تفاصيل الخبر

لا انتظام سياسي في المدى المنظور بل مرحلة انتقالية لا أفق واضحاً لنهايتها

24/06/2021
طابور من السيارات ينتظر دوره  لتعبئة البنزين.

طابور من السيارات ينتظر دوره لتعبئة البنزين.


 لا يختلف اثنان على أن الظروف التي يمر بها لبنان على مختلف الصعد، لا توحي بأن الانتظام السياسي عائد الى هذا البلد في المدى المنظور، ومعه الاستقرار الاقتصادي والمالي والاجتماعي، ذلك ان التطورات المتسارعة على اكثر من جبهة ومحور لا تؤشر الى ان القضايا العالقة على تنوعها تتجه نحو حلول سريعة تخرج لبنان الدرك الذي وصل اليه، في وضع غير مسبوق لم يشعر به اللبنانيون حتى في زمن الحرب الاهلية التي يتفق الكثيرون على الاعتبار بأنها كانت حروب الآخرين على ارضنا... ذلك ان الصراعات السياسية والمذهبية والحزبية وحتى الشخصية، تتزايد يوماً بعد يوم ما يجعل لبنان يمر في رحلة انتقالية غير واضحة المعالم في الاتي من الايام، بصرف النظر عما اذا كانت ستولد الحكومة العتيدة ام لا، وما اذا كانت حكومة سياسية او حكومة اختصاصيين، او حكومة مختلفة. حتى ان الحديث عن حكومة انتخابات لا يستقيم بسبب التجاذبات السياسية الحادة التي تتعقد وتصبح اكثر تعقيداً!

ويرى مراقبون أن عبور لبنان المرحلة الانتقالية الراهنة لن يغير في الواقع شيئاً، لاسيما في المشهد الذي يصبح أكثر سواداً اسبوعاً بعد اسبوع، من خلال المواقف التي تصدر عن الاطراف اللبنانيين الذين سدوا المنافذ في وجه الحلول المقترحة، واداروا ظهورهم للمبادرات التي توالت عربية كانت ام اقليمية ودولية. وفي تقدير هؤلاء المراقبين أن أسباب عدم حصول التغيير المرتقب، كثيرة لكن أبرزها تأخر الوقت في تشكيل حكومة يمكن أن تكون انقاذية وقادرة على وضع خطة اقتصادية واصلاحية طويلة الامد كما تكون قادرة على التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قروض مالية، وعلى القيام بجولات حول العالم لجلب الاموال والمساعدات من مختلف الدول الصديقة. فبكل بساطة، في حال تشكيل اي حكومة خلال الايام، ونيلها الثقة بشكل فوري، فهي تحتاج لما يقل عن مئة يوم لتحضير الملفات ولتجهيز العدة للتفاوض مع الخارج، علماً انه مع حلول الخريف المقبل يكون لبنان قد دخل عملياً مرحلة الانتخابات بكل تفرعاتها، اي مرحلة تمرير الوقت على مختلف الصعد، الى حين وضوح صورة ونتيجة المحطات الانتخابية المرتقبة.

 ومثل اي تفاوض مع صندوق النقد الدولي او غيره من المؤسسات والصناديق الدولية ليس بالامر السهل مع غياب الرؤية التي يمكن ان تكون مقبولة لدى هذه المؤسسات التي لم يتمكن القيمون عليها حتى الان من التأكد من جدية من هم في موقع المسؤولية الرسمية منها والسياسية بدليل التوجه اكثر الى الاهتمام بالهيئات الاهلية والمنظمات المعروفة بـــ NGO  وحصر المساعدات التي يمكن ان تقدم الى لبنان لاخراجه من محنته، بهذه الهيئات من دون غيرها، وما لقاء وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان في زيارته الاخيرة الى بيروت مع ممثلين عن هذه التجمعات الا الدليل الواضح على انعدام الثقة بالمنظومة السياسية التي سبق ان قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إنها "خانته" بعدما وعدته بالاتفاق على حل لتشكيل الحكومة العتيدة ثم تراجعت وزادت الأمور تعقيداً. والذين يتابعون مواقف الدول والصناديق المالية والهيئات المانحة يلاحظون وضوح مواقفهم لجهة القول إن الدعم الذي يمكن ان يقدموه للبنان سيذهب مباشرة الى "الناس" عبر الهيئات الاهلية وليس عبر المؤسسات والادارات الرسمية...


انتخابات نيابية واستحقاق رئاسي

ويضيف المراقبون ان الوجه الآخر للحالة الانتقالية يكمن في أن الانتخابات النيابية التي يفترض ان تتم في شهر ايار (مايو) المقبل، اي بعد اقل من 11 شهرا، ستفرض واقعاً مختلفاً في البلاد، وإن كان ثمة من يقول إن جهات سياسية داخلية تنوي تحريك ملف قانون الانتخابات في الاسابيع القليلة المقبلة، مع ما قد يثيره هذا الموضوع من خلافات بسبب التناقض الذي تتسم به مواقف الاطراف من القانون الانتخابي بين مطالب بإجراء الانتخابات وفق القانون الحالي، ومطالب بتعديله، وآخر باعتماد الدائرة الواحدة على مستوى الوطن. لكن ما أخرّ الحديث عن قانون جديد للانتخابات هو تعثر الملف الحكومي وانهيار الواقع الحياتي والمعيشي ما جعله يتقدم على ما عداه من مواضيع اخرى. ويرى المراقبون انه حتى لو تم الابقاء على القانون الحالي نفسه وتمت معالجة بند تصويت الاغتراب اللبناني لستة نواب، بشكل قانوني وسلس، فإن اجراء الانتخابات في موعدها من دون مشاكل، لا يحل مشكلة الحكومة والوزراء. فأي رئيس جديد للسلطة التنفيذية، واي وزير ضمن الحكومة المنشودة، لا يستطيع وضع خطة عمل طويلة الامد لانه فور اجراء الانتخابات النيابية تصبح الحكومة بحكم المستقيلة على ان يتم بعد ذلك تشكيل حكومة جديدة وفق المعطيات والوقائع المجددة التي ستفرزها الانتخابات النيابية، علماً ان ثمة قناعة بأن هذه الانتخابات لن تحمل جديداً على مستوى توزع القوى السياسية على الكتل النيابية، وان كان المتوقع ان تخسر هذه الكتلة او تلك مقعداً او مقاعد لصالح فريق آخر هو نفسه من ضمن المنظومة السياسية المتحكمة بالبلاد منذ سنوات. فالتغيير ان حصل لن يشمل التمثيل الشيعي مطلقاً، وكذلك التمثيل الدرزي، وسيطرأ تعديل طفيف على مستوى التمثيل السني. اما في الشارع المسيحي، فالمتوقع ان يكون التغيير اكبر بكثير من غيره نظراً للمستجدات السياسية التي سجلت في الاونة الاخيرة بفعل التدهور الاقتصادي والمالي الحاصل في البلاد.

ويعتبر المراقبون أن حالة الانتظار لتغيير الواقع ستنسحب على الاستحقاق الرئاسي المقرر مبدئياً في خريف العام 2022 مع انتهاء ولاية الرئيس العماد ميشال عون ذلك ان مختلف القوى ستنتظر اسم الشخصية التي ستسلم الرئاسة الاولى لانه بعد الانتخاب -اذا حصل- سيتم تشكيل حكومة جديدة يفترض ان تعكس صورة العهد الجديد وتوازناته، وبالتالي فإن الامور ستكون في مرحلة المراوحة حتى بعد اجراء الانتخابات النيابية في انتظار انجاز الانتخابات الرئاسية لان اي حكومة قائمة ستكون عندها مستقيلة في مرحلة تصريف الاعمال. لكن الاستحقاق الرئاسي في نظر المراقبين انفسهم غير محسوم مع وجود مخاوف من "تعطيل" الانتخابات ودخول البلاد مرة جديدة في فراغ رئاسي اذا لم تكن الاجواء قد اصبحت مؤاتية بين الاطراف السياسيين للاتفاق على شخصية تخلف الرئيس عون، ذلك انه اذا كان من المتعذر التفاهم على رئيس حكومة يمكنه التشكيل، فكيف سيكون من الممكن الاتفاق على رئيس جديد؟ يضاف الى ذلك تنامي الحديث عن ضرورة تسليم الجيش مقدرات البلاد في فترة الضياع هذه، او فترة المرحلة الانتقالية، في انتظار ان يصفو الجو ويصبح في الامكان البحث عن تسوية الاستحقاق الرئاسي المقبل. وليس من قبيل المصادفة ان يكثر الحديث عن دور مرتقب لقائد الجيش العماد جوزيف عون يتزامن مع الزيارات التي يقوم بها الى الخارج تحت عنوان دعم الجيش وتوفير المساعدات العينية له، على رغم نفي العماد عون مثل هذه الأخبار وتأكيده على ان التركيز هو على المؤسسة العسكرية فقط.

البعد الخارجي له حصته

اما في البعد الخارجي لبقاء لبنان في مرحلة انتقالية، فيرى المراقبون ان منطقة الشرق الاوسط تشهد في هذه المرحلة مفاوضات حساسة في الملف الايراني الذي له تأثير على العديد من ملفات المنطقة. وعلى خط مواز تجري محاولات متعددة لاعادة ترتيب الملفات الساخنة في الشرق الاوسط، من خلال زيارات ولقاءات واتصالات مباشرة وغير مباشرة بين قوى اقليمية متخاصمة، بمساعدة اقليمية ودولية. ومن شأن هذه الحركة السياسية والدبلوماسية ان تضيف اسباباً خارجية تسبب المماطلة والتأجيل في الحسم، الى العراقيل اللبنانية الداخلية التي تمنع ذلك اساساً. 

ويضاف الى كل ذلك ان الواقع الذي بلغه لبنان - الدولة، على المستويات الاقتصادية والمالية والخدماتية، وكذلك لبنان الشعب على المستويات المعيشية والحياتية، بات خطيراً لدرجة انه قد يطغى على اي تطورات سياسية مهما علا شأنها، بحيث تصبح الاولوية للمحافظة على الامن الاجتماعي، وعلى الحؤول دون الانزلاق الى الانهيار الشامل للمؤسسات وبالتالي الى التفلت الامني، وتحول لبنان الى دولة فاشلة تسود فيها شريعة الغاب. وتلميح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الاخير بشأن العمل على توفير مظلة حماية للبنان يصب في خانة محاولة منع الوصول الى هذه المرحلة الخطيرة والمدمرة، في انتظار وضع لبنان على سكة الحلول.

في اي حال، لبنان هو حالياً في مرحلة انتقالية، لن تنته فصولاً قبل نهاية العام 2022 بغض النظر عن نتائج مساعي تشكيل الحكومة، وعن هوية رئيس هذه الحكومة الموعودة وعن طبيعتها. صحيح ان تشكيل الحكومة اليوم قد يخفف من وقع الانهيار، لكن الاصح انه لا يحل الازمة، وكل ما يحصل حالياً هو تمرير الوقت في انتظار وضوح الصورة محلياً واقليمياً. والمشكلة انه في الانتظار، وبدلا من العمل على تمرير الوقت بأقل اضرار ممكنة، تساهم السلطة والطبقة السياسية بكاملها، في زيادة حجم هذه الأضرار، وفي تسريع وتيرة الانهيار....