تفاصيل الخبر

الاستحقاق الحكومي رهن تجاوب الحريري مع مبادرة بري ومساعي الراعي تفادياً للمواجهة.....

03/06/2021
الرئيسان نبيه بري وسعد الحريري خلال لقائهما يوم الاثنين الماضي.

الرئيسان نبيه بري وسعد الحريري خلال لقائهما يوم الاثنين الماضي.

 نام اللبنانيون يوم الأحد الماضي ليستفيقوا في صباح الاثنين على نبأ عودة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الى بيروت بعد غياب امتد عشرة ايام كان خلالها الملف الحكومي في خبر كان مع جمود الاتصالات والمساعي نظراً لغياب الرجل الأساس في تشكيل الحكومة، اي الرئيس المكلف. استفاق اللبنانيون منتعشين مع خبر العودة على اساس ان اصداء جلسة مجلس النواب التي ناقشت رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لا تزال تتردد مقرونة بتأكيد انه ما إن يعود الرئيس الحريري من "الغربة" حتى يطرح الرئيس نبيه بري مبادرته لاطلاق عملية التشكيل من جديد استناداً الى الموقف الذي اتخذه المجلس من جهة، والى ترحيب سائر الاطراف المعنيين بدور لرئيس مجلس النواب من جهة اخرى.... وما كاد ينتصف النهار الا وتسرب خبر عن لقاء مرتقب بين الرئيس بري والحريري في عين التينة يتخلله غداء.... وبالفعل ما إن اشارت عقارب الساعة الى الثانية والنصف بعد الظهر حتى كان الرئيس الحريري يصل الى عين التينة محاطاً بمستشاريه الوزير السابق غطاس خوري وهاني حمود ويلتقي على الفور الرئيس بري في حضور مساعده النائب علي حسن خليل. وبعدما اكتمل الشمل بدأ النقاش حول الملف الحكومي من حيث توقف قبل اسابيع حيث عرض الرئيس بري لتصوره لمسار جديد لعملية تأليف الحكومي، ثم استمع الى شروحات من الرئيس الحريري لم تكن في معظمها، وفق مصادر المجتمعين، ذات توجهات ايجابية اذ بدا الحريري وكأنه يتهيب الموقف، فهو من جهة لا يريد إغضاب الرئيس بري، ومن جهة ثانية فهو غير مهيأ بعد لتشكيل الحكومة لأسباب لا تزال لغزاً وإن كانت تصب في المحصلة بالعلاقة غير السوية بين الحريري والمسؤولين في المملكة العربية السعودية.

امتد اللقاء الى ساعتين حرصت بعده مصادر الرئيس بري الى تسويق معلومات عن "اجواء ايجابية" رافقت النقاش وأسست لتواصل كان لا بد منه مع رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل تولاه لاحقاً معاون بري علي حسن خليل ومعاون الامين العام لحزب الله السيد حسين خليل ومسؤول الارتباط الحاج وفيق صفا وهم حملوا الى باسيل موافقة الحريري على رفع عدد اعضاء حكومته العتيدة الى 24 وزيراً اضافة الى ترسيخ التفاهم حول تركيبة حكومية على اساس ثمانيات ثلاثة، لا ثلث معطلاً فيها... دار النقاش وتوسع ليعود ويستقر عند عقدة تسمية وزيرين مسيحيين، حيث يصر الحريري على ان يتولى هو التسمية فيما يعتبر الرئيس عون ان هذا الامر في غياب حكومة وحدة وطنية، هو من مسؤوليته الدستورية خصوصاً مع غياب مكونين مسيحيين كبيرين، هما "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" لاسيما وان نواب الكتلتين لم يسميا الرئيس الحريري خلال الاستشارات النيابية الملزمة...

اظهر باسيل ايجابية كبيرة خلال اللقاء مع "الخليلين" وقدم طروحات عدة للخروج من مأزق تسمية الوزيرين المسيحيين مؤكداً في هذا السياق، ان الرئيس عون لا يريد اي وزير اضافي عن الوزراء الثمانية، وهو يؤيد اي آلية او وسيلة تؤدي الى تسمية وزراء لا يمتون اليه والى غيره بصلة سياسية، اكانوا من المجتمع المدني او من الادارة اللبنانية او كانوا متخصصين مشهوداً لهم ولمكانتهم وبعدم تعاطيهم السياسي، اي وزراء غير محسوبين على اي جهة، لا على رئيس الجمهورية ولا على احد، واذا كان هناك من يصر على الرفض سندعم تأليف الحكومة ونعمل كي يوافق عليها رئيس الجمهورية وتنال الثقة ولن نشكك بميثاقيتها، وقد اظهرنا مراراً عدم تمسكنا بأي وزارة وتحديداً وزارة الطاقة التي راهن الجميع اننا سنقوم بإشكال عليها لكننا مع توزيع الوزارات بالمناصفة بين فئاتها بما يؤدي الى احترام التوزيع بين الكتل النيابية والطوائف. وذهب باسيل الى التأكيد بأنه لن يترك فرصة الا وسيقدم عليها "لأننا نريد حكومة اليوم وبرئاسة دولة الرئيس المكلف سعد الحريري". 

ولفت باسيل الى انه في حال حصول اي مماطلة، فالخطوة التالية هي الطلب الى رئيس الجمهورية الدعوة الى طاولة حوار تطرح خلالها المعطيات والمواقف كافة ويتحمل الجميع مسؤوليته وتعالج المشكلة مباشرة حتى لو اخذ ذلك اكثر من ثلاثة ايام. اما اذا حصل امتناع عن حضور الحوار الجماعي، فمن الطبيعي - قال باسيل لضيوفه - ان نفكر عندها بمبادرة جديدة والذهاب الى خطوات ضاغطة اكثر وملزمة لعملية التأليف....

تصعيد "مستقبلي"

 بالتزامن، كان الرئيس الحريري يلتقي اعضاء كتلة المستقبل النيابية ويتحدث معهم عن حصيلة اللقاء مع الرئيس بري والخطوات المقبلة من دون ان يتحدث عن اي تقدم يذكر في موضوع تشكيل الحكومة التي وافق على ان تتألف من 24 وزيراً من دون ثلث معطل لأحد. لكن لهجة تصعيدية سادت الاجتماع الذي طرحت فيه خيارات عدة من بينها اعتذار الحريري وربما تقديم نواب الكتلة استقالة جماعية. وفيما اصر الحريري على ان يعين هو الوزيرين المسيحيين وليس رئيس الجمهورية، المح الى ان الاستقالة من مجلس النواب "جاهزة" ولكن لم يقدم عليها "احتراماً" للرئيس بري، لافتاً الى ان المرحلة المقبلة ستكون مخصصة من اجل الدفع باتجاه انتخابات نيابية مبكرة، وهو لن يتشبث بالتكليف من باب التشبث.... هذه المواقف رأت فيها الاوساط المتابعة "نفساً" سلبياً غير مشجع يعاكس "النفس" الايجابي الذي عبر عنه النائب باسيل في لقائه مع "الخليلين" وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده في اليوم التالي، والذي كان سجل له ايضاً في الكلمة التي القاها في مجلس النواب. وفي ترجمة سريعة لـــ "النفس" السلبي صدرت "تغريدة" للامين العام لتيار "المستقبل" احمد الحريري حمل فيها على الرئيس عون "وصهره المدلل" باسيل معتبراً انهما يصران "على ان تكون نار العهد اشد فتكاً من نار جهنم"، والحقت "التغريدة" ببيان صدر عن "المستقبل" اتسم بالعنف وطاول الرئيس عون وباسيل معاً، واعتبرته الاوساط المتابعة "قمة في التصعيد" متخوفة من مفاعليه السلبية على عملية التأليف وعلى مبادرة الرئيس بري التي علقت عليها امال كبار....

دور البطريرك الراعي

وفيما بدا ان مضمون بيان "المستقبل" يشكل ضربة قوية لمساعي الرئيس بري في تقريب وجهات النظر وانجاح مبادرته التي قطعت شوطاً كبيراً نحو الحل الايجابي، رأت المصادر المتابعة ان اسلوب فريق الحريري لم يتغير لا قبل جلسة مجلس النواب ولا بعدها بدليل تسريبه الى الاعلام الصيغتين اللتين ارسلهما الرئيس عون الى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، واعطائهما صفة "التشكيلة" الوزارية، فيما هما منهجية للبحث في التشكيل ولم يرد فيهما اي اسم بل تضمنت كل ورقة عاموداً باسماء الوزارات، وآخر بالطوائف الموزعة على الوزارات، وعامودا ثالثاً بالجهة بالسياسية التي تسمي الوزراء. وكان واضحاً ان الصيغة المرسلة هي آلية او خارطة طريق قابلة للتعديل والتبديل والتغيير. لكن فريق "المستقبل" تمسك بعبارة "التشكيلتين" وبنى عليها مواقف تعكس رفض الحريري لهما، على ان الصيغة المرسلة مستوحاة من التركيبة الحكومية التي كان قدمها الحريري للرئيس عون ولم يقبل بها فوزعها على الاعلام... وسبق تسريب الصيغتين وتلاه سلسلة حملات مركزة من نواب "المستقبل" واعلامييه ضد رئيس الجمهورية والنائب باسيل على نحو غير مسبوق.

وفي هذا السياق، تتساءل المصادر المتابعة هل من الطبيعي ان تقابل المبادرات الايجابية والمساعي الحميدة، بمناخ سياسي كالذي حصل، وكيف يمكن لـــ "سعاة الخير" وفي مقدمهم الرئيس بري، العمل في هكذا اجواء اذا استمر تفشيل كل المحاولات التوفيقية ومن بينها المحاولة التي قام بها البطريرك الراعي يوم الاربعاء الماضي خلال زيارته الى قصر بعبدا والتي سعى من خلالها الى تقريب وجهات النظر بين الرئيسين عون والحريري لاعادة وصل ما انقطع بين الرجلين، بعيداً عن التصعيد الذي لا طائل منه. وفي رأي المصادر ان التناغم الذي قام بين الرئيس بري والبطريرك يحتاج الى تجاوب من الرئيس الحريري في حد ادنى اذا كانت لديه فعلاً رغبة في تشكيل الحكومة، ام انه ينتظر ضوءاً اخضر من الخارج، وحلاً ايجابياً لعلاقته مع السعودية التي تقول المعلومات انها لا تزال في الاطار السلبي. وفي تقدير الاوساط ان الرئيس عون والنائب باسيل قدما اقصى ما يمكن من "تنازلات" وفي ما عدا ذلك لا زيادة لمستزيد، وان الكرة عادت مجدداً الى ملعب الرئيس الحريري الذي عليه هو ان يبادر ويقدم مقاربة ايجابية لمحاكاة عملية التشكيل اذا كان ينوي فعلاً تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية كما ينص على ذلك الدستور، لأن البديل عن عدم التشكيل المزيد من الدخول في النفق مع استمرار تدهور الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمالية والطبية، فضلاً عن امكانية لجوء فريق العهد الى خطوات تضع مسار الحياة السياسية في اتجاهات مغايرة للاتجاهات الراهنة، خصوصاً اذا ما تمت استقالة نواب "تكتل لبنان القوي" ونواب كتلة "الجمهورية القوية" الذين تناغموا مع نواب التيار البرتقالي في مجلس النواب الاخيرة عندما ابلغوا الرئيس بري عدم موافقتهم على الموقف الذي صدر عن الجلسة، اضافة الى ملاحظاتهم حول ادارة جلسة نيابية لتلاوة رسالة رئيس الجمهورية ومناقشتها. ذلك انه في حال استقال اعضاء الكتلتين، ستكون الميثاقية المجلسية على المحك، كما سيكون عليه الحال في ما لو استقال نواب "المستقبل".

غيوم من الصعب ان تنقشع سريعاً، ما يبقي الملف الحكومي مفتوحاً على احتمالات عدة، الا اذا نجح البطريرك ومعه الرئيس بري في جعل الرئيس الحريري يعيد النظر في مواقفه ويتواصل من جديد مع الرئيس عون سعياً وراء حلول ترتكز على الدستور، بنصه وروحه!.



الرئيس ميشال عون يستقبل البطريرك بشارة الراعي يوم الاربعاء الماضي.

الرئيس ميشال عون يستقبل البطريرك بشارة الراعي يوم الاربعاء الماضي.