تفاصيل الخبر

الأمن في لبنان إلى الواجهة مجدداً

23/06/2021
"داعش"..لا بيئة حاضنة له في لبنان.

"داعش"..لا بيئة حاضنة له في لبنان.

بقلم علي الحسيني


 بدأ الوضع الأمني في لبنان يميل نحو الحذر وذلك على ضوء التحذيرات الداخلية والخارجية التي أُطلقت الأسبوع الماضي والتي صبّت جميعها في خانة التخوّف من انفلات الوضع لأسباب تعود إمّا بسبب الضائقة الاقتصادية التي يمر بها لبنان، أو لجهة استغلال المنظمّات الإرهابية الأوضاع كافة والعودة من خلالها إلى لعب أدوار تخريبية شبيهة بمرحلة سابقة دفعت خلالها البلاد أثماناً باهظة على جميع المستويات. وربّما اللافت في هذه التحذيرات، أنها جاءت من أرفع شخصيّة عسكرية لبنانية هو قائد الجيش جوزف عون، وأيضاً من النائب الفرنسي "غويندال رويار" الذي أعلن أنّ "لبنان عاد هدفاً لعمليات داعش".

العودة إلى الأضواء الأمنيّة

 بعد غياب طويل عن مسرح العمليّات الأمنية وابتعاده عن ضوء الاهتزازات التي كانت رافقته لسنوات طويلة بعدما توزّعت بين الداخل والحدود، عاد لبنان مُجدّداً إلى دائرة الاهتمام الأمني بجوانبه كافة، مصحوباً بأوضاع متعدّدة تُنذر بما هو أسوأ مما يحصل اليوم على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، حيث بدا لافتاً الاهتمام الخارجي بهذا الجانب، بالإضافة إلى تحذير قائد الجيش جوزف عون من خطورة الوضع الحالي، وخشية انعكاسه على المؤسّسة العسكرية.

 في ظلّ الوضع الحالي المُقلق، والذي زادت تعقيداته وخطورته بعد نسف المساعي الهادفة إلى تأليف حكومة اختصاصيين تنتشل البلاد من واقعها المُزري، بدأت الأحاديث داخل الغرف السياسية والأمنية تتفاعل حول المجهول الذي ينتظر لبنان في المرحلة المُقبلة. وربّما ما جاء على لسان قائد الجيش من أنّ استمرار تدهور الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان سيؤدي حتماً إلى انهيار المؤسّسات، ومن ضمنها المؤسّسة العسكرية، وبالتالي، فإن البلد بأكمله سيكون مكشوفاً أمنياً، إنّما يدل على هشاشة الوضع الحالي وسط غياب المظلّة السياسية، ممّا قد يؤدي إلى انقلاب المشهد الحالي، وربّما العودة بالبلد إلى مرحلة الاستهداف المتعدّد الأوجه.

.. ولباريس حصّة من التحذيرات

 كل هذه المخاوف والتحذيرات الداخلية، عبّرت عنها أيضاً باريس من خلال عضو لجنة الدفاع الفرنسية النائب الفرنسي "غويندال رويار"، التي أكد أن لبنان عاد هدفاً لعمليات تنظيم داعش، ولم يعد مجرّد قاعدة لوجستية لهذا التنظيم الإرهابي. كل هذا، يؤكد أن التحذيرات التي كانت أطلقتها الأجهزة الأمنية اللبنانية في منتصف الأزمة الاقتصادية، من عودة موجة الاغتيالات كانت في محلّها، وأن محاولات التقليل من شأنها على يد مجموعات من السياسيين، كانت بهدف رفع مسؤولية الانهيار الحاصل عن أنفسهم، وعدم تحميلهم مسؤولية الفلتان الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى، من حصوله.

رسائل أمنية في المناطق!

 المُلاحظ، أنه خلال الأيّام القلية الماضية، زادت نسبة التخوّف من العودة بلبنان إلى مرحلة كان يُستخدم فيها، صندوق بريد أمني في لعبة الرسائل السياسية داخلياً وخارجياً، وذلك من خلال القذائف الصاروخية التي عُثر عليها في مناطق في العاصمة بيروت، وهذا وحده كفيل باستشعار الخطر الذي قد يُرفق المرحلة المُقبلة في حال بقي الوضع السياسي والمعيشي، على النحو الذي هو عليه اليوم. هذا بالإضافة إلى التهديدات التي يُطلقها القادة الإسرائيليون ضد لبنان بين الحين والآخر، والتي يتوعّدون فيها، بشّل قدرته العسكرية والأمنية والاقتصادية، بشكل كلّي.

 وعلى الرغم من إلقاء "شعبة المعلومات" في قوى الأمن الداخلي القبض على الجهة التي تقف خلف رمي القذائف الصاروخية في مستوعبات النفايات واعتراف الفاعل أنها قديمة العهد وانه كان يحاول التخلص منها وهي موجودة لديه منذ فترة طويلة، وتبين أنه لا توجد خلفيات أمنية من جراء عمله هذا، ظلّت المخاوف والهواجس، مُسيطرة على جزء كبير من اللبنانيين خصوصاً إذا ما تمّت مقارنة توقيت رمي هذه القذائف، مع الرسائل السياسية القائمة بين "العهد" برئاسة الرئيس ميشال عون مع "صهره" النائب جبران باسيل وبين رئيس مجلس النوّاب نبيه بري الأقرب مسافة إلى المناطق التي وُجدت فيها القذائف.

شربل: هذا ما أتخوّف منه

 في سياق الأمن وما يُمكن أن ينجم عنه من خلفيّات قد يكون لها أثر بارز على مستقبل البلاد، يُبدي وزير الداخلية الأسبق مروان شربل، تخوّفه ليس من حرب أهلية لبنانية، كون هذا الشيء بالنسبة إليه غير متوافّر في الوقت الحالي، إنّما من أحداث عنف داخلية وارتفاع نسبة الجرائم نتيجة الوضع المعيشي، مما قد يؤدي برأيه إلى فلتان أمني على صعيد البلد كلّه. لذلك، فإن المطلوب بحسب شربل، إيجاد مخرج سريع يؤدي إلى تشكيل الحكومة، وإلا فإن لبنان مُعرّض اليوم لاهتزاز أمني داخلي يُمكن أن يبدأ من محطّات الوقود، لكن لا نعرف أين سينتهي.

 ويُشير شربل إلى أن الفوضى أخطر بكثير من الحروب، إذ إن الأخيرة يوجد فيها عدو أو خصوم معلومي الهوية، لكن الفوضى سيتخلّلها أعمال قتل وسلب وثأر، وعندها سيُصبح لبنان مفتوحاً على جميع الاحتمالات. لذلك، يبقى الرهان الأوّل والأخير في هذا المجال، على المؤسّسات الأمنية، وتحديداً الجيش اللبناني، والذي يمرّ اليوم بأصعب الظروف نتيجة الوضع السياسي والاقتصادي. ولذا، يجب التنبّه بقوّة، من زجّ الجيش في أي مواجهة مع تحركّات الشارع المطلبية، وبالتالي، على السياسيين اللبنانيين أن يعلموا جيداً، بأن نزاعاتهم، ستؤدي في مكان ما، إلى أمور كثيرة نحن اليوم في غنى عنها.

حتّى دور الأمن تراجع

 أيضاً، في ظل ما يُعانيه لبنان من فقدان للسيطرة على الوضع الإقتصادي من جوانبه كافّة خصوصاً وسط تراشق المسؤولين فيه، المسؤوليات وتحميلهم بعضهم أوزار ما يحصل، تكشف مرجعيات أمنية كبيرة في لبنان أن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، والخلل الحاصل بين المناطق اللبنانية لجهة وصول البضائع المستوردة، واستقدام بضائع مهرّبة بالإضافة إلى التلاعب بالبضائع المدعومة وتسويقها على يد جهات سياسية وغير سياسية معروفة، سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى ازدياد حالات الفقر وسيفرض الجوع نفسه كعامل أساسي على مستوى لبنان كلّه، كما سيفرض الأمن الذاتي في المناطق نفسها، خصوصاً في ظل تراجع الدور الذي كانت تقوم به الأجهزة الأمنيّة قبل الوصول إلى الوضع المعيشي الحالي.

 أمّا بالنسبة إلى وجود أخبار حول دخول جماعات متطرفة من العراق وسوريا، تؤكد المرجعيّات نفسها أن التجارب السابقة أثبتت أن المجتمع اللبناني لا يشكل بيئة حاضنة للمتشدّدين الإسلاميين. فحتى المناطق التي ثابر البعض على تصويرها على أنها تربة خصبة لتغلغل هذه الجماعات، كطرابلس، فقد أثبتت الإحصاءات والوقائع أن الغالبية الساحقة من أهالي طرابلس فضّلوا العيش المشترك على التشدّد الإسلامي. ولكن هذا كلّه لا يُلغي وجود مُحاولات لهذه الجماعات للعودة إلى لبنان أو إلى أي بلد تم طردهم منه، وبطبيعة الحال، فإن الحدود اللبنانية وطبيعتها بالإضافة حاجة لبنان إلى عناصر إضافيّة ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية، أمر يُسهّل إلى حد كبير، عمليات تسلّل إلى الداخل من أجل ارتكاب بعض الجرائم وليس جعل لبنان مستقرّاً لهم.


الوزير السابق مروان شربل يبدي تخوفه من الفوضى.

الوزير السابق مروان شربل يبدي تخوفه من الفوضى.

النائب الفرنسي "غويندال رويار" يحذر من عودة "داعش".

النائب الفرنسي "غويندال رويار" يحذر من عودة "داعش".