصوصاً بعد سحب المبادرة من يد الرئيس بري والاحتكام بهذا الملف الى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله طالباً اليه ان يحل مكانه في اختيار طريقة المعالجة واثقاً انه لن يخذل الحق.... اي لن يخذله في مفهومه.

ما قاله النائب باسيل الاحد الماضي حول رفضه المثالثة ومحاولة فرض تشكيلة حكومية على رئيس الجمهورية ومحاولة استعادة الاجواء السياسية التي سادت قبل العام 2005، واصفاً ما يجري في اطار معركة وجود ستتم مواجهتها لأنه لن يؤخذ من قاعدة "التيار الوطني الحر" اي شيء تحت الضغط وبوجع الناس وأزماتهم، أعاد طرح الملف الأكبر وهو ملف الشراكة المسيحية - الاسلامية في إدارة شؤون البلاد، ومسألة احترام الصلاحيات لاسيما وأن اثارة موضوع المناصفة الفعلية في حكومة من 24 وزيراً، اي 12 وزيراً مسيحياً و12 وزيراً مسلماً، وهي الاساس لأنها تحقق التوازي والتساوي بين المسيحيين والمسلمين وليس، كما قال باسيل، ان يسمي الرئيس عون ثمانية وزراء، ويسمي الحريري والآخرون 16 وزيراً ما يعني ان المشهد السياسي امام مثالثة رفضها باسيل الذي عندما طالب السيد نصر الله بأن يكون حكماً وائتمنه على الموضوع، لم يسلمه عملياً أمره السياسي بالمطلق، بل ائتمنه على الحقوق لأنه - اي نصر الله - يعرف ان المسيحيين مستهدفون وكل ما يحصل هو للنيل منهم على رغم انهم تنازلوا كثيراً في الموضوع الحكومي عن امور كثيرة.

حيال هذه المستجدات، تبدو البلاد امام مأزق سياسي غير مسبوق وان الملف الحكومي الذي "جرجر" كل هذه المدة لم  يستهدف عملياً موضوع تشكيل الحكومة، الا انه كان المعبر الى ما هو اخطر، اي تعطيل حكم الرئيس عون تمهيداً لاسقاطه كما بات يتحدث الكثير من المراقبين الذين تابعوا خصوصاً الجدال الذي قام بين بعبدا وعين التينة والذي اسقط عملياً الهدنة الهشة التي كانت قائمة بين الرئاستين الاولى والثانية، وذهب البعض الى حد وصف ما جرى بــ "حركة انقلابية بيضاء" قادها الرئيس بري في وجه الرئيس عون ومشروعه السياسي قبل سنة وبضعة اشهر من انتهاء ولايته مدعوماً عملياً بالرئيس الحريري ورئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، "وقبة باط" من حزب الله وتأييد محدود ومتواضع من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي ميّز نفسه في هذه المواجهة عندما دعا الى اعتماد تسوية سياسية. صحيح ان ما صدر عن عين التينة اكد ان المسألة ليست فقط مسألة "قلوب مليانة" او كيمياء مفقودة بين الرئيسين، لكنها بالفعل مسألة اكبر بكثير لأن الرئيس بري بدأ العد العكسي لاسقاط عهد عون الذي اتهمه بخرق الدستور واضعاً العقدة عنده، ومبرئاً الرئيس الحريري. 

ويرى مراقبون أن خوض معركة مواجهة عهد عون بالشراكة بين الرئيسين بري والحريري مع "نأي بالنفس" من حزب الله، يعني عملياً شل قدرة بعبدا على المواجهة لأن حليفها الاساسي، اي حزب الله، وقف على الحياد ما جعل حسابات الثنائي بري – الحريري والحلفاء تضع عملية اخراج عون من بعبدا على العد العكسي. ولعل دعوة باسيل السيد نصر الله الى ان يكون حكماً، تحمل في طياتها احراجاً لقيادة حزب الله التي خيّرها باسيل بين ان تلعب دور الحكم او ان تكون طرفاً كما اصبح الرئيس بري في مقاربة الملف الحكومي.

لا لــ "الرئيس القوي"

لقد بدا واضحاً من أداء بري أنه لا يستسيغ اعتذار الحريري لذلك تولى شخصياً قيادة مهمة تصفية عهد عون في سنته الاخيرة، لأن ثمة من يقول إن بري الذي لم يؤيد عون رئيساً ولم "يؤمن" بقدرته على إدارة شؤون البلاد ولا يثق بخياراته الاصلاحية، لا بل يخشاها، يريد ايضاً ازالة مسلمة ان تؤول رئاسة الجمهورية المقبلة الى الأقوى بين الموارنة، وبذلك يكون هو "عراب" الرئيس المقبل، وليس سراً أن رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية هو مرشحه الاول بعد رحيل النائب جان عبيد. وهذا الواقع، كما يرى مراقبون، يفترض حكماً أن يكون اي رئيس للحكومة من ضمن المنظومة التي يخطط لها كي تحضر الطريق امام العهد الرئاسي المقبل. ويضيف المراقبون أنه ليس خافياً أن رئيس المجلس لم يكن ينتظر بيان رئاسة الجمهورية لكي يعلن بوضوح "جهاده الأكبر" ضد الرئيس عون ويصوب "مدفعيته" في اتجاه قصر بعبدا، ويرسم اصطفافاً خطراً وحساساً ودقيقاً وواضح المعالم ويسقط صفة الحيادية والموضوعية التي يفترض أن يتسم بها الوسيط، وهو سبق أن اتخذ قرار الاستهداف منذ مدة لتكتمل الصورة من خلال حرب البيانات.

واذا كانت مصادر عين التينة التزمت بعد بيان بري عدم الدخول في التفاصيل، الا ان مقدمة محطة "أن بي أن" الناطقة باسم حركة "أمل" تولت متابعت الهجوم على بعبدا وعلى شخص الرئيس عون ما جعل الاعتقاد بوجود خطة واضحة لاسقاط رئيس الجمهورية، اكثر من تحليل صحفي او اجتهاد سياسي. لكن السؤال يبقى هل ان اسقاط الرئيس عون عملية سهلة الى الحد الذي يروج له البعض مع كثرة الحديث عن عد عكسي لانهيار الوضع الاقتصادي والمالي يدفع برئيس الجمهورية الى الانسحاب من الساحة طوعاً او كرهاً؟ تقول المصادر المتابعة في هذا السياق ان لا احد يملك عملياً "مفتاح" إسقاط الرئيس عون لاسباب عدة ابرزها عدم قبول اي طرف سياسي باسقاطه (غير "المردة" ربما وحزب الكتائب) في ظل رفض قوي من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي بات اقرب الى تفهم اسباب الرئيس عون ومبرراته، فضلاً عن ان حزب الله ليس في وارد الوصول الى هذا الخط الاحمر مع حليف "حماه" في وقت الشدة ووفر له غطاء مسيحياً في احلك الظروف.، واذا ما غاب هذا الغطاء لا يمكن ان يكون البديل الغطاء السني للحزب لاسيما وان مواقف "المستقبل" والاحزاب والتجمعات السنية معروفة من حزب الله  و"ممارساته". فضلاً عن ان الاوضاع الاقليمية لا تسمح بمثل هذه المغامرة، واولها الوضع في سوريا التي وان خف تأثيرها على الساحة اللبنانية، الا انها ما تزال تملك حضوراً معيناً يبدو واضحاً من "الجفاء" القائم بين الرئيس السوري بشار الاسد والرئيس بري على خلفية "خطف" نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي السيد هنيبعل القذافي الذي كان ضيفاً على القيادة السورية وزجه في السجن من دون محاكمة.

في اي حال، الحديث عن "إسقاط " الرئيس عون تنفيه عين التينة وتقول إن ما تقوم به هو لـــ "تحجيم" رئيس الجمهورية والحد من قدرته على تعطيل عملية تشكيل الحكومة، فضلاً عن "تصفية" خلافات سابقة حول التدقيق الجنائي ومسار العمل النيابي وغيرها من المواضيع التي لم تلتق عين التينة مع بعبدا على معالجتها وهذا يدل ان الحديث عن "اسقاط" رئيس الجمهورية لا يزال هدفاً بعيد المنال.