تفاصيل الخبر

باريس باشرت اتصالات بعيدة عن الأضواء لتأمين تمديد "هادىء" للقوات الدولية في الجنوب

17/06/2021
قوات "اليونفيل" العاملة في جنوب لبنان.

قوات "اليونفيل" العاملة في جنوب لبنان.



 وقع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يوم الجمعة الماضي طلباً رسمياً للامين العام للامم المتحدة "انطونيو غوتييريس" لتمديد عمل القوات الدولية "اليونيفيل" العاملة في الجنوب اللبناني سنة اضافية تطبيقاً لقرار مجلس الامن الدولي الرقم 1701 المتخذ في آب (اغسطس) 2006، واحيل الطلب عبر القنوات الديبلوماسية الى الامانة العامة للامم المتحدة في نيويورك لمباشرة درسه في كواليس المنظمة الدولية، قبل عرضه على مجلس الامن في شهر آب (اغسطس) المقبل بعدما يكون مشروع قرار التمديد قد أعد وفقاً للاصول، ومعلوم أن مهمة إعداد القرار كانت تتولاها دائماً فرنسا وتوافق عليها الدول الاعضاء، بعد نقاش و"مماحكات" من المندوب الاميركي لدى المنظمة الدولية الذي يدأب منذ سنوات على طرح ضرورة اعادة النظر بعمل القوات وتوسيع مهامها وتمكينها من الدفاع عن نفسها، وعدم التعرض لها وقيامها بمسؤولياتها لاسيما لجهة تفتيش المنازل في القرى عندما ترد معلومات عن وجود "عناصر مسلحة" فيها، او عن وجود اسلحة داخل منطقة العمليات الدولية، ما يناقض ما ينص عليه القرار 1701.

المعطيات المتوافرة تشير الى ان الطلب اللبناني سيواجه هذه المرة ايضاً بملاحظات من الجانب الاميركي وربما من دول اخرى ايضاً على قاعدة عدم تطبيق القرار 1701 تطبيقاً كاملاً خصوصاً في ما يتعلق بانتشار السلاح والمسلحين، وهو امر سبق ان اثاره الموفدون الاميركيون الى بيروت في كل مرة كانوا يزورون فيها العاصمة اللبنانية. ولا تزال بيروت تذكر ما قاله وزير الخارجية الفرنسية "جان ايف لودريان" في آخر زيارة قام بها للعاصمة اللبنانية عندما المح الى "الصعوبات" التي سوف تعترض السعي الفرنسي لان يكون التجديد لــ "اليونيفيل" من دون اي تعديل، لا في المهام ولا في العديد خصوصاً ان الوضع في المنطقة الدولية لا يزال يقلق القوات الدولية التي تتعرض دورياتها من حين الى آخر الى "اعتراضات" من "الاهالي" خلال تنقلها داخل البلدات. كما يمنع على العسكريين الدوليين التفتيش في المنازل او الاماكن العامة. صحيح ان باريس وعدت الجانب اللبناني بالا يحدث اي تبديل في قرار التمديد لــ "اليونيفيل" او على الاقل بانها ستعمل جاهدة لعدم حصول اي تعديل، لكن الصحيح ايضا ان المهمة الفرنسية لن تكون هذه المرة سهلة كما في السنوات الماضية، لاسيما وان واشنطن كانت ابلغت بيروت في اكثر من مناسبة "ملاحظاتها" حول اداء "اليونيفيل" والصعوبات التي تواجهها والعراقيل التي توضع في طريقها، ومعظمها "مفتعل" على حد قول الاميركيين.


الموقف الأميركي "أقل حماوة"

  مصادر ديبلوماسية قللت من حدة الموقف الاميركي هذه السنة من دون ان يعني ذلك ان واشنطن لن تثير النقاط التقليدية التي كانت تثيرها. الا ان هذه المصادر ترى بأن الموقف الاميركي سيكون هذه السنة "اقل حماوة" من السنة الماضية والسبب ان الادارة الاميركية الجديدة المبالغة في ممارسة الضغوط العالية التي مورست العام الماضي لاحداث تعديلات جوهرية على مهمة "اليونيفيل" وعلى نمط عملها وحركتها في منطقة عملياتها المنصوص عنها في القرار 1701. وتعزو هذه المصادر "الفتور" المتوقع في الاندفاعة الاميركية الى اسباب عدة ابرزها ان كل الضغوط غير المسبوقة التي مارستها واشنطن ومن ايدها من الدول في العام الماضي لتمرير التمديد معدلاً، لم تسفر عن نتيجة عملية، اذ حصل التمديد من دون تغيير في آليته.

ولم يعد خافياً ان الادارة الديموقراطية الحالية تقارب الكثير من ملفات الشرق الاوسط ومنها ملف الوضع في الجنوب اللبناني والوضع العربي الاسرائيلي بمقاربات مختلفة عن تلك التي انتهجتها الادارة الجمهورية. ومن باب التذكير، فإن الادارة الاميركية السابقة تصرفت مع موضوع تعديل مهمة "اليونيفيل" من باب الفرض بالقوة ان اقتضى الامر، وهي (الادارة الاميركية السابقة) بدأت السعي الحثيث لبلوغ هذا الهدف الحيوي بالنسبة اليها قبل وقت طويل من موعد التمديد في مجلس الامن، من خلال اتصالات وضغوط مكثفة على المعنيين وقد بلغت حد التلويح بإجراءات عقابية للمعترضين. الى ذلك تبدو الادارة الاميركية الحالية انها تسلك مسلك التهدئة في الشرق الاوسط، وخصوصاً في النقاط والميادين الساخنة، ومنها الحدود اللبنانية- الاسرائيلية وذلك بعد التطورات الدراماتيكية الاخيرة في كل فلسطين والتي تبدو مرشحة للاشتعال مجدداً.

باريس تهيء الأجواء

وترى المصادر الديبلوماسية نفسها انه عندما تكون واشنطن في ذروة اندفاعها لتحقيق امر ما، فإن عواصم اخرى مثل باريس تكون مضطرة الى اخفاء اي اعتراض او تحفظ لها، بل تكون محكومة بمسايرة الادارة الاميركية والمضي معها. وعليه فإن فرنسا التي تجد نفسها الآن "متحررة" الى حد ما من الضغوط العالية التي تمارسها واشنطن، تبدو الآن في وضع المتعامل المتحلي بالمرونة والهدوء والعقلانية مع موضوع التمديد لــ "اليونيفيل" والتعديل المحتمل ان يترافق معه انفاذاً لمقتضيات القرار الدولي الرقم 1701 الصادر في صيف العام 2006. مع العلم ان باريس هي من سيرأس مجلس الامن في شهر التمديد المنتظر، وبالتالي فإن باريس لا تبدو في وارد طرح جدي من شأنه الدعوة الى ادخال تعديلات على مهمة "اليونيفيل" وهي التي تعرف تماماً حساسية لبنان حيال هذا الطرح ورفضه المبدئي التجاوب معه نظراً الى وجود محاذير منها ان التعديل على النحو الذي كانت تطالب به واشنطن خلال ادارة الرئيس السابق "دونالد ترامب" يؤثر سلباً على القرار السيادي اللبناني ويجعل دور الجيش هامشياً وملحقاً، علماً ان القرار الدولي المرتبط بدور "اليونيفيل"، وآلية عملها وتحركها، يتم بعلم الجيش اللبناني وبإمرته وبمرافقة دوريات منه حكماً. لا بل اكثر من ذلك، فإن القرار 1701 الذي ورد تحت الفصل السادس وليس الفصل السابع، يجعل عمل "اليونيفيل" في جنوب الليطاني ولا يمتد بالتالي الى حدود لبنان مع سوريا (كما كانت ترغب واشنطن في عهد ترامب). وعليه لا تبدي المصادر الديبلوماسية اي خشية من حصول "نزاع" حول القرار الدولي المرتقب، لانها ترى ان التمديد سيحصل في موعده في ظل صعوبة في اجراء تبديلات اساسية عليه لان روسيا الدولة العضو في مجلس الامن ومالكة حق النقض، ليست في وارد القبول بتوسيع منطقة عمليات "اليونيفيل" لتشمل الحدود اللبنانية- السورية، وقد سبق لموسكو ان ابلغت المعنيين موقفها هذا عند مناقشة اقتراحات التعديل في سنوات سابقة.


وفي هذا السياق، ترى مصادر رسمية لبنانية ان لا مصلحة للقوات الدولية ومن الدول التي تتألف منها بحصول اي مواجهة مع الجنوبيين بل بالعكس ثمة رغبة دائمة في معالجة اي حادث كان يقع بين "الاهالي" والجنود الدوليين، علماً ان قيادة حزب الله اظهرت في اكثر من مناسبة حرصها على استمرار "اليونيفيل" في مهامها لانها لا ترغب بأن يعود ابناء القرى الجنوبية الى العيش في ظروف صعبة كالتي عاشوا فيها خلال حقبة الوجود الفلسطيني المسلح داخل القرى والبلدات الجنوبية. وعليه تبدو قيادة حزب الله، وفق المصادر الرسمية نفسها، مطمئنة اكثر من ذي قبل، بأن موضوع التمديد سيمر في وقته بأقل قدر من الضجيج وعلى غرار ما كان يجري في السابق وهذا ما المحت اليه السفيرة الفرنسية في بيروت آن غرييو خلال زيارتها الى منطقة صور الاسبوع الماضي.