تفاصيل الخبر

جنبلاط مصّر على خيار "التسوية" لأن لا رابح في أي مواجهة غير متكافئة!

24/06/2021
الرئيس نبيه بري والوزير السابق وليد جنبلاط.

الرئيس نبيه بري والوزير السابق وليد جنبلاط.


 لا تكاد تمر مناسبة سياسية تتعلق بتشكيل الحكومة العتيدة والخلافات الناشئة حولها، إلا ويكون لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط دعوة صريحة الى اعتماد "تسوية" تقود الى الحل وتخرج البلاد من مأزقها الحكومي الذي يكاد يتحول الى ازمة حكم. وهذه الدعوات الجنبلاطية المتكررة تأتي مختلفة عن دعوات سابقة كان جنبلاط  فيها "رأس حربة" في المواجهة السياسية مع الاطراف الذين يخالفون رأيه، ومواقفه في هذا الصدد لا تزال في البال.  لكن هذه المرة يرفع الزعيم الدرزي لواء "التسوية" ويعتبرها المخرج الوحيد للحل، وهو بدأ يلقى صدى ايجابياً لدى الاوساط السياسية العاملة على خط تشكيل الحكومة، كما ان دعواته تركت اثراً طيباً لدى الاوساط الديبلوماسية التي تتشاور معه في ضرورة البحث عن حل سريع للازمة الحكومية....

 ينطلق جنبلاط في دعواته المتكررة الى اعتماد "التسوية" من قناعة باتت راسخة لديه ان لا امكانية في الوقت الحاضر لأن "يكسر" اي فريق، فريقاً آخر، لأنه يرى ان الرئيس ميشال عون ليس في قدرته "إزاحة" الرئيس سعد الحريري عن ان يكون الرئيس المكلف بعد اختيار كتل نيابية وازنة له وحصوله على "الغطاء" السني من رؤساء الحكومة السابقين ودار الفتوى، ثم مؤخراً المجلس الشرعي الاسلامي، ولا الرئيس الحريري في استطاعته الغاء دور رئيس الجمهورية وصلاحياته المكرسة دستورياً في التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة "بالاتفاق" مع الرئيس المكلف، وهذه الصلاحية يدافع عنها رئيس الجمهورية بشراسة متناهية ويعتبرها الاساس لتحقيق الشراكة الوطنية، وجنبلاط من خلال قراءاته المعمقة للاوضاع الدولية والاقليمية والتبدلات في المنطقة، يدرك جيداً ان امكانية غلبة فريق على آخر غير واردة وغير ممكنة وان كان بعض اصحاب "الرؤوس الحامية"- كما يسميها – يشجع مثل هذا الخيار ويحاول اقناع من يستسيغ هذا النوع من القرارات بصوابيته. وفي "تغريدة" له الاسبوع الماضي اعتبر جنبلاط انه "لا يمكن لبعض المسؤولين الاستمرار في الحال الانتظارية وحال البلد يتراجع يومياً في غياب الحكومة"، ورأى أن "الأوان حان لجعل التسوية فوق كل اعتبار بعيداً عن الحسابات الشخصية الضيقة، مشيراً الى ان مبدأ التسوية "ليس بدعة بل اساس في الحياة وفي السياسة"، وتوجه الى المعنيين من دون ان يسميهم قائلاً: "تذكروا ان الحقد يقتل صاحبه اولاً".

مهادنة وتسوية

 ويلاحظ متابعون لمسار جنبلاط في الاونة الاخيرة، انه بالتوازي مع الدعوات التي يواجهها ضمناً الى كل من الرئيس عون وفريقه السياسي، والرئيس سعد الحريري وفريقه السياسي، الى إجراء "تسوية"، يهادن جنبلاط وأركان حزبه الفريقين إعلامياً ولا يدخل في سجال سياسي، حتى إن لهجة عدد من نوابــــه "المشاكسين" تبدلت في الآونــــة الاخيرة، عملاً بنصيحة "البيك" الذي بـــــات يعتبر ان رفــــع السقوف من الاتجاهات كلها، وضرب المبادرات وفتح ملف الصلاحيات والتلطي وراء "امتيازات" الطوائف والمذاهب، عوامل اوصلت البلاد الى الانهيار الكامل، لذلك فهو متمسك الآن اكثر من اي وقت مضى بــ "التسوية" تخفيفاً لآلام الناس واوجاعهم من جهة، وتعقيد الموقف في المستقبل من جهة ثانية. 

 ويقول جنبلاط في جلساته المغلقة مع فريق عمله اللصيق ان لا خيار آخر عدا التسوية بالنسبة الى "الاشتراكي" ضمن الحفاظ على لبنان الكيان والصيغة، وإلا الخيارات الاخرى، هي إغراق البلد كلياً والغاء هذا الكيان والشروع الى نظام تأسيسي كان بعض الافرقاء دعا اليه سابقاً، وهذا "ضمنه مخاطر كبيرة جداً". اما الحل العملي، بالنسبة الى جنبلاط فهو ان يتمكن الوسطاء المعنيون والافرقاء القادرون الضغط على فريق الرئيس عون ورئيس "التيار  الوطني الحر" النائب جبران باسيل، وان يمارسوا هذا الدور وبنحو اقوى، اضافة الى حض جميع المعنيين بالتأليف، على الاسراع في تأليف حكومة مهمة وانقاذ. فبالنسبة الى جنبلاط "لا جدوى من وزير بالزايد او آخر بالناقص"، ولا قيمة للكلام عن الصلاحيات، فيما الحكومة المرتقبة هي حكومة مهمة لنحو 6 اشهر لتوقف الانهيار. ويرى ان "المعنيين حملوا هذه الحكومة كل ما في من مصالح وطموحات وأهواء"، حيال ذلك، يسعى جنبلاط الى تهدئة الأجواء بين الرئيسين عون والحريري، ويعتبر ان لعبة تحسين الشروط، إن في التسوية، او بعدد النواب في الانتخابات المقبلة، لا قيمة لها اذا ازداد البلد افقاراً وهاجر الناس، وبدأ التفلت الامني بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي. ويرى ان الافرقاء المعنيين بتأليف الحكومة يلعبون على حافة الهاوية، فيما ان هذه الهاوية هي الناس، فــ "رؤساء على اي بلد وشعب سيكونون ووزراء لاي اقتصاد؟". لذلك يصر جنبلاط على التسوية، فاذا لم تجر سيتجه  البلد الى الخراب الكلي، ما عدا ذلك من نيات لتغيير الصيغة والنظام السياسي، ومن نظريات تطفو على السطح الان من مثالثة وفيدرالية، ليست هي الحل ايضاً بالنسبة اليه، وذلك لأن "الخطير في الوضع هو ان لبنان فقد وظيفته ووظيفته الاساسية كانت انه مصرف الشرق ومستشفاه وجامعته ومعقل الحريات فيه، وقد فقد كل ذلك بسبب الموجودين في السلطة".

لا جدوى من المجتمع الدولي

وفي احدى الجلسات مع مجموعة من الديبلوماسيين الذين يقصدون دارته في كليمنصو، صارح جنبلاط ضيوفه بأن لا جدوى من انتظار المجتمع الدولي الذي يتحمل مسؤولية بدوره تجاه لبنان لأنه تركه في عزلة، وعندما منع التغيير في سوريا ترك محوراً عريضاً قائماً في المنطقة، فضلاً عن ان المجتمع الدولي والغربي اولويته حماية امن اسرائيل على حساب جميع الشعوب المحطيه بها، ومن هنا يقول جنبلاط انه "علينا انجاز تسوية داخلية، ثم مخاطبة المجتمع الدولي من موقع هذه التسوية فاذا بقينا مفرقين ومبعثرين لن يـأخذنا المجتمع الدولي في الاعتبار" . ويرى جنبلاط ان الرئيس نبيه بري حاول ان يقف على الحياد بين عون والحريري، وان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله دعم مبادرته، لكن عون اعتبر ان بري متعاطف مع الحريري اكثر، لكن "هذا غير صحيح" علماً ان مبادرة رئيس مجلس النواب هي المبادرة التي اقترحها جنبلاط على رئيس الجمهورية، اي حكومة من 24 وزيراً بلا ثلث معطل لأي طرف. لكن ما يحول دون انجاز التسوية من خلال هذه الحكومة هو ان هناك فريقاً في القصر الجمهوري لا يريد الحريري رئيساً للحكومة، كذلك الحريري لا يريد ان يقدم تنازلات لحسابات اخرى متشعبة.

وفيما تواصل جنبلاط مع بري بعد "حرب البيانات" بين الرئاستين الاولى والثانية، وزاره، الاربعاء الماضي، لا طرح جديداً لديه غير حكومة الــ 24. واذ يسأل جنبلاط "هل يعقل ان لا امكانية او طريقة لايجاد وزيرين مسيحيين، من الاقليات، احدهما كاثوليكي والآخر ارثوذكسي، لا يكونان مرتبطين بأحد؟"، يعتبر "ان نظريات الفريقين المعنيين بالتأليف هي للتعطيل والعرقلة واضحة، فلا نية حقيقية لتأليف حكومة، وذلك لان اي تأليف في هذا الظرف يتطلب تنازلات متبادلة. فيما لا نشهد اي تنازلات من اي طرف. بل على العكس، نرى ان كل المحاولات تصطدم بعراقيل ووراء الأكمة ما وراءها، اذ إنهم يحملون هذه الحكومة مستقبل رئاسة الجمهورية وهوية الرئيس الجديد والتحالفات الانتخابية المقبلة وهذا يعني ان لا تأليف للحكومة".

ومع ذلك، فإن جنبلاط سيبقى يحاول رافعاً شعار "التسوية" التي يعتبر ان لا بديل لها في الوقت الحاضر ولأنها "مفتاح" الحل للأزمة الحكومية، وكل الأزمات اللاحقة التي تنتظر على الطريق!.