تفاصيل الخبر

اشتدت الأزمة الحكومية وقاربت الانفجار فهل تستمر مبادرة بري او يدخل لبنان النفق ؟

17/06/2021
الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري.. هل تهدأ عاصفة السجالات بينهم ويبدأ الحل؟

الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري.. هل تهدأ عاصفة السجالات بينهم ويبدأ الحل؟


 

هل يطبق المثل القائل "اشتدي يا أزمة تنفرجي" على الواقع المأزوم الذي يعيشه الملف الحكومي في لبنان منذ ثمانية اشهر، أم أن مجريات الأحداث التي تتجه نحو السلبية المطلقة حيناً، ونحو الايجابية احياناً سوف تبقي تشكيل الحكومة العتيدة "لا معلق ولا مطلق"؟ هذا السؤال فرضته التطورات التي شهدتها الايام القليلة الماضية على مسار التأليف الحكومي، في وقت تزداد الاوضاع سوءاً على الصعد الاقتصادية والمالية والاجتماعية والصحية، وتزداد معها معاناة اللبنانيين ويرتفع منسوب الاذلال الذي يعانون منه أمام محطات بيع الوقود، او في الصيدليات والمستشفيات وقريباً أمام الافران.

كل شيء أوحى مطلع الأسبوع أن الملف الحكومي مجمد حتى إشعار آخر، فلا مبادرة الرئيس نبيه بري في طبعتها الثانية التي برزت بعد موقف مجلس النواب المتجاوب مع رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للاسراع في تشكيل الحكومة "بالاتفاق" بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، ولا اللقاءات الجانبية التي عقدت استكمالاً لهذه المبادرة بين رئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل ومساعد رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل ومساعد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الحاج حسين الخليل ومسؤول الارتباط في حزب الله الحاج وفيق صفا، اسفرت عن اي نتيجة ايجابية، فيما ظلت بعبدا تنتظر اي تطور يمكن ان يدفع نحو حل الازمة المستفحلة، في وقت كان فيه الرئيس المكلف على موقفه يتمسك بالشروط وترفضها بعبدا رفضاً قاطعاً، ولعل ما زاد الامور تعقيداً، المواقف التي كانت تصدر عن فريقي العهد والرئيس المكلف والتي حفلت بالاتهامات المتبادلة بعرقلة تأليف الحكومة وفق حجج كل فريق، الى درجة بات يصعب فيه على المراقبين تحديد المسؤولية الحقيقية عن الشلل الذي يصيب عملية تأليف الحكومة.

وسط هذه الاجواء، كثرت التسريبات عن اتجاه الرئيس الحريري الى الاعتذار عن تشكيل الحكومة، وأن ورقة الاعتذار "على الطاولة" تحتاج الى توقيت لاعلانها، ووصل الامر الى حد "تسريب" بعض ما في الورقة من مواقف وتبريرات للاقدام على الخطوة "وقلب الطاولة" على رؤوس الجميع. وتزامن كل ذلك مع بروز تحرك لرئيس تيار "الكرامة" النائب فيصل كرامي فسّره المراقبون بأنه يمهد ليكون البديل عن الرئيس الحريري في السراي الحكومي عندما يعلن الاخير اعتذاره عن المضي في مسيرة التأليف. كذلك كانت الاطلالة المتلفزة للسفير نواف سلام على شاشة المؤسسة اللبنانية للارسال في مقابلة ظهرت رؤيته من الاحداث ونظرته الى مستقبل لبنان وسبل معالجة الازمة التي يتخبط بها، اضافة الى رده غير المباشر حيناً، والمباشر احياناً، حول الاتهامات التي سيقت ضده بأنه اميركي الهوى ومرشح الولايات المتحدة الاميركية لترؤس الحكومة العتيدة!.

لم ترق كل هذه التطورات والتسريبات والايحاءات للرئيس بري الذي يدعم استمرار الرئيس الحريري في موقعه ولا يريده ان يتراجع قيد انملة، فارسل من قال له إن سياسة الانكفاء التي تقود الى الاعتذار "غير مستحبة"، وان الوضع لا يسمح بمواقف مترددة على رغم الصعاب التي تواجه عملية التشكيل التي ادركها بري بوضوح من خلال حصيلة لقاءات "الخليلين" مع النائب باسيل التي لم تحرك المياه الراكدة بل بدت في بعض الاحيان، سبباً لمزيد من الجمود والتصلب. لذلك بادر بري الى شن حملة مضادة نادت بضرورة استمرار الحريري في موقفه وثباته في التكليف الذي يحمله منذ ثمانية اشهر واكثر.

أدار "ابو مصطفى" محركاته في اكثر من اتجاه "وضخ" كمية لا بأس بها من المقويات مستعيناً بالرئيس فؤاد السنيورة لاقناع الحريري بعدم الاعتذار، واعداً بالمزيد من الجهد لاعادة تحريك الملف الحكومي من خلال نسخة ثالثة من المبادرة "البرية" التي تعثرت عن امرين: تمسك النائب باسيل بعدم التزامه اعطاء الثقة للحكومة العتيدة متى شكلت تحت حجة مضمون البيان الوزاري، وعدم موافقة باسيل على ان يسمي الرئيس المكلف الوزيرين المسيحيين في صيغة الــ 24 وزيراً التي تم التوافق على ان تكون شكل الحكومة العتيدة.


غطاء سني للحريري


وفرض "سيناريو" رفع معنويات الرئيس الحريري، تجديد دعم الطائفة السنية لاستمراره في مهمته تأليف الحكومة، فكان ان دعي المجلس الاسلامي الشرعي الاعلى الى اجتماع برئاسة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان حضره الرئيس الحريري بعد خلوة مع المفتي، وصدرت على اثره مواقف تؤيد توجهات الحريري وتدعم مواقفه "وشروطه"، لتشكيل الحكومة من دون ان يدخل المجلس في تفاصيل التركيبة الحكومية. وحتى يكتمل المشهد التقى الحريري رؤساء الحكومة السابقين في اجتماع "تضامني" معه، ما وفر له غطاء سنياً متكاملاً، روحياً وسياسياً جعله يطوي ورقة الاعتذار موقتاً ويعيد اطلاق المساعي لتمكينه من تشكيل الحكومة، في الوقت الذي كان فيه النائب باسيل وفريق العهد يشككان في قدرة الحريري على الوصول الى خط النهاية في السباق الحكومي، لاسيما وان الموقف السعودي غير المؤيد لترؤس الحريري الحكومة العتيدة ظل ماثلاً بوضوح امام المتعاطين مع هذ الملف وهو موقف ازداد رسوخاً من خلال سلسلة اشارات وصلت الى بيروت وخلاصتها ان الرياض ليست في وارد "التدخل" في عملية تشكيل الحكومة وهي لا تدعم احد بل تقف على مسافة واحدة من الجميع، ما عدا الرئيس الحريري الذي باعدت المسافات بينه وبين القيادة السعودية لألف سبب وسبب.

وفيما الوضع يتجه الى مزيد من التعقيد، كان كلام للرئيس بري رد فيه على ما قيل من ان فريق العهد والنائب باسيل "قطع الامل" من امكانية استمرار الحريري في التكليف وان خيار الاعتذار بات قاب قوسين او ادنى، قال بري كلاماً لافتاً لجهة عدم وجود "بديل" عن الرئيس الحريري في السراي، وان اي بحث عن بديل يحتاج الى موافقات غير متوافرة، منه شخصياً، ومن السيد حسن نصر الله والمجلس الشرعي الاسلامي والمجلس الشيعي الاعلى ونادي رؤساء الحكومة السابقين، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية ونائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي وغيرهم، ما اوحى بأن "جبهة سياسية" واخرى دينية ولدتا الموقف الى جانب الرئيس الحريري في مواجهة بعبدا والنائب باسيل، حتى ان حزب الله خرج عن "حياده" حين اعلن رئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين الذي يقال انه بات لسان حال السيد نصر الله، اذ يقول هو ما لا يريد "السيد" قوله، "ان المشكلة القائمة حكومياً ليست في النقاط التي يقال انها على خلاف، بل ان المشكلة اننا نواجه بعض السياسيين الذين يريدون ان يتوصلوا الى تحقيق مآرب شخصية عادية لهم". وبدا كلام صفي الدين موجهاً الى باسيل، الامر الذي ازعج بعبدا وباسيل على حد سواء، لاسيما وان الرئيس عون لم يخف استغرابه من وقوف الحزب الى جانب "المنظومة" السياسية بقيادة بري، وهو الذي كان يأمل ان يكون الحزب الى جانبه او على الاقل يلتزم الحياد....


كلمة السر: قول للإمام علي!


وفيما كانت جبهة بري - الحريري والحلفاء ترفع من منسوب رفضها اعتذار الحريري وتتمسك به "رجل المرحلة" على حد تعبير رئيس مجلس النواب، كانت بعبدا تكثر من التساؤلات حول سبب قيام "جبهة سياسية ضدها على رغم التجاوب الذي قدمته في مسار تأليف الحكومة وتخليها عن الثلث المعطل وقبولها بان يصار الى تسمية الوزيرين المسيحيين من "المستقلين" الذين لا لون سياسياً لهما بالاتفاق مع الرئيس المكلف الذي تمسك بموقفه الرافض وباصراره على ان يسمي هو، لا الرئيس، الوزيرين. وبلغ انزعاج بعبدا من مسار الامور حداً وصل الى ابلاغ عدد من زواره ان الحريري لا يريد تأليف الحكومة ولا الاعتذار عن التكليف لرغبة منه في ابقاء البلاد مشلولة اسيرة رئيس حكومة تصريف الاعمال ولا يريد ان يدعو مجلس الوزراء الى الانعقاد رغم فداحة الاوضاع المعيشية والاقتصادية والمالية، ورئيس حكومة مكلف لا يريد تشكيل الحكومة الا بشروطه، ما يعني، على حد قول الرئيس عون، ان لا حكومة في الافق. وذهب عون بعيداً حين اعتبر ان موقف "الحياد" الذي يتخذه حزب الله من الملف الحكومي بات مثيراً للتساؤلات. واستذكر عون قولاً للامام علي "المحايد خذل الحق ولم ينصر الباطل"!.

 

لقد كان لاستذكار قول الإمام علي الوقع القوي على حزب الله الذي فهــــم منه ان رئيس الجمهورية يعتبر ان حزب الله "خذله" وهو الذي وقف الى جانبه وتحمل من جراء هذا الوقوف الكثير من المضايقات الدولية والتهديدات والحصار الذي وصل الى حد فرض عقوبات اميركية على النائب باسيل، فتفاعل هذا القول الذي اتبعــــه الرئيس عون ببيان قوي اللهجة حول المرجعيات التي تتدخل في عملية التأليف متجاهلة قصداً او عفواً ما نص عليه الدستور من آلية من الواجب اتباعها لتشكيل الحكومة والتي تختصر بضرورة الاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف المعنيين حصرياً بعملية التأليف واصدار المراسيم.... وزاد البيان الرئاسي ما اعتبرته الاوساط السياسية موجها ضد بري "والمنظومة " السياسية المتضامنة معه حين قال ما حرفيته: "وحيث ان ثمة معطيات برزت خلال الايام الماضية، تجاوزت القواعد الدستورية والاصول المعمول بها، فإن المرجعيات والجهات التي تتطوع مشكورة للمساعدة في تأليف الحكومة، مدعوة الى الاستناد الى الدستور والتقيد باحكامه وعدم التوسع في تفسيره لتكريس اعراف جديدة ووضع قواعد لا تأتلف معه، بل تتناغم مع رغبات هذه المرجعيات او مع اهداف يسعى الى تحقيقها بعض من يعمل على العرقلة وعدم التسهيل، وهي ممارسات لم يعد من مجال لانكارها. ان رئاسة الجمهورية التي تجاوبت مع الكثير من الطروحات التي قدمت لها لتحقيق ولادة طبيعية للحكومة، وتغاضت عن الكثير من الاساءات والتجاوزات والاستهداف المباشر لها ولصلاحيات رئيس الجمهورية، ترى ان الزخم المصطنع الذي يفتعله البعض في مقاربة ملف تشكيل الحكومة، لا افق له اذا لم يسلك الممر الوحيد المنصوص عنه في المادة 53 الفقرات 2 و3 و  4 و 5 من الدستور".


"اطفائية" حزب الله


لم ينزل كلام بعبدا برداً وسلاماً على عين التينة التي سارعت مصادر فيها الى الرد بأن بيان الرئاسة يشكل اساءة جديدة الى موقع رئاسة الجمهورية ورد الاعتبار لا يكون بهكذا بيانات واذا كانت سياسة لن نسكت بعد اليوم عن السياسة المتبعة والمعممة حالياً من قبل التيار الوطني الحر فنحن نرد: "لا نوم بعد اليوم"!. واشعل رد مصادر عين التينة الموقف وزاده التهاباً وكان اكثر المنزعجين منه حزب الله نفسه الذي سارع الى ادارة "اطفائيته" لانه وجد ان الامر تجاوز الخطوط الحمر، وان استمرار التصعيد الكلامي سوف يؤدي الى نتائج غير محمودة، فكان اتصال بقيادة "التيار الوطني الحر" لضبط الوضع واعادة الهدوء الى النقاش المتبادل، فكان التجاوب من باسيل في بيان لــ "تكتل لبنان القوي" صحح مسار بيان بعبدا او على الاقل امتص ردود الفعل عليه اذ اكد التكتل مجدداً "اصراره على ضرورة واولوية تأليف الحكومة برئاسة دولة الرئيس المكلف سعد الحريري الذي يتوجب عليه ان يتشاور مع الكتل النيابية ويتفق مع رئيس الجمهورية على تشكيلة حكومية عملاً بروح الدستور ونصه وبحسب الاليات والمعايير الميثاقية المعروفة، وما اتفق عليه الجميع من ضمن المبادرة الفرنسية دون اضاعة مزيد من الوقت او ابتكار اعراف جديدة خارجه عن الاصول. ويبدي التكتل مجدداً الايجابية المطلقة مع المسعى الذي يقوم به دولة الرئيس نبيه بري ومع اي مبادرة تؤدي الى التأليف مع وجوب ان تتسم بالحرص على الحقوق والدستور وتتسم بالايجابية والحيادية لكي تؤتي ثمارها".

وبعد وقت قصير اصدر الرئيس بري بياناً نفى فيه ان تكون المصادر التي اذيعت باسمه تعليقاً على بيان الرئاسة الصباحي، تعبر عن وجهة نظره مؤكداً ان عين التينة "لا مصادر لها" نافياً كل ما قيل في هذا الصدد.

وهكذا انتهى "يوم البيانات" وردود الفعل على خير، على امل الدخول في "هدنة" اعلامية تصاحبها معاودة الاتصالات السياسية "الهادئة" انطلاقاً من النسخة الثالثة لمبادرة بري بهدف دفع عملية التشكيل من عنق الزجاجة العالقة فيها...الا ان الموقف الذي صدر عن الرئيس بري في اليوم التالي ورد فيه بعنف على البيان الرئاسي "نسف" كل الامال التي بنيت وبدا ان كل شيء تراجع الى الوراء وان الجمود الحكومي سيكون سيد الموقف لأن مساعي المبادرة توقفت ودخلت البلاد في نفق لا قرار له لاسيما بعدما قال بري في بيانه ان قرار تكليف رئيس حكومة هو خارج عن إرادة رئيس الجمهورية وهو ناشىء عن قرار النواب، اي السلطة التشريعية . وفي محاولة واضحة لرفض ما اوردته الرئاسة في بيانها قال بري ما حرفيته : "من حقي أن أحاول بناءً لطلب رئيس الحكومة المكلف أن أساعده في أي مبادرة قد يتوصل اليها، سيما ان رئيس الجمهورية الذي تعود له صلاحية التوقيع مرسوم تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيسها، أبدى كل رغبة بذلك وأرسل الي عدة رسل بهذا الشأن، وحصل أكثر من اجتماع في القصر الجمهوري وخلافه لإنجاح ما سمي بمبادره بري دون حضوري الشخصي". وشدد على أنه "كان القاضي راضي: طالما ارتفع عدد الوزراء الى 24"، مشيراً إلى أنه "طالما حل موضوع الداخلية إلى أنه أصررتم على 8 وزراء + 2 يسميهم رئيس الجمهورية (الذي ليس له حق دستوري بوزير واحد، فهو لا يشارك بالتصويت فكيف يكون له أصوات بطريقة غير مباشرة)".

وتابع بري قائلاً: "متعطل كل شيء... والبلد ينهار... والمؤسسات تتآكل... والشعب يتلوى... وجدار القسطنطينيه ينهار مع رفض مبادرة وافق عليها الغرب والشرق وكل الاطراف اللبنانية الا طرفكم الكريم، فأقدمتم على البيان البارحة صراحة تقولون: لا نريد سعد الحريري رئيساً للحكومة. هذا ليس من حقكم، وقرار تكليفه ليس منكم، والمجلس النيابي قال كلمته مدويه جواب رسالتكم اليه"، غير أن بري أكد أن المبادرة مستمرة... لكن من الواضح أن الأزمة اشتدت ... فانفجرت !


المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى خلال اجتماعه برئاسة المفتي عبد اللطيف دريان يشكل مظلة للحريري.

المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى خلال اجتماعه برئاسة المفتي عبد اللطيف دريان يشكل مظلة للحريري.