تفاصيل الخبر

الأمم المتحدة ترفض إسقاط صفة اللجوء عن النازحين السوريين الذين انتخبوا الأسد!

10/06/2021
اقتراع السوريين في سفارة بلادهم في اليرزة.

اقتراع السوريين في سفارة بلادهم في اليرزة.


 لم تمر مشاركة أعداد كبيرة من النازحين السوريين في لبنان في الانتخابات الرئاسية السورية قبل اسبوعين، برداً وسلاماً على فريق من اللبنانيين وجد في "العراضة" التي قام بها بعض هؤلاء النازحين في اثناء انتقالهم من الشمال الى مقر السفارة السورية في اليرزة  للاقتراع، استفزازاً خصوصاً في منطقة كسروان حيث اصطدم معترضون من "القوات اللبنانية" بقوافل النازحين الناخبين في محلة نهر الكلب وكانت مواجهات حسمها الجيش بعد وقوع اضرار جسدية ومادية متوسطة معظمها تحطيم سيارات وجروح طفيفة في صفوف نازحين ومعترضين على حد سواء. وقد اثرت هذه الحوادث على حركة اقبال النازحين الى صناديق الاقتراع في السفارة السورية لاسيما اولئك الذين يتوزعون في مناطق الشمال بحيث انكفأوا عن الحضور وبالتالي تراجعت نسبة الاقتراع على نحو ملحوظ....الا ان ما حصل طرح مسألة النازحين من زاوية اخرى، غير تلك التي كانت تطرح فيها، اي ان المعترضين اثاروا قضية عدم جواز بقاء النازحين الذين انتخبوا الرئيس بشار الاسد في لبنان لأنهم من غير المضطهدين في بلدهم ولا تنطبق عليهم صفة النازح هرباً من نظام بلده او ممارسات بحقه، لأن الذين قصدوا السفارة اقترعوا للرئيس الاسد، اي انهم ليسوا ضد النظام، وليس النظام ضدهم، وتزامنت حملة المعترضين مع عرض تداعيات النزوح السوري الى لبنان على مختلف القطاعات والخسائر التي يتكبدها لبنان والتي تجاوزت حسب آخر الاحصاءات 50 مليار دولار في مقابل دعم دولي لم يتخط 8 مليارات دولار... ولعل الدعوة التي اطلقتها "القوات اللبنانية" الى اعادة كل من اقترع للاسد الى بلاده طالما انه لا يخاف النظام، صورة مكبرة للاعتراضات التي سادت اوساط سياسية لبنانية دعت الى الطلب من المجتمع الدولي الضغط لاعادة النازحين بعدما سقطت عنهم صفة النزوح حسب المفاهيم الدولية. وبرزت مطالبة كي تتسلم السلطة اللبنانية من السفارة السورية لائحة بالنازحين الذين اقترعوا والتواصل مع الامم المتحدة لاتخاذ اجراءات فورية بوقف دفع المساعدات لهؤلاء النازحين ودفعهم الى العودة الى سوريا وتقديم المساعدات اليهم هناك وليس في لبنان.  واقترح آخرون، بالنسبة الى السوريين المعارضين للنظام والذين يعتبرون ان حياتهم مهددة في حال عادوا الى سوريا، اقامة منطقة حزام امان يتم جمعهم فيها وتتأمن لهم حماية دولية، لاسيما وان لبنان لم يعد في هذه المرحلة، وفي ظل الوضع المالي والاقتصادي الصعب، في مقدوره ان يستضيفهم.... ويسجل المعترضون الذين حركتهم الاحداث التي وقعت يوم الانتخابات السورية في السفارة، ان الولادات السورية تتواصل في لبنان من دون تسجيل غالبيتها بحيث ان 73 في المئة من هذه الولادات منذ العام 2015 غير مسجلة ما يضع هؤلاء في خانة مكتومي القيد ويحول مستقبلاً دون عودتهم الى سوريا.


لا إسقاط لصفة اللجوء!

دعوة بعض الاطراف اللبنانيين المجتمع الدولي الى العمل لاعادة النازحين ممن اقترعوا للرئيس الاسد الى سوريا بعد سقوط صفة اللجوء عنهم، تقابلها المنظمات الدولية التابعة للامم المتحدة، ولاسيما منها المفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين ( UNHCR)، بالقول ان تصويت النازح السوري في الانتخابات الرئاسية السورية هو خيار شخصي ولا يرتبط بوضع اللاجىء ولا بحاجة الشخص الى الحماية الدولية. وفي هذا السياق، تقول مصادر دولية ان التصويت في الانتخابات لن يؤدي الى فقدان وقوع حوادث، اما بالنسبة الى العودة، انها مسألة معقدة تنطوي على عدد من الاعتبارات بالنسبة الى اللاجئين وهي تستند الى الوضع الفردي لكل منهم ولأسرهم ومنازلهم في سوريا. ويأمل معظم اللاجئين السوريين في العودة يوماً ما الى سوريا، غير ان العديد منهم لا يزالون يشعرون بالقلق حيال مسألتي السلامة والامن في سوريا، وهم يشيرون الى هذه المخاوف كسبب رئيسي لعدم تمكنهم من العودة في المستقبل القريب.

وتضيف المصادر نفسها انه حسب افادات النازحين للمفوضية فإن الوضع في سوريا هو الذي يؤثر على قرارهم بالعودة فهم لا يزالون يشعرون بالقلق حيال عوامل عدة، ومنها السلامة والامن، السكن ووجود سقف يأويهم، امكانية الوصول الى الخدمات الاساسية مثل المستشفيات والمدارس، فضلاً عن انسداد وسبل كسب العيش، لكي يتمكنوا من تلبية احتياجات أسرهم في سوريا.

اما بالنسبة الى عمل المفوضية على تحفيز النازحين على العودة، وتقديم المساعدات لهم في سوريا وليس في لبنان، كما يطالب كثيرون تشير المصادر الى ان المفوضية والمنظمات الشريكة تتعاون مع الحكومة السورية والجهات المعنية الأخرى للتصدي تدريجياً للمسائل التي تؤخر عودة اللاجئين بحسب افاداتهم. كذلك تدعم المفوضية في سوريا النازحين داخلياً واللاجئين العائدين من خلال برامج انسانية على مستوى المجتمعات المحلية وعلى اساس الحاجة مثل غيرهم من الفئات السكانية وعلى وجه الخصوص توفر شبكة المراكز المجتمعية الواسعة التي تحظى بدعم المفوضية في انحاء سوريا كافة، جهات اتصال مهمة للاجئين العائدين على قدم المساواة مع الاخرين.  فضلاً عن تكثيف نشاطاتها داخل سوريا من اجل مساعدة السكان السوريين الذين تضررت منازلهم وتدعم اعمال اعادة تأهيل المدارس.

في المقابل ثمة دعوات انطلقت للطلب الى الحكومة اللبنانية، ولاسيما وزارة الشؤون الاجتماعية المعنية بملف النازحين، بالحصول على لوائح المقترعين من السفارة السورية. الا ان وزارة الشؤون ترفض مثل هذه الدعوات وتعتبر ان الانتخابات التي جرت امر سيادي ولا يمكن طلب امر كهذا من اي دولة....

وتقول مصادر وزارة الشؤون ان مقاربة ملف النزوح انسانية، والدولة اللبنانية لم تسأل النازحين عند بداية ازمة النزوح عن توجهاتهم السياسية لكي تستقبلهم على اساسها او تعيدهم الى بلادهم. فمبدأ العودة يتجاوز مسألة الانتماء السياسي، بل هو حق اساسي ومكتسب للنازح وواجب وطني يجب ان نعمل عليه لتفعيل هذا الملف. وهذا غير مرتبط بما اذا كان النازحون يؤيدون الرئيس الاسد ام لا وتشير الى ان كثيرين من النازحين هربوا من سوريا بسبب المنظمات المتطرفة والارهابية والحرب الشعواء، وليس جميع النازحين الموجودين في لبنان على عداء مع الدولة السورية، والانتخابات كانت دليلاً على ذلك، وبمعزل عن ذلك، تواصل الدولة عبر وزارة الشؤون، العمل على تحقيق العودة، من خلال الخطة التي اقرتها الحكومة في تموز 2020. ويشير المشرف العام على خطة الاستجابة للأزمة الدكتور عاصم ابي علي، الى انه تم الاتفاق مع وزير الداخلية على ان يصدر تعميماً يطلب بموجبه من البلديات الاستحصال على معلومات اضافية من النازحين السوريين الموجودين في نطاقها البلدي، مثل تحديد عناوين سكنهم في سوريا والمدن التي نزحوا منها، ثم سنجري مطابقة بين هذه البيانات والبيانات الموجودة لدى مفوضية اللاجئين عن النازحين في لبنان، ليصار بعدها الى التواصل مع الدولة السورية وتحديد المناطق الآمنة في سوريا، وعلى اساسها يعمل على عودة جماعية طوعية تستهدف المناطق الآمنة. وفي الموازاة نعمل على اتمام الاوراق الرسمية المطلوبة لتسجيل الولادات السورية في لبنان، لأن 73 في المئة منها غير مسجلة بعد عام 2015. ولتحقيق ذلك، تم إعداد نموذج موحد لتسجيل الولادات بالتعاون مع وزارتي الداخلية والصحة ومفوضية اللاجئين، اذ من دون تسجيل هؤلاء سيعتبرون انهم مكتومو القيد.

أعداد النازحين متفاوتة

تجدر الاشارة الى ان 27 في المئة فقط من النازحين السوريين المسجلين لدى الأمم المتحدة، يستفيدون من المساعدات النقدية للمفوضية وقد تم اعادة النظر فيها ورفع قيمتها من 260 الف ليرة في نيسان (ابريل)2020 الى 400 الف حالياً بعد التضخم الحاصل وانهيار الليرة اللبنانية. علماً ان عدد النازحين المسجلين في المفوضية بلغ 865.331 لاجئاً فيما يقدر العدد الاجمالي للنازحين السوريين بمليون ونصف مليون نازح،علماً ان المفوضية اوقفت التسجيل في العام 2015 بطلب من السلطات اللبنانية.

وكانت مصادر رسمية لبنانية تحدثت عن الاضرار التي تلحق بلبنان بفعل الحضور الكثيف للنازحين السوريين خصوصاً في ظل ترهل البنية التحتية التي لم تعد تواكب التطور العمراني ولا الزيادة السكانية والتي تترجم ازمات في الكهرباء والمياه والصرف الصحي وقد ازدادت الحاجات في لبنان بشكل ضخم انطلاقاً من تبعات الحرب السورية وأزمة اللجوء الى تفاقم الازمات المتعددة من التدهور الاقتصادي الى جائحة "كورونا". وتورد التقارير المتعلقة بأزمة الكهرباء في لبنان ومشكلة التقنين، ان استهلاك اللاجئين السوريين غير المنظم للكهرباء، عبر المخيمات والتجمعات، يصل الى 4 ساعات تغذية يومياً، فيما يصل هذا الاستهلاك الى مستويات أعلى بكثير في المناطق الحدودية حيث اكبر مخيمات اللاجئين. وقد تقدم محافظ بعلبك - الهرمل بشير خضر بإخبار لدى المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم في الفترة الماضية، على عدد من اصحاب العقارات المؤجرة كمخيمات للاجئين السوريين، الذين يعتدون على شبكة الكهرباء، مؤكداً ان التقديرات تشير الى ان 50 في المئة من كهرباء بعلبك  - الهرمل مسروقة لمصلحة هذه المخيمات، مما يسبب هدراً للمال العام، وزيادة في التقنين. والى الكهرباء، فإن طرق لبنان والمجاري الصحية والمؤسسات تهالكت، فالخدمات، او معظمها، قاصرة، كماً ونوعاً، عن تلبية حاجات المواطنين اللبنانيين اصلاً، اي قبل النزاع في سوريا، وهذه الخدمات، باستثناء الاتصالات، لطالما كانت مدعومة من خزينة الدولة، علماً ان زيادة الطلب على الخدمات العامة من قبل اللاجئين ادت الى نتيجتين: زيادة في الإنفاق العام على هذه الخدمات، وزيادة كلفة توفير النقص الحاصل في هذه الخدمات من المواطنين (مولدات خاصة، شراء المياه من الصهاريج..) كما ادى فشل الدولة في تنظيم الوجود السوري في لبنان، الى تبعات كارثية بالنسبة الى التلوث، وما حصل على ضفاف نهر الليطاني مع المخيمات العشوائية خير دليل على ذلك، مع التذكير بعدم وجود بنى تحتية اصلاً في بعض المناطق اللبنانية.

اما ما شهده لبنان في الاشهر الاخيرة من اشكالات في المحال التجارية بين مواطنين لبنانيين ولاجئين سوريين حول السلع المدعومة، فيعيد طرح التساؤل حول التكاليف وحول أحقية اللاجئين وغير اللبنانيين على الاراضي اللبنانية في الاستفادة من البضائع المدعومة بتمويل من ودائع المواطنين، وهذا ينطبق ايضاً على المحروقات والكهرباء والدواء والقمح وغيرها. ففاتورة الدعم التي يتحملها لبنان سنوياً وتصل الى ما يقارب 5.2 مليارات دولار، كل التقارير والمعلومات تؤكد ان نصفها تقريباً ذهب لغير اللبنانيين، في لبنان او خارج الحدود المفتوحة على التهريب.

امام هذا الواقع المرير، والكلفة الباهظة المباشرة وغير المباشرة للنزوح السوري بالنسبة الى لبنان، كان لا بد من تحذيرات متتالية من تصاعد حدة التوتر بين النازحين والمجتمعات المضيفة، بسبب التنافس على فرص العمل، والحصول على الخدمات العامة، فيما فشلت السلطات اللبنانية في الانتقال من الاستجابة الانسانية لهذا الملف الى مقاربة تنموية مستدامة، وصولاً الى عودة هؤلاء النازحين، خصوصاً ان حكومة تصريف الأعمال هي على تواصل مستمر مع السلطات السورية.