تفاصيل الخبر

أصوات الأقليات ترتفع من جديد: لماذا تغييبنا عن التركيبة الحكومية؟

17/06/2021
جبل محسن معقل العلويين في طرابلس.

جبل محسن معقل العلويين في طرابلس.



 في كل مرة يتم البحث في تشكيل حكومة جديدة في لبنان تثير الطوائف اللبنانية المسماة اقليات عند المسيحيين، والطائفة العلوية عند المسلمين، ضجة نتيجة استبعادها عن التشكيلة الحكومية، او في احسن الحالات تخصيص حقائب ثانوية او "صغيرة" حسب التصنيف المعتمد، في تمييز واضح بين ابناء هذه الطوائف يخالف منطوق الدستور ووثيقة الوفاق الوطني حيث النص صريح ان اللبنانيين سواسية امام القانون ولا تمييز بين لبناني وآخر.... مناسبة هذا الكلام النقاش المستجد على الساحة السياسية اللبنانية حول حقوق الطوائف الصغيرة، او المعروفة بأقليات عند المسيحيين والعلويين عند المسلمين. اذ بادرت القوى الاساسية المشاركة في تشكيل الحكومة على اختلاف انتماءاتها المذهبية الى اقتطاع قالب جبنة الحكومة وفق حصصها واستأثرت بالحقائب الوزارية من دون ان تراعي حقوق الطوائف الصغيرة. وبذلك شعر المسيحيون من غير الطوائف الاساسية بأن ثمة محاولة جديدة – قديمة لاستبعادهم من التركيبة الحكومية، تماماً كما شعر العلويون بالشعور ذاته من خلال ممارسات القيمين السياسيين على الطائفتين السنية والشيعية، ما جعل هذه الطوائف المسماة "صغيرة" وكأنها ملحقة بالطوائف الكبيرة وفق مصالحها....

في الشأن المسيحي، يلاحظ المراقبون ان الزعماء الموارنة مثلاً يتصارعون على الحصص الوزارية العائدة للمسيحيين ويختارون "الدسمة" منها ويتركون للطوائف الاخرى مثل الارثوذكس والكاثوليك والارمن حقائب تبدو بمثابة جوائز ترضية. صحيح ان حصة الروم الارثوذكس تبقى مميزة كون نائب رئيس مجلس الوزراء هو عرفاً من الطائفة الارثوذكسية، وان احدى الحقائب السيادية تذهب للارثوذكس، لكن الصحيح ايضاً ان بقية الحقائب الصغيرة او الثانوية توزع على الطوائف المسيحية الاخرى ومنها الكاثوليك والارمن واحياناً الانجيليين، من دون احتساب ما يمكن ان يعطى للطوائف المسماة اقليات التي تضم السريان والاشوريين واللاتين وغيرهم. لذلك تخرج في كل مناسبة حكومية اصوات اعتراضية على سلوك طباخي الحكومة، الموارنة الذين يتعاملون مع تمثيل بقية الطوائف المسيحية، على قاعدة انها حجارة دومينو يتم نقلها وفقاً لاعتبارات زعماء الموارنة لا اكثر. وهذا ما حصل حديثاً، على اثر تسرب بعض من المسودات الحكومية والمؤلفة من 24 وزيراً ووضعت على طاولة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي حيث خصص كل من الارمن والاقليات بحقيبتين وصفتا بــ "الوزارات الصغيرة". والواقع فإن تركيبة الـــ 24 وزيراً، لطالما فتحت الباب امام سيناريو تمثيل "الاقليات" وهو احتمال يلاقي اعتراض الارمن، حين تترك لهؤلاء جميعاً "حقيبتان صغيرتان" كما ذكر في المسودات في تصرف لاقى استياء بعض ابناء هذه الطوائف بسبب التعامل معهم على انهم مجرد "ديكور" للتركيبة الحكومية. ويذهب احد المعترضين الى حد القول انه ترك للارمن "وزارة صغيرة" بينما هؤلاء ممثلون بستة نواب في البرلمان، وهو سلوك اثار نقمة بعض من اطلعوا على هذه المسودات من ابناء هذه الطوائف التي تشكو دوماً من التعامل معها بشيء من "الدمية السياسية" من بعض زعماء الموارنة في وقت صار فيه جميع مسيحيي الشرق، بمن فيهم مسيحيو لبنان، من الاقليات، الامر الذي دفع بالفاتيكان الى دق ناقوس الخطر والعمل على تنظيم الاجتماع المسيحي الذي سيعقد في الاول من تموز (يوليو) المقبل للبحث في مصير الوجود المسيحي في الشرق...


ولم يعد سراً ان الطوائف الست المسماة "اقليات"، تتعرض في كل مرة يصار الى تشكيل حكومة جديدة، لعملية استبعاد سياسية عن كل الحكومات التي عرفها لبنان من الاستقلال، ونادراً جداً ما وصلت اي شخصية من هذه الطوائف الى السلطة التنفيذية في تصرف يصفه البعض بــ "العنصرية" في التعاطي معها وكأنهم من مواطني الدرجة الثانية، لاسيما اتباع المذاهب المسيحية الستة: السريان الارثوذكس، السريان الكاثوليك، الاشوريون، الكلدان، اللاتين والاقباط، ما يعني نصف الطوائف المسيحية وثلث الطوائف اللبنانية. وقد استثني من هذا التصنيف الانجيليون لانهم سبق ان تمثلوا بالحكومات من خلال الوزراء سمير مقدسي والشهيد باسل فليحان وسامي حداد وتولوا حقائب مهمة مثل الاقتصاد والتجارة والمال والصناعة الخ.... واللافت في هذا السياق، ان الاحزاب المسيحية الكبيرة "تتكل" خلال الانتخابات النيابية على اصوات هذه الطوائف لتجمع اعداداً اضافية تحتسب اما في الحاصل الانتخابي كما حصل في الانتخابات النيابية الاخيرة على اساس قانون النسبية والصوت التفضيلي، او خلال تطبيق القانون الاكثري. ومع اقتراب الاستحقاق الحكومي  تعود هذه الطوائف للتذكير بحقوقها وبضرورة توزيرها لكنها لا تلقى اذاناً صاغية.


العلويون يسألون....

وفي المقلب الاسلامي، تبدو الطائفة العلوية في وضع مماثل لطوائف الاقليات المسيحية، فعلى رغم انها ممثلة بنائبين في مجلس النواب، واحد عن دائرة طرابلس وآخر عن دائرة عكار، الا انها لم تحظ ولا مرة بحقيبة وزارية على رغم المطالبات المتكررة من نائبي الطائفة ومرجعيتها الروحية، الامر الذي احدث شعوراً لدى العلويين بأنهم على هامش العمل في السلطة التنفيذية، في حين ان تمثيلهم في السلطة التشريعية لا يزال محدوداً جداً. في كل مرة يتم طرح تشكيل حكومة في عهد الرئيس ميشال عون، كان الرئيس يبادر الى المطالبة بمقعدين واحد للاقليات المسيحية وآخر للعلويين في الحكومات التي تألفت من 30 وزيراً. الا ان الاعتراض سرعان ما يظهر على اساس ان قواعد توزيع الحقائب على الطوائف معتمدة سابقاً وباتت عرفاً لا يمكن تجاوزه. وفي احدى الحكومات اقترح الرئيس عون رفع العدد الى 32 وزيراً لاعطاء الاقليات المسيحية والعلوية مقعدين وزاريين، لكن الاقتراح سقط وظل الوضع على حاله.

اليوم يتكرر المشهد نفسه،  وتتجدد المطالبة اياها، وثمة من يذكر بأن المفكر ميشال شيحا اب الدستور اللبناني، وهو لاتيني، لم يخطر بباله، وهو يصوغ الدستور، ان يلحظ اي ضمانة لابناء طائفته يمكن ان توصلهم الى جنة السلطة التنفيذية. اما بالنسبة الى العلويين فقد ظلوا غائبين عن السلطة التشريعية الى ان "فرض" السوريون عندما كانوا يمارسون وصايتهم على لبنان، ان يتمثلوا في مجلس النواب وفي الادارات الرسمية حيث تم تعيين موظفين اثنين علويين من الفئة الاولى، واحد كان سفيراً ثم اصبح نائباً، والثاني يشغل المديرية العامة للبريد التي اصبحت فارغة من اي عمل فعلي مع تلزيم الخدمة البريدية لــ "ليبان بوست".