تفاصيل الخبر

"بوريل" غادر بيروت بــ"خيبة أمل" قد تجعل العقوبات "خلال أسابيع"

24/06/2021
الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي "جوزيف بوريل" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.

الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي "جوزيف بوريل" خلال اللقاء مع الرئيس ميشال عون.


 لم تكن اللاحصيلة التي عاد بها الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "جوزيف بوريل" من زيارته الى بيروت الأسبوع الماضي، مفاجئة للمسؤول الأعلى عن السياسة الخارجية الاوروبية، فهو حضر الى بيروت وفي ذهنه سلسلة معطيات كانت وصلته الى بروكسيل قبل إقلاع طائرته الى العاصمة اللبنانية، عن أن التجاذبات لدى السياسيين اللبنانيين ستجعله يعود الى مقر عمله خالي الوفاض، لذلك فهو لم يراهن على تحقيق تقدم اساسي يمكن أن يفاخر به أمام نظرائه الأوروبيين، لكنه مع ذلك "غامر" في المجيء ليلمس لمس اليد الى اي حد وصلت حالة اللامبالاة لدى المسؤولين السياسيين اللبنانيين مما يجري في بلدهم من تداعيات سلبية في مختلف الحقول، السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية الخ...

لقد راهن الكثيرون على أن زيارة "بوريل" لن تكون مثل زيارة وزير الخارجية الفرنسية "جان إيف لودريان" الى بيروت، وأنه سيتمكن من أن يفرض على اللاعبين اللبنانيين إعادة حساباتهم والبدء باتصالاتهم مع من يلزم لتجنب الدخول في مواجهة مع الاوروبيين، والاتفاق بالتالي على ازالة العقبات امام الحكومة الجديدة ورفع القيود المصطنعة التي شلت القدرات على الاتفاق على ولادة الحكومة بعد تسعة أشهر تقريباً من تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة العتيدة... إلا أن رهان هؤلاء الكثيرين كان خاسراً ولم يتمكن "بوريل" من تحقيق اي تقدم عملي على طريق التأليف الحكومي على رغم العبارات التي قالها امام المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم، من انه "محبط" لجهة مرور تسعة اشهر من دون التمكن من الاتفاق على ولادة الحكومة الرابعة والاخيرة، ربما في عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وعليه سعى "بوريل" الى معرفة الأسباب الحقيقية التي أوصلت العمل السياسي في لبنان الى هذا المستوى من التباعد، علماً أنه كرر امام مستقبليه اللبنانيين من أن تشكيل الحكومة أولوية بالنسبة الى دول الاتحاد الاوروبي لأنها المنطلق للإصلاحات المطلوبة اوروبياً ودولياً، والمعبر الوحيد الى تدفق المساعدات لتحقيق النهوض الاقتصادي في البلاد بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج عمل "واضح ومحدد" يجعل ثقة الاوروبيين تعود بإمكانية الانطلاق في مسيرة النهوض من جديد.

بدا "بوريل" في اللحظات الاولى لزيارته متحمساً وعمم هذا الحماس على محدثيه خصوصاً عندما طرح امامهم اسئلة حول اسباب تعثر تشكيل الحكومة من منطلق "صداقة" دول الاتحاد الاوروبي مع لبنان ورغبتها الحقيقية في المساعدة. لقد أمل بأن يسمع ما يجعله يطمئن الى ان ما يمر به لبنان "شدة وتزول"، لكن الواقع كان غير ذلك، فارتفع لديه منسوب القلق وهو يستمع الى روايات متناقضة حول اسباب الفشل في تشكيل الحكومة الى حد أنه كان يفاجىء بالكلام الذي قيل له وينظر الى أعضاء الوفد المرافق وعلامات الاستغراب بادية على محياه! كرر اكثر من مرة "الرجاء" الاسراع في تشكيل الحكومة، عارضاً خدماته من دون الاشارة، لا مباشرة ولا مداورة الى العقوبات التي قيل انه سيحملها الى المسؤولين اللبنانيين اذا هم استمروا في عدم التجاوب مع الرغبات الاوروبية خصوصاً، والدولية عموماً في ازالة الافخاخ الموضوعة على درب ولادة الحكومة، وكانت علامات الانزعاج والخيبة تظهر في كل مرة سمع فيها كلاماً متناقضاً حول تحميل مسؤولية ما يحصل، سواء ما سمعه في قصر بعبدا من الرئيس عون او من الرئيس نبيه بري في عين التينة، وصولاً الى "بيت الوسط" حيث كان الرئيس المكلف سعد الحريري حاضراً للاجابة عن الاسئلة الاستيضاحية للنقاط التي سمعها بوريل في كل من بعبدا التي انحت باللائمة على الحريري في التأخير، او في عين التينة التي شرحت أسباب إخفاق مبادرتها.


مخاوف "بوريل" من الانهيار

كان "بوريل" صريحاً عندما قال لمن زارهم في بيروت بعدم انتظار الخارج لاصلاح ذات البين بين أركان السلطة اللبنانية الفاعلين في عملية تشكيل الحكومة لأن الاتحاد الاوروبي ليس في وارد التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية لأن هذه المهمة تبقى من اختصاص اللبنانيين الذين عليهم وحدهم التفاهم لحل المشاكل التي تزداد تعقيداً سواء المالية منها او الاقتصادية او الصحية، لا بل كل التحديات التي أرهقت لبنان وجعلته يلامس حد الانهيار. قال مراراً بوجوب الاتفاق وكانت مفاجأته كبيرة عندما قيل له ان المسألة تتعلق بخلاف حول تعيين وزير او وزيرين وعلى توزيع حقيبة او حقيبتين وزاريتين، ولم يتردد في التساؤل هل أن مثل هذا الخلاف يمكن أن يعرقل حكومة في وطن ينهار ويهجر ابناؤه، وتصبح عملته الوطنية في اسفل درك؟ وصارح محدثيه ايضاً ان دول الاتحاد الاوروبي لن تسلم بمثل هذه الحجج عندما سيلتقي وزراء الخارجية فيها لدرس الملفات الواردة على جدول اجتماعهم وفي مقدمها الملف اللبناني، مكرراً بأن لا مساعدات للبنان قبل تشكيل الحكومة والتفاهم مع صندوق النقد الدولي.... لكنه عندما "كعي" عن امكانية اقناع محدثيه بضرورة ولادة الحكومة "سلم" بأن تتولى الحكومة المستقيلة معاودة مفاوضة صندوق النقد والاتفاق على آلية عمل لأن المساعدات الاوروبية "السخية" جاهزة وانسيابها يحتاج الى مثل هذا الائتلاف! 

 لم يكن الموفد الاوروبي راغباً في الدخول في التفاصيل، إلا أن الروايات التي سمعها من المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم، جعلته يتجاوب مع رغبة محدثيه في أن يكون شاهداً على ما يجري، كل حسب روايته، وهو استنتج أن حجم الخلافات بين المسؤولين عن تشكيل الحكومة يتجاوز كل منطق ويشكل العقبة الاساسية امام الحل، لا بل هو تحدث عن "ثقة مفقودة" بين المسؤولين، وهو الذي كان "يطمح" الى جعل هذه "الثقة" المــدخل الطبيعي للتفاهم. وانشغل "بوريـــــل" في سمــــاع كلام عن "الفســـاد" الذي يعشش في الادارة اللبنانية، وعن عمليات منظمة لتهريب الاموال الى الخارج ولاسيما الى المصارف الاوروبية وضرورة مساعدة دول الاتحاد لاعادة هذه الاموال، تماماً كما ساعدت تونس في استرجاع الاموال التي هربت اليها في عهد الرئيس زين العابدين بن علي وافراد عائلته. صحيح أن "بوريل" وعد بالمساعدة في هذا المجال، لكنه لفت في المقابل الى وجوب سلوك الطرق القانونية لذلك من خلال الاستناد الى النصوص القانونية التي تحكم القضاء الاوروبي والتي لا يمكن تجاوزها او جعل السياسة تتسلل اليها. وعندما اقترب الحديث عن دور مصرف لبنان وحاكمه رياض سلامة في تسهيل تهريب الاموال او على الاقل التغاضي عن حصولها سأل "بوريل" لماذا لم تتخذ الاجراءات القانونية لمنع حصول هذا التفلت فجاءه الجواب بأن المنظومة السياسية الفاسدة حمت وتحمي مثل هذه الممارسات التي يؤمل ان يكشفها التدقيق المالي الجنائي الذي يتعرقل ولم يبصر النور بعد، وهذا ما أثار استغراب "بوريل" ايضا مرة اخرى...

العقوبات "خلال اسابيع"

 لقد سعى "بوريل" الى إقناع المسؤولين اللبنانيين بضرورة الاتفاق في ما بينهم "مهما كلف الأمر" واعداً بوضع اوروبا امكاناتها بتصرف لبنان لانها لا تريده أن يسقط او ينهار ويتألم شعبه اكثر مما هو حاصل الآن، من دون ان يطرح مسألة العقوبات او يربطها بأي واقع يمكن ان يستجد في البلاد وإن كان لم يخف ان ثمة دولاً اوروبية تريد فرض مثل هذه العقوبات على المعرقلين، ذلك ان رسالته في هذا الصدد كانت اقل حدة لانه يدرك ربما ان مثل هذه "الضربات المعنوية" التي قد تطاول اكثر من طرف، ستبقى فاقدة القدرة على إحداث تغييرات جذرية في مواقف المعنيين بها، تماماً كما حصل مع العقوبات الاميركية التي لم تغير في "عناد" المعرقلين وبقي تأثيرها محدوداً على رغم قساوتها. هم "بوريل" كان الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، وهو لم يتوقف عند المبادرة الفرنسية من اساسها ولا دخل في "نوعية" الوزراء، سواء أكانوا من الاختصاصيين او السياسيين او مزيجاً بين "النوعين"... كل ما شدد عليه هو تشكيل الحكومة والبدء بالاصلاحات والتفاوض مع صندوق النقد الدولي والاخذ باقتراحاته وتطبيق ما يمكن منها حتى تتمكن دول الاتحاد من المساعدة الفعلية على انقاذ لبنان من مصيره المحتوم.... اراد ان يقول للمسؤولين اللبنانيين بضرورة تجاوز الاعتبارات "الصغيرة" التي تحول دون ولادة الحكومة، حتى إنه عندما قيل له إن الرئيس الحريري لا يريد تشكيل الحكومة وهو يفتعل الاسباب والعراقيل لأن السعودية غير "راضية" عليه ولا تريد أن تسهل مهمته، استغرب ذلك وأتى رده بأن المسألة يجب أن تبقى لبنانية لا يدخل فيها اي طرف خارجي مهما كان دوره وتأثيره على الساحة اللبنانية.

في اي حال، اتى "بوريل" الى بيروت، والبعض قال إن زيارته كانت من لزوم ما لا يلزم، لكنها عملياً اظهرت أن الاوروبيين لم يتخلوا عن لبنان، وأن الحديث عن عقوبات تريد دول اوروبية أن يفرضها الاتحاد على بعض السياسيين اللبنانيين لا يزال في اطار الأفكار المطروحة على البحث وإن كانت فرنسا تسعى الى اقناع شركائها الاوروبيين بفرضها، لكن النقاش في الاجتماع الوزاري الاوروبي يوم الاثنين الماضي، لم يصل الى قرار، لكن "شبح" العقوبات ما زال قائماً وامكانية اتخاذ القرار تبقى واردة في اي لحظة على ان تشمل السياسيين اللبنانيين المسؤولين عن عرقلة التشكيل. لكن هذه "اللحظة" غير محددة وقد تكون "أسابيع" كما قال "بوريل" بنفسه بعد اجتماع بروكسيل موضحاً ان بعض الدول الأعضاء اقترح امكانية اتخاذ عقوبات لكن بت هذا القرار لم يحسم بعد، ذلك ان ثمة من يقول من الاوروبيين بضرورة تفادي إغراق لبنان في مزيد من الفوضى والفلتان لأن ذلك يفتح "كوابيس" الهجرة المشروعة وغير المشروعة الى اوروبا ومن كل الجنسيات الموجودة على الارض اللبنانية، وهو امر يقلق الاوروبيين بعد أن هددت به تركيا ونجحت في "ابتزاز" الاوروبيين وحصلت منهم على الكثير مما كانت تريده....

أتى "بوريل" الى بيروت وأمل في تحقيق خرق ما لكنه غادر العاصمة اللبنانية وفي نفسه خيبة وقلق.... والأزمة الحكومية باقية حتى إشعار آخر!.