تفاصيل الخبر

خطر إقفال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يرفعه تجاوب الدول في عملية تمويلها

10/06/2021
مقر المحكمة الدولية في لاهاي.

مقر المحكمة الدولية في لاهاي.



شكل ما أعلنته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، عن إلغاء افتتاح المحاكمة في القضايا المتلاحقة التي استهدفت اغتيال الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، ومحاولة اغتيال الوزيرين السابقين الياس المر ومروان حمادة، والتي كانت مقررة في 16 حزيران (يونيو) الجاري، صدمة تفاعلت محلياً ودولياً، لكن تفاعلها على الساحة اللبنانية كان له الأثر البالغ خصوصاً أن السبب المعلن لهذه الخطوة هو الوضع المالي الحاد الذي تواجهه، والذي سوف يؤدي اذا ما استمر الى إقفال المحكمة في شهر تموز (يوليو) المقبل! وهذا المصير- اذا تحقق- يشكل سابقة في مجال المحاكم الدولية وعائقاً لافتاً في وجه تحقيق العدالة الدولية التي اول من ينتظرها المتضررون من الجريمة التي وقعت في العام 2005، فضلاً عما يعنيه من إفلات من العقاب في عدم بت هذه القضايا والآثار السلبية على المجتمع الدولي.

ويقول مطلعون على مسار المحاكم الدولية إنه لم يسجل ان اقفلت محكمة دولية بسبب عدم تأمين حاجاتها المادية في حدها الادنى، علماً ان المحكمة الخاصة بلبنان خفضت بنسبة 37 في المئة من النفقات في ميزانيتها لسنة 2021 استشعاراً منها بدقة الوضع المالي والظروف الصعبة الناتجة عن جائحة كورونا. فضلاً عن توفير الامم المتحدة للمحكمة مساهمة مالية في آذار (مارس) الماضي بلغت 15.5 مليون دولار اميركي مما ساهم بتغطية 75 في المئة من ميزانيتها وذلك في سبيل دعم استمرار عملها القضائي. الا ان هذه المحكمة التي تعاني من نقص حاد في ميزانيتها لا تزال تحتاج الى المزيد من المساهمات لتمويلها. والمطلعون يشيرون الى ان المحكمة الخاصة بلبنان ليست اول محكمة عانت من صعوبات مالية في تمويلها، فالعديد من المحاكم الدولية الخاصة حول العالم عانت من الضيق المالي عينه. فالمحكمة الخاصة بسيراليون كانت تعاني من ازمة تمويل في العام 2007 وكانت على وشك ان توقف عملها ولكن تم دعمها مالياً من دول عدة، ومنها الولايات المتحدة الاميركية التي قدمت لها 4.5 ملايين دولار عام 2010 فاستمرت بعملها وانتهى عملها في عام 2013 بعد صدور حكم بمحاكمة شارلز تايلور. وكذلك المحكمة الخاصة بكمبوديا، والتي تعتمد على مساهمات الدول المانحة والمتطوعة ومنها الامم المتحدة، بالاضافة الى الحكومة الكمبودية التي تقوم بدفع جزء من ميزانية المحكمة، فقد كانت تعاني من ازمة مالية كبرى في العام 2013 فتعطل عمل المحكمة وقتها، بسبب اضراب بدأ بعدما تقاعست حكومة كمبوديا عن دفع رواتب موظفي المحكمة الكمبوديين لاشهر عدة بالاضافة الى افتقار الجانب الكمبودي من المحكمة الى ما يقرب من 3 ملايين دولار للتمويل. وقد ادى الانخفاض القريب في التمويل من اليابان، وهي جهة مانحة رئيسية، الى ازدياد الضغط على المحكمة. ولكن عملها استمر بعد حصولها على المساهمات اللازمة من الدول المانحة. 


أرقام الموازنة

ويستدل من خلال العودة الى ميزانية المحكمة انها توزعت كالآتي: في العام 2009 بلغت ارقام الموازنة 51.4 مليون يورو، وفي العام 2010 ارتفعت الى 55.4 مليون يورو، وفي العام 2011 بلغت 67.3 مليون يورو، ثم انخفضت في العام 2012 الى 55.3 مليون يورو، لترتفع من جديد في 2013 الى 59.9 مليون يورو، وفي العام 2014 قاربت من 59.8 مليون يورو، وكذلك في العام 2015 اذ بلغت 59.874 مليون يورو، لترتفع الى 2016 الى 62.8 مليون يورو، وفي العام 2017 تراجعت الى 59 مليون يورو، وفي العام 2018 الى 58.8 مليون يورو، ثم انخفضت في 2019 الى 55.1 مليون يورو، لتستقر في العام 2020 على 55,145 مليون يورو. وهذا الانخفاض التدريجي اعاق عملها ثم جعل امكانية استمرارها صعبة. واتى "نعي" المحكمة لنفسها في بيان يوم الخميس في 3 حزيران (يونيو) الجاري في بيان ذكرت فيه "ان غرفة الدرجة الاولى في المحكمة اصدرت قراراً اعلنت فيه تعليق بدء المحاكمة في قضية سليم عياش الذي كان مقرراً في 16 حزيران (يونيو) 2021، وتعليق جميع القرارات المتعلقة بالمستندات المودعة حالياً امامها، وبأي مستندات توضع مستقبلاً وذلك حتى اشعار آخر. واوضح البيان ان قرار غرفة  الدرجة  الاولى جاء عقب ايداع رئيس قلم المحكمة مستنداً في 1 حزيران 2021، ابلغ فيها الغرفة بالوضع المالي الحاد الذي تواجهه المحكمة حالياً.

 فنفاد الاموال الوشيك سوف يؤثر في قدرة المحكمة على تمويل استمرار الاجراءات القضائية وانجاز ولايتها، ما لم ترد مساهمات اضافية هذا الشهر. وقد وضعت قضية عياش قيد نظر غرفة الدرجة الاولى رسمياً في 21 ايار (مايو)2021، بعد اكمال قاضي الاجراءات التمهيدية نقل ملف القضية الى غرفة الدرجة الاولى مختتماً بذلك المرحلة التمهيدية. ونظراً الى تحديد قاضي الاجراءات التمهيدية تاريخ 16 حزيران (يونيو) الجاري موعداً اولياً لبدء اجراءات المحاكمة، كانت غرفة الدرجة الاولى قد قررت عقد جلسة تمهيدية للمحاكمة في 10 حزيران (يونيو) الجاري من اجل الاستماع الى الفريقين والممثلين القانونين للمتضررين بشأن جملة مسائل تشمل طرائق سير الاجراءات. وقد الغت غرفة الدرجة الاولى في قرارها الجلسة المقررة في ذلك اليوم ايضاً.

واكد البيان ان المحكمة تواصل جهودها المكثفة لجمع الاموال اللازمة من اجل اكمال عملها المهم، وتكرر نداءها العاجل الى المجتمع الدولي، مناشدة اياه الاستمرار في دعمها مالياً. وذكر بأن قضية عياش تتعلق باعتداءات ثلاثة استهدفت السياسيين اللبنانيين البارزين، السادة: مروان حمادة وجورج حاوي والياس المر، ووقعت في 1 تشرين الاول (أكتوبر) 2004 و21 حزيران 2005 (يونيو) و12 تموز (يوليو) 2005 على التوالي. وقد تبين ان هذه الاعتداءات متلازمة مع الاعتداء الارهابي الذي اودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري واشخاص كثيرين آخرين في 14 شباط 2005 (فبراير).

ووجهت الى المتهم، السيد سليم جميل عياش، 5 تهم، منها تهمة ارتكاب اعمال ارهابية. ويشارك المتضررون من الاعتداءات الارهابية الثلاثة في الاجراءات من خلال ممثليهم القانونيين، وقد عين ممثل قانوني لكل اعتداء. وفي الوقت الذي كانت اصداء قرار المحكمة تتردد في الاوساط السياسية والديبلوماسية كان العاملون فيها يستعدون لتلقي اشعارات بالمغادرة لأن القوانين والقواعد التي تنظم عمل موظفي المحكمة تنص على العاملين فيها على اخطار بالمغادرة قبل 30 يوماً على الاقل من موعد انتهاء عملها، وتوقف التمويل يعني عملياً ان المحكمة لن تملك الموارد اللازمة لاستكمال القضايا المرفوعة اليها، وفي هذه الحالة سيحدد القضاة مصير القضايا التي تنظر فيها. وحرصت رئيسة المحكمة القاضية التشيكية "ايفانا هير دليشكوفا" من ان اقفال المحكمة "سابقة شديدة الخطورة للعدالة الجنائية الدولية"، معتبرة "ان الاقفال في حال حصوله بسبب النقص في التمويل، سيبعث رسالة مدمرة للشعب اللبناني وذوي الضحايا".


نداءات استغاثة

وقع قرار المحكمة الدولية كان قوياً في لبنان الذي بات عاجزاً عن تسديد حصته في موازنة المحكمة البالغة نسبتها 49 في المئة، بسبب الاوضاع المالية الصعبة التي يجتازها وفيها ناشد الرئيس المكلف سعد الحريري الحكومة الى عدم التوقف عن دفع حصتها وناشد المجتمع الدولي المسارعة الى دعم موازنة المحكمة، ووجه رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب رسالة الى الامين العام للامم المتحدة "انطونيو غوتييريس"، اشار فيها الى ان الحكومة اللبنانية ستكون "ممتنة" لو استطاعت الامم المتحدة استكشاف وسائل بديلة مع مجلس الامن والدول الاعضاء على وجه السرعة لتمويل المحكمة لانجاز مهمتها وفقاً لقرارات مجلس الامن والاتفاقية ذات الصلة بين الامم المتحدة ولبنان متابعة لقرار الجمعية العمومية للامم المتحدة. وفيما اعتبر دياب ان الاكثر ضرراً ستكون النتيجة هي ارث العدالة المجزأة، اعرب عن امله بأن الصعوبات المالية يجب الا تعوق تنفيذ ولاية المحكمة، وقال "امل بشدة ان تستمر لجنة ادارة المحكمة الخاصة بلبنان ومجموعة الدول المهتمة، التي يشاركها لبنان في المبادىء التأسيسية للمحكمة، في تزويدها بالدعم الذي تشتد الحاجة اليه في هذا الوقت الحاسم من عمرها الافتراضي. بالنظر الى التحديات المالية التي تواجهها المحكمة الخاصة بلبنان، ومع الاخذ في الاعتبار الصعوبات الحادة المستمرة التي يواجهها لبنان والتي انعكست في تقريرك في شباط من العام الحالي، ستكون الحكومة اللبنانية ممتنة لو استطعتم سعادتكم استكشاف وسائل بديلة مع مجلس الامن والدول الاعضاء على وجه السرعة لتمويل المحكمة لانجاز مهمتها وفقاً لقرارات مجلس الامن والاتفاقية ذات الصلة بين الامم المتحدة والجمهورية اللبنانية المرفقة بها وكمتابعة لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة".

في التوازي، كانت الاصوات ترتفع من عائلات ضحايا الجرائم التي تنظر فيها المحكمة من اجل استكمال العمل لتحقيق العدالة، لاسيما وان افراد هذه العائلات انتظروا اكثر من 16 عاماً كي تتاح لهم فرصة الوصول الى العدالة لبلوغ مسعاهم الى الحقيقة والتعويض المعنوي. وفي هذا الاطار قال المحامي انطونيوس ابو كسم الممثل الرئيسي للمتضررين في قضية اغتيال جورج حاوي "إن توقف المحكمة سيكون بمنزلة رسالة تشجيع للفاعلين لارتكاب المزيد من الاعتداءات الارهابية بلا رادع او خوف. فانهاء الاجراءات في المحكمة سيبدد آخر امل بتحقيق سيادة القانون والعدالة في لبنان وبالتزام المجتمع الدولي بذلك". ويؤكد "ان المحكمة والممثلين القانونيين يواصلون جهودهم المكثفة لجمع الاموال اللازمة من اجل استمرار نظرها بالقضايا العالقة امامها". لافتاً الى "انه من الصعب جداً عملانياً وقانونياً نقل الاختصاص واحالة الملف على القضاء اللبناني لاجراء المحاكمات فهناك عوائق قانونية واجرائية واخرى تتعلق بالمشاركين في القضية وهذا يتطلب وقتاً وجهوزية لدى المحاكم اللبنانية ويستدعي اتفاق تعاون مع المحكمة اقله".

حيال هذا الواقع، لا يبدو لبنان قادراً على توفير حصته بسبب الظروف المالية الصعبة التي يمر بها، لكن الاتصالات لم تنقطع مع الدول القادرة على التمويل إن هي رغبت في ذلك، علماً ان نسبة التجاوب لا تبدو مشجعة ويتطلب الامر استنكاراً ديبلوماسياً واسعاً لتأمين ما تبقى لتوفير الاعتمادات الموازنة وهو 25 في المئة بعدما امنت الامم المتحدة مبلغ 5.5 مليون دولار تغطي نسبة 75 في المئة من مساهمة لبنان في ميزانيتها، اما البعد الاخر لقرار اقفال المحكمة اذا تحقق، فهو الحد من الدعوات التي تطلق لتأسيس محكمة جديدة تابعة للامم المتحدة لمحاكمة المسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت في 4 آب (اغسطس) الماضي والذي اسفر عن سقوط 200 قتيل واصابة اكثر من 6500 شخص بجروح، ناهيك عن الدمار الذي لحق بجزء كبير من العاصمة.

فهل تلقى النداءات تجاوباً ام تطوى صفحة المحكمة الخاصة بلبنان ومعها العدالة المنتظرة منذ العام 2005؟!


أمين عام الأمم المتحدة "أنطونيو غوتييريس" يحاول تأمين التمويل البديل.

أمين عام الأمم المتحدة "أنطونيو غوتييريس" يحاول تأمين التمويل البديل.