تفاصيل الخبر

لهذه الأسباب دعا البابا فرنسيس الى لقاء البطاركة المسيحيين من أجل لبنان

10/06/2021
البابا "فرنسيس".

البابا "فرنسيس".


منذ أن وجه البابا "فرنسيس" الدعوة الى لقاء مسيحي جامع في الفاتيكان في الأول من تموز (يوليو) المقبل للصلاة من أجل لبنان، انشغلت الأوساط السياسية اللبنانية في تفسير خلفيات هذه الدعوة في الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان،  علماً انها ليست المرة الاولى التي يدعو فيها الأب الأقدس الى مثل هذا الاجتماع، اذ سبقه البابا الراحل القديس "يوحنا بولس الثاني" عندما دعا الى لقاء مع بطاركة الشرق في العام 1991، خصصه للبحث في السبل الآيلة الى انهاء الحرب في لبنان، الذي قال عنه في الارشاد الرسولي انه وطن الدور والرسالة. صحيح ان الدعوة البابوية الجديدة هي للصلاة معاً من اجل نعمة السلام والاستقرار الا ان الصحيح ايضاً ان البحث لن يقتصر فقط على الصلاة عندما يلتقي القادة الروحيين المسيحيين في مناسبة كهذه، خصوصاً ان الكرسي الرسولي يتابع عن كثب التطورات التي تجري في لبنان على مختلف الصعد والتي تفاقمت بعد الانفجار الذي وقع في 4 آب (اغسطس) الماضي في مرفأ بيروت. ولعل المحصلة الاولى للاجتماع هي ان الزيارة البابوية المرتقبة للبنان والتي قال البابا "فرنسيس" إنه سيقوم بها بعد تشكيل الحكومة، باتت عملياً مؤجلة الى مطلع العام 2022 ولن تتم في السنة الجارية.

لقد ظن اعضاء الطاقم السياسي المسيحي في لبنان ان الدعوة موجهة اليهم وبدأوا تحضير ما يمكن ان يطرحونه امام البابا من افكار وتوجهات، لكن سرعان ما اتضح ان الدعوة موجهة للقادة الروحيين وليس للسياسيين لأن ثمة قناعة لدى الكرسي الرسولي ان السياسيين اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين منهم، في وضع غير سليم وان حجم التناقضات في ما بينهم كبير لأن طموحاتهم لا تأتلف مع الواقع اللبناني كما يراه الفاتيكان والذي زاد الخلل فيه خلال الاعوام الماضية، وهو تجلى سلباً خلال الاعوام الماضية، فضلاً عن ان البابا "فرنسيس"، لا يعقد عادة لقاءات من هذا النوع تحمل طابعاً سياسياً الا في ما ندر، وقد حصل ان جمع زعماء من السودان لظروف مختلفة كلياً عما هو قائم حالياً في لبنان اذ طلب حينذاك الانجيليون من البابا استقبال قادة السودان للبحث في سبل انهاء الحرب في السودان. اما بالنسبة الى لبنان، فالمشهد يختلف، اذ هناك بطاركة الشرق من جهة، وثم عقد سينودوس من اجل لبنان من جهة ثانية، فضلاً عن وجود سفارة بابوية في لبنان تتابع عن كثب التطورات ويتولى ادارتها عادة نخبة من السفراء البابويين من ذوي الحنكة والمراس الطويل في التعامل مع الازمات. لذلك يبدو اللقاء مناسبة للاستماع الى ممثلي الطوائف المسيحية ومحاولة فهم السبل الواجب اتباعها لتحصين الوضع لاسيما وان الفاتيكان لا يملك عصا سحرية لحل ازمة لبنان ولا بد للبنانيين ان يتعاملوا في ما بينهم لايجاد الحلول المناسبة وسيلقون من دون شك دعم المجتمع الدولي من جهة والكرسي من جهة ثانية، لئلا يستمر اللبنانيون ان يكونوا "عبئاً" على انفسهم وعلى العالم الذي يشهد طلائع تسويات يفترض الا تكون على حساب لبنان، وهذا ما يهم الفاتيكان كثيراً.


كاثوليكوس الأرمن هو المبادر

والواقع ان الدوائر البابوية تلقت بكثير من الاستغراب بعض ردود الفعل التي صدرت عن دعوة البابا فرنسيس لرؤساء الكنائس المسيحية والتي وصفتها بــ "المتسرعة" وتحمل الكثير من التأويلات والمغالطات البعيدة عن الواقع. وحرصت دوائر الكرسي الرسولي، وفق المعلومات المتوافرة، على ان الدعوة المحصورة بالقيادات الروحية من دون مشاركة اي شخصية سياسية، جاءت بمبادرة من كاثوليكوس الارمن الارثوذكس ارام الاول الذي تولى التواصل مع الفاتيكان لتوجيه الدعوة والتفكير بها ورد بعد ايام قليلة من انفجار المرفأ. لكن الاتصالات استمرت بعيدة عن الاضواء قبل اتخاذ القرار النهائي في شأن اللقاء وكيفية ترجمته، والمشاورات متواصلة خلال الاسابيع الفاصلة عن الاول من تموز (يوليو) المقبل  لوضع البرنامج النهائي الذي يرتكز على ثلاثة محاور: تأمل، صلاة، تشاور، وتتخلله كلمات للبابا ورؤساء الكنائس، وصلاة مشتركة، وتبادل وجهات النظر حول هموم المسيحيين وشجونهم على مختلف الصعد. وثمة تأكيد من الدوائر الفاتيكانية بأن الوعود غير مرتبطة بأي شكل من الاشكال بأي اجندة سياسية داخلية او خارجية، كما انها لا تندرج في اي سياق او مسعى لطرح مواضيع الدعوة الى تبني الحياد او عقد مؤتمر دولي او غيره من الطروحات السياسية التي ليس لها مكان في جدول اعمال اللقاء المسيحي.

وتكشف المصادر المتابعة للدعوة، ان من ابرز موجباتها القلق المتزايد على المصير والخوف على مستقبل السلام والاستقرار في لبنان، وتسارع الى التشديد على عدد من النقاط منها ان نقطة الانطلاق في فكرة عقد هذا اللقاء الموسع والجامع هي الواقع الوجودي المسيحي في لبنان الا ان الهم الاساسي هو مصير لبنان بأكمله والمستقبل المشترك بين جميع ابنائه وطوائفه ومذاهبه وفئاته. وبالتالي فإن عدم دعوة القيادات الدينية المسلمة لا يعني بأي شكل من الاشكال رغبة في التقوقع والانعزال ودعوة الى الاصطفاف والمواجهة، على العكس، المسيحيون بكل طوائفهم وفي مقدمهم الفاتيكان متمسكون بالانفتاح والحوار والعيش المشترك. وهذا الحرص البابوي بدا واضحاً وجلياً من خلال زيارتي البابا "فرنسيس" الى كل من الإمارات والعراق ولقائه بكل من المرجعية السنية الشيخ الازهر الدكتور احمد الطيب والمرجعية الشيعية آية الله السيد علي السيستاني. والفاتيكان معني بقضية الوجود المسيحي في منطقة الشرق الاوسط الا ان التزامه بالوجود المسيحي في لبنان يرتدي اهمية خاصة نظراً لأن وطن الرسالة يحمل نموذجاً فريداً في العيش معاً في اطار مجتمع حر ومتعدد وينبغي المحافظة على هذا النسيج الاجتماعي وتأمين مستلزمات بقائه. وهناك تأكيد فاتيكاني على ان الدعوة البابوية غير مرتبطة بأي اجندة سياسية داخلية او خارجية، وترى هذه المصادر ان ابرز اهداف اللقاء الكنسي المسيحي الجامع تكمن في اظهار مدى الاهتمام الجدي والفعلي بخطورة التحولات التي تهدد المجتمع اللبناني وتسليط الضوء على عمق الازمات المتعددة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي يواجهها الشعب اللبناني وتهدد مستقبل الشباب في هذا البلد وإحداث صدمة ايجابية داخل المجتمع اللبناني وخصوصاً المسيحي من اجل تعزيز روح الامل والرجاء على حساب شعور الاحباط واليأس، وتحفيز المجتمع الدولي على عدم نسيان الوضع اللبناني وذلك في خضم المشاكل العالمية الكثيرة والمتعددة والاوضاع الصعبة التي تواجهها مختلف الدول من جراء الازمة الصحية العالمية المستشرية منذ اكثر من عام. وتتوقع المصادر البابوية صدور بيان ختامي في نهاية اللقاء يتضمن توصيات تكون ملخصاً للنقاط المشتركة التي يكون قد خلص اليها الرؤساء المجتمعون. وفي هذا الاطار لم تستبعد حصول اتصالات جانبية واجتماعات ثنائية على هامش اللقاء الموسع والتي من شأنها تعزيز التواصل وتدعيم العمل المشترك. وتعول الاوساط القريبة من الفاتيكان على اهمية الاستثمار المعنوي والديبلوماسي في نتائج هذا اللقاء الذي سيشكل اداة ضغط معنوي ويعطي دفعاً ديبلوماسياً في سبيل حث الدول المعنية والقادرة على تقديم كل مساعدة ممكنة للشعب اللبناني من اجل تمكينه من الصمود في ارضه وتجاوز الازمات التي تعصف ببلده. واشارت هذه الاوساط الى ان الديبلوماسية الفاتيكانية ستستند على مفاعيل هذا اللقاء من اجل تزخيم تحركها لتجييش الدعم لدى عواصم القرار بالتنسيق مع باريس وبالتواصل مع واشنطن للمساهمة في العملية الانقاذية التي تبقى مرتبطة بقدرة الفرقاء اللبنانيين على "تغليب العقل والحكمة والمصلحة العليا على حساب الانانيات الفردية والمصالح الشخصية والفئوية الضيقة نظراً لخطورة التهديد الوجودي لوطنهم وحفاظاً على مقومات البقاء والعيش الكريم لشعبهم".


كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس آرام الأول.

كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس آرام الأول.