تفاصيل الخبر

"حكومة الأقطاب" طرحها البطريرك من بعبدا ولم تلق "حماسة" المعنيين لأكثر من سبب....

10/06/2021
الرئيس ميشال عون والبطريرك بشارة الراعي خلال اللقاء في القصر الجمهوري.

الرئيس ميشال عون والبطريرك بشارة الراعي خلال اللقاء في القصر الجمهوري.


 عندما زار البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي قصر بعبدا الأسبوع المقبل للبحث مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في ملف تشكيل الحكومة العتيدة المتعثرة منذ أشهر، لم يكن أحد يتوقع أن يخرج البطريرك بطرح قال إنه لم يعرضه على الرئيس، لكنه ورد في ذهنه وهو يدلي بتصريحه... هذا الطرح خلاصته تشكيل حكومة من الأقطاب، أي رؤساء الأحزاب او الكتل النيابية الممثلة في مجلس النواب، تكون حكومة إنقاذية بكل ما تعنيه الكلمة لاسيما وأن الظروف التي تمر بها البلاد بلغت درجة من الخطورة يصعب تجاهلها على مختلف الصعد، الاقتصادية والمالية والصحية الخ.... واذا كان البطريرك سارع الى التأكيد بأن موضوع حكومة الاقطاب لم يطرحه في لقائه مع الرئيس عون، إلا أن الواقع يشير الى أنه سبق للبطريرك الماروني ان اثار هذا الأمر مع رئيس الجمهورية في لقاء سابق حين تعثر مسار تشكيل حكومة المهمة التي دعا اليها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارته الى بيروت في الأول من ايلول (سبتمبر) الماضي. والملاحظ أن البطريرك قدم هذا الاقتراح أمام الإعلاميين بعدما كان اطلق موقفاً متقدماً من الخلاف القائم بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف سعد الحريري حين انتقد البطريرك بيان تيار "المستقبل" وما تضمنه من عبارات طاولت شخص الرئيس عون وعهده.

غير ان الطرح البطريركي، الذي يعني عملياً في حال تبنيه، سقوط المبادرة الفرنسية بكل مندرجاتها والانطلاق الى حكومة سياسيين بدلاً من حكومة اختصاصيين غير حزبيين، لم تتفاعل بشكل واسع في الأوساط السياسية، وبدت ردود الفعل عليها خجولة مع الكثير من التلميح الى استحالة تطبيقه في الظرف السياسي الراهن، حيث التجاذبات السياسية بلغت اوجها بين عدد من الاطراف السياسيين ما يجعل القدرة على التنفيذ صعبة اذا لم تكن مستحيلة. لكن ثمة من يرى ان طرح حكومة الاقطاب قد يشكل مخرجاً منطقياً للامور لأنه يضع مسؤولي الصف الاول على طاولة واحدة ولا حاجة عند اتخاذ القرارات الى تضييع الوقت ليعود الوزراء الى مراجعهم او تنشغل خطوط "الواتساب" في ارسال اسئلة وتلقي اجوبة من المرجعيات.... لأن الاقطاب يستطيعون تحمل مسؤولياتهم بشكل مباشر من دون اي مواربة. لكن هؤلاء رأوا في الطرح البطريركي نسفاً للشروط الدولية التي قامت منذ 17 تشرين الاول (اكتوبر) 2019 وحتى اليوم، وتعززت بالمبادرة الفرنسية التي دعت الى توزير اناس اختصاصيين من غير الحزبيين للتعاطي مع الازمات الاقتصادية والمالية والمعيشية بطريقة مهنية واحترافية بعيداً عن السياسة والمصالح الحزبية. وبمجرد تشكيل حكومة سياسية مؤلفة من اقطاب، يكون قد تم الاعتراف الدولي وبشكل رسمي بأنه لا مجال في لبنان لقيام اي حكومة غير سياسية، وهذا الامر قد لا يكون مشكلة كبيرة بالنسبة الى الخارج، لأن الجميع يعلم ذلك ولكنهم يتفادون قوله بشكل صريح.

وفي تقدير مصادر سياسية متابعة، فإن قيام حكومة اقطاب في هذا الظرف بالذات، دونه عقبات كبيرة وكثيرة، أولها طريقة اختيار الاقطاب لدى معظم الطوائف باستثناء الطائفة الشيعية حيث لا مجال لأي التباس لأن اقطاب هذه الطائفة على اتفاق محصور بــ "الثنائي الشيعي" اي حركة "أمل" وحزب الله، ولن يكون من الصعب على قيادتي "أمل" والحزب ان تختارا من يمثلهما في حكومة الاقطاب لتعذر مشاركة الرئيس نبيه بري كونه رئيس مجلس النواب، والسيد حسن نصر الله كونه الأمين العام لحزب الله وله ظروفه الامنية والقيادية. 


أما لدى الطوائف الأخرى فالصورة تختلف اذ هل سيرضى السنة بأن ينحصر تمثيلهم بالرئيس سعد الحريري فقط، في حين أن ثمة رؤساء حكومة سابقين وقيادات سنية اخرى من خارج العاصمة وداخلها، وخصوصاً في الاطراف في البقاع والشمال والجنوب. كذلك الأمر هل سيرضى الدروز ان يمثلهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في ظل زعامة رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني النائب طلال ارسلان، ونمو احزاب درزية اخرى مثل حزب التوحيد العربي الذي يرأسه الوزير السابق وئام وهاب، وغيرهم من القيادات الدرزية؟. اما على الضفة المسيحية فالموقف اصعب بكثير لأن لدى المسيحيين قيادات غير الرئيس عون والنائب جبران باسيل والدكتور سمير جعجع والنائب السابق سليمان فرنجية، والاربعة موارنة، فماذا عن القيادات الارثوذكسية التي لا تعرف احادية في الزعامة، وكذلك الأمر بالنسبة الى طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، ناهيك بالاقليات والارمن وقيادات مسيحية اخرى مستقلة ترفض تصنيفها بالقيادات الحزبية؟.

هذا بالشكل، فكيف بالعمق حيث ان الخلافات محتدمة الى حد تعذر على المصلحين وسعاة الخير، جمع الرئيسين عون والحريري او مصالحة الاخير مع النائب باسيل، فكيف بالتالي سيلتقي الجميع على طاولة واحدة واي قرارات يمكن ان تصدر عن "الاضداد" خصوصاً في المسائل الحساسة التي ستكون امام الحكومة العتيدة والتي قد تطلب توافقاً لأن اي اعتراض من قطب يمكن ان يستتبع باعتراض من قطب آخر وهكذا دواليك.... واستطراداً ماذا ستكون عليه ردة الفعل في الشارع التي قد يكون من السهل معرفة كيف تبدأ، ومن الصعوبة بمكان معرفة كيف ستنتهي؟ من هنا يقول مطلعون على الوضع السياسي الهش في البلاد حالياً انه من غير المجدي قيام مثل هذه الحكومة لأن مقومات فشلها اكبر بكثير من مقومات نجاحها، ولن يرضى احد في "تجيير" الانجازات الى غيره فتكون البلاد امام معضلة جديدة تضاف الى المعضلات السابقة المتراكمة، لاسيما مع غياب اي قوة قادرة على فرض السير بالمواضيع المطروحة وفق ما يجب على غرار ما كان يحصل في السابق في زمن الوصاية السورية عند بروز اي خلاف او اشكال بين الاقطاب، فكانت القرارات تهبط "معلبة" ولا من يعترض!.

قصة حكومات الأقطاب

في اي حال، يرى المطلعون ان البطريرك الراعي، عندما طرح من قصر بعبدا فكرة حكومة الاقطاب، حضرت الى ذهنه التجربة المهمة والاستثنائية في ثاني حكومات عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب العام 1958، وهي الحكومة الرباعية التي قاد نجاح تجربتها الى تكرارها في عهد خلفه الرئيس شارل حلو العام 1968، بثلاثة من الوزراء الاربعة اياهم لكن برئيس مختلف. فالحكومة الرباعية الاولى ترأسها الشهيد رشيد كرامي وضمت اليه الرئيس حسين العويني والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون اده. اما في الحكومة الرباعية الثانية، بعد عشر سنوات، فكان رئيساً عبد الله اليافي وضمت اليه الوزراء انفسهم العويني والجميل واده. وفي الحكومتين كلتيهما مارونيان وسنيان فقط بعد "اقناع" الرئيس صبري حمادة والزعيم الدرزي كمال جنبلاط بغياب التمثيل الشيعي والدرزي عن الحكومة، ويومها قيل ان الحكومة ليست حكومة اقطاب لغياب آخرين، بل "حكومة من اقطاب". لكن الاكيد ان البطريرك عندما طرح فكرة الأقطاب انما كان يعني تمثيل كل الطوائف بأقطابها لاسيما رؤساء الكتل النيابية او من يتفقون على ان يمثلوهم، لكن على مستوى الصف الاول، وليس الصفوف الخلفية. حكومتا الأقطاب، لا أقطاب - اثنتان فقط عرفتا، واستطاعتا ان تضطلعا بهذا الدور بعض الوقت قبل ان تسقط التجربة هذه بانقسام الاولى، ترأسها كرامي في عز "حرب السنتين" ما بين الاول من تموز 1975 (يوليو) و 9 كانون الاول (ديسمبر) 1976، آخر حكومات عهد الرئيس سليمان فرنجية من ستة وزراء (الرئيسان كميل شمعون وعادل عسيران والوزراء مجيد ارسلان وفيليب تقلا وغسان تويني). دعمتها دمشق في مطلع مرحلة وساطتها السياسية في لبنان. وتفادى تأليفها انضمام اكثر الاعداء ضراوة في الحرب تلك، ككمال جنبلاط وبيار الجميل، بأن تمثل جنبلاط بكرامي والجميل بشمعون، بينما الوزراء الاخرون لم ينخرطوا في الحرب. لعل واحداً من المشاهد التي لا تنسى حينذاك، ابان مشاورات التأليف، مصالحة تاريخية استثنائية في قصر بعبدا بين شمعون وجنبلاط، الغائرين في عداء سياسي وشخصي بدأ عام 1952 ولم يكن قد انتهى.


 في حكومة الستة، تمثلت الطوائف الأكبر باستثناء الارمن - بأقطابها الاول، فلم تستبعد اي منها، ولم يصر الى التشكيك في شرعية اي من هؤلاء ووزنه التمثيلي، ولم يعاند احد في الاصرار على ان يكون داخلها. رضي جنبلاط بارسلان ممثلاً للدروز وكان في المقلب الآخر منه في الحرب، والرئيسان صبري حمادة وكامل الاسعد بعسيران ممثلاً للشيعة. كان تقلا اقدم ممثلي طائفته، وتويني اثمن الارثوذكسيين. مع ذلك، لم تعش وحدة حكومة الاقطاب تلك في ظل تواصل جولات الحرب. خرج منها تقلا أولاً بالسفر الى البرازيل نهائياً، ثم اختلف فرنجية وشمعون مع كرامي الذي قاطع مجلس الوزراء، فانتقلت حقائبه ومنصبه الى شمعون في سابقة غير مألوفة، ان يمسي رئيس حكومة بالوكالة، رغم تفككها صمدت الى ما بعد انتخاب الرئيس الياس سركيس. ثانية حكومات الاقطاب كانت ثانية حكومات عهد الرئيس امين الجميل، ما بين 30 نيسان (ابريل) 1984 و 22 أيلول (سبتمبر) 1988 مع ان مواصفاتها كحكومة اقطاب كانت افضل من سابقة حكومة 1975 تعبيراً عن موازين القوى في البلاد، الا انها مثلت نوعاً فريداً من الحكومات عشرية، اكثر من نصف وزرائها معارضون، بينما بان الموالون اقلية، ترأسها كرامي، وضمت شمعون والجميل وعسيران والرئيس سليم الحص وجوزف سكاف وعبد الله الراسي وفيكتور قصير، وللمرة الاولى وزيرين، رئيس حركة امل نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، عمرت اكثر من اربع سنوات، التأمت خلالها سنة ونصف سنة، فيما الباقي في قطيعة كاملة بين وزراء المعارضة الستة ورئيس الجمهورية. من فوق رؤوسهم صارت تتناقل المراسيم الجوالة بسبب منع سوريا انعقاد مجلس الوزراء منذ ما بعد كانون الثاني (يناير) 1986.

 في حكومتي الأقطاب أعلاه، لم تكن الشكوى من تعذر تأليفهما ولا الخلاف على رئيسيهما ولا من تسليم خصوم رئيس الجمهورية بوجوده على رأس الطاولة، بل كانت الشكاوى من واقع الحرب اللبنانية، ودور دمشق حينذاك، ناهيك بجولات القتال التي كانت تحول دون تعثر العمل الحكومي. لقد  اظهر الاقطاب في حينه، تعاوناً في ما بينهم لتفادي الانزلاق أكثر بالبلاد لكن وطأة التدخلات الخارجية اضعفت القدرة على ممارسة المسؤوليات الحكومية كاملة، فكان التعثر ثم السقوط....

ويبقى السؤال هل سيكون من الممكن جمع "الأقطاب" في حكومة واحدة اذا ما اقتنع هؤلاء بطرح البطريرك؟ من الصعب أن يكون الرد عن هذا السؤال بالايجاب!.