تفاصيل الخبر

ضبط التهريب من المعابر البرية والبحرية بين اقتراحات الوزير..... والواقع الصادم!

03/06/2021
اجتماع المجلس الأعلى للدفاع برئاسة الرئيس ميشال عون.

اجتماع المجلس الأعلى للدفاع برئاسة الرئيس ميشال عون.


 اذا كان الوضع السياسي الراهن في البلاد أسير تجاذبات سياسية حادة لا يزال من الصعب معالجتها مع استمرار الجمود على صعيد تحريك الملف الحكومي على رغم موقف مجلس النواب الاخير الذي دعا رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الى معاودة درس تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، فإن الملف الامني تبقى له الاولوية في وقت تشخص أنظار الدول الى الاجراءات التي يفترض بلبنان ان يتخذها لضبط عمليات التهريب من المعابر البرية والبحرية والجوية خصوصاً بعد إحباط تهريب أطنان من الكبتاغون المخبأ بفاكهة الرمان في مرفأ جده ما سبب بإجراءات سعودية قضت بوقف استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية على انواعها من خضار وفاكهة، وسط خوف من ان تحذو دول خليجية اخرى حذو السعودية مع ما يعني ذلك من ضربة قاسية توجه الى الاقتصاد اللبناني ولاسيما حركة التصدير الى دول مجلس التعاون الخليجي... والواقع ان حادثة الرمان المهرب حركت المسؤولين اللبنانيين لاتخاذ اجراءات سريعة لضبط التهريب اصطدمت بعدم وجود اجهزة "سكانر" على الحدود البرية والبحرية، مع دفع بالمعنيين الى اعتماد التفتيش اليدوي الذي يأخذ وقتاً مع امكانية تعريض البضائع للتلف.... صحيح ان الاجراءات الجديدة مكنت ولو جزئياً من ضبط التهريب على الحدود، لاسيما تهريب البنزين والمازوت والغاز والقمح والطحين، كما احبطت عملية تهريب اطنان من حشيشة الكيف الى ميناء الاسكندرية، لكن الصحيح ايضا ان مثل هذه الاجراءات البدائية لا يمكن ان يفي بالغرض، خصوصاً ان ضبط الحدود بات العنوان الاساسي بالنسبة الى المجتمع الدولي الذي يراقب عن كثب ما يجري في ظل حالة الفلتان السائدة على الحدود والتي اقر وزير الداخلية والبلديات العميد محمد فهمي بتناميها يوماً بعد يوم ما دفعه الى القيام بجولات ميدانية على المعابر الحدودية البرية على الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا، بعدما تبين ان شحنة الرمان الملغوم دخلت من الاراضي السورية وأعيد توضيبها في البقاع ونقلت في شاحنات مبردة في اتجاه مرفأ بيروت ومنه الى مرفأ جده حيث احبطت عملية التهريب وكان ما كان من مضاعفات.

الى ماذا خلص الوزير فهمي من جولاته؟

يقر وزير الداخلية في التقرير الذي رفعه الى المجلس الاعلى للدفاع ان الوضع على طول الحدود اللبنانية السورية البالغة 375 كيلومترا غير سليم في ظل وجود معابر ونقاط عبور غير شرعية على رغم وجود افواج الحدود البرية في الجيش ومعها مجموعات من قوى الامن الداخلي والامن العام في مهمة حماية ومراقبة واقفال نقاط  العبور غير الشرعية عليها، مع انشاء الجيش ابراج مراقبة بلغ عددها 30 برجاً تحتاج  الى تركيب كاميرات مراقبة وعتاد تأليل واشارة. اما نقاط العبور غير الشرعية فهي عبارة عن فتحات في السواتر الترابية يجتازها الاشخاص سيراً او على الدراجات النارية او الدواب... وقد تمكنت القوى الامنية من ضبط حركة التهريب بنسبة ملحوظة اذ انخفض عدد صهاريج المحروقات التي كانت تستعمل في التهريب من 2500 صهريج الى 112 صهريجاً اي بنسبة 98 في المئة، لكن هذه النسبة كانت تتراجع حيناً، لترتفع احياناً، لكن المشكلة الاساسية تبقى في غياب اجهزة السكانر على المعابر البرية، وهي غير موجودة اساساً في معابر العبودية والعريضة وجسر قمار/قبيعة في منطقة الشمال، وكذلك في معبر جوسية - القاع في المعابر الشرقية ومعطلة عند نقطة المصنع الحدودية. اما في المعابر البحرية فلا وجود لاجهزة "سكانر" في مرفأ صيدا وصور، فيما توجد في مرفأ بيروت آلة قديمة العهد تحتاج الى صيانة واخرى معطلة من جراء انفجار المرفأ. وفي مرفأ طرابلس الذي يشهد حركة ازدحام قوية فالآلة الوحيدة قديمة (صنع 2006) ولا صيانة لها!.


من أسباب الفلتان

ويتحدث تقرير الوزير فهمي عن وجه آخر من اسباب الفلتان وعدم ضبط المعابر، يتناول التضارب في الصلاحيات بين المجلس الاعلى للجمارك والمدير العام للجمارك، مما يشل حركة العمل في ادارة الجمارك، فضلاً عن صعوبة اعتماد مبدأ المحاسبة والعقوبات باعتبار ان عمل مصلحة المراقبة التابعة للمجلس الاعلى للجمارك شبه مشلول، ولكون قرارات المجلس تؤخذ بالاجماع، وهذا الاجماع مفقود باغلب الاحيان. اضافة الى نقص في العديد لدى المديرية العامة للجمارك والحاجة الى تدريب عناصرها لتطوير قدراتهم، مع نقص حاد في العتاد الحديث نتيجة عدم التمكن من تحقيقه. كذلك برز من خلال التدقيق وجود ثغرات في الدورة المستندية لشهادة المنشأ المعتمدة لتصدير الانتاج الزراعي والصناعي والمعاد تصنيعه، حيث تصدر شهادة المنشأ عن غرف التجارة والصناعة والزراعة في بيروت والمناطق، بحسب آلية عمل للمؤسسات التجارية والصناعية والزراعية تقوم على ان الشركات والمؤسسات التجارية التي تستحصل على ترخيص واذن مباشرة عمل من السجل التجاري الممسوك لدى وزارة العدل، والمؤسسات الصناعية تستحصل على ترخيص وشهادة صناعية من وزارة الصناعة، والمؤسسات الزراعية تستحصل على ترخيص من وزارة الزراعة. ولا تقوم المديرية العامة للجمارك بالتدقيق او التأكد من دقة وصحة شهادة المنشأ الصادرة عن غرف التجارة والصناعة والزراعة، كونها لا تدخل ضمن مستندات ملف التصدير.

وفيما لاحظ الوزير فهمي وجود شهادات منشأ غالبيتها مزورة، لفت الى عدم وجود رابط الكتروني يتيح للوزارات المعنية والجمارك الوصول الى قاعدة بياناتها للتأكد من دقة المعلومات التي يتضمنها ملف التصدير والمستندات القانونية التي تسمح للشركة المصدرة اثبات دقتها وصحتها حيث يتم الاكتفاء بالمستندات التي يتم تداولها يدوياً بين الادارات المعنية وهذا ما يجعل عامل التزوير امراً محتملاً بنسبة عالية. كذلك لاحظ وجود فروقات كبيرة في حجم التصدير بين ما يتم الاعلان عنه في لبنان واللوائح الدورية، التي تصدرها الدول كافة والتي تحدد فيها حجم استيرادها من الخارج والتي يمكن الوصول اليها عبر الانترنت، وهذا - في رأي الوزير فهمي - دليل واضح على قيام الشركات المصدرة من التهرب عن الافصاح عن الكميات والاوزان الحقيقية التي يتم تصديرها... 

حيال هذا الواقع، اقترح وزير الداخلية ، ووافق المجلس الاعلى للدفاع، على اعتماد خطة عمل موزعة على ثلاثة اقسام، الاول يتناول اجراءات فورية تطبق خلال ثلاثة اشهر كحد اقصى والثاني اجراءات على مدى متوسط، وثالث اجراء على المدى البعيد (سنة في حد اقصى).

اقتراحات تحتاج الى تطبيق

في الاجراءات الفورية طالب التقرير وزير المالية بمتابعة تنفيذ النظام الالزامي لمعاينة ومراقبة الحاويات والبضائع والمركبات في المرافق الحدودية اللبنانية، لاسيما اطلاق مناقصة لانشاء هذا النظام تحت الاوضاع الجمركية كافة، بعد ان تم اعداد دفاتر الشروط اللازمة. كما طلب الى وزراء المالية والاقتصاد والصناعة والزراعة مراجعة الاليات والاجراءات المتبعة في عملية التجارة الخارجية، واقتراح التعديلات اللازمة على النصوص القانونية المعمول بها حالياً لضمانة حسن وسلامة الصادرات اللبنانية، بالتنسيق مع اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة. وشدد على التعاون والتنسيق ما بين القطاع العام والادارات الرسمية المعنية من جهة، والقطاع الخاص من جهة ثانية، خاصة وان غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان وبشخص رئيسها الوزير السابق محمد شقير، ابدت الاستعداد للتعاون والتنسيق من اجل معالجة الثغرات ونقاط الضعف الموجودة في الدورة المستندية لمستندات ملف التصدير. كما طلب الى المديرية العامة للجمارك التنسيق مع من يلزم لتأمين اماكن تجميع البضائع المنوي تصديرها وتفتيشها قبل توضيبها، واعادة تفعيل عمل شركات التدقيق العالمية لمراقبة تصدير المنتجات الزراعية والصناعة من لبنان الى الدول العربية والصديقة، ويعهد اليها مسؤولية التأكد من مطابقة السلع المصدرة للمواصفات المطلوبة في الدولة المستوردة، بالاضافة الى التحقق من اي مواد مشبوهة، على ان يرفق تقريرها مع مستندات الشحنة. كذلك تكثيف الجهد الاستعلامي من قبل كل الاجهزة الامنية بهدف مكافحة التهريب بمختلف انواعه، بالاضافة الى زيادة مستوى التنسيق فيما بينها. (انشاء ملف للمصدرين مبني على حجم الصادرات ونوعها ومدى التزامها بالقوانين). واعتماد الحزم والجدية والصرامة والتشدد واظهار المسؤولية اللازمة من قبل عناصر الجمارك خلال اجراءات التفتيش، بمراقبة من وزارة المالية، وتكثيف عمليات تفتيش كل الشحنات المصدرة بمختلف انواعها بواسطة السكانر و/او يدوياً تحت طائلة المسؤولية في حال التقصير، من دون التذرع بأي تبريرات بهذا الخصوص، مع الاخذ بعين الاعتبار البضائع القابلة للتلف لاسيما الزراعية منها والتي يجب اخضاعها لكشف مكثف.

اما الاجراءات على المدى المتوسط (خلال اشهر حداً اقصى) فتقضي بتكليف من يلزم لتسريع خطوات اطلاق مناقصة عمومية لتحقيق العتاد المطلوب في كل الموانىء والمعابر، من دون اغفال مبدأ الشراكة مع القطاع الخاص، PPP (PUBLIC PRIVATE PARTNERSHIP)، وتركيب كاميرات مراقبة على كل مراكز الجمارك، وخاصة المساحات المخصصة للتفتيش وربطها بمراكز القيادة والسيطرة  CCC  (Command & Control Center) ، الطلب من غرف التجارة والصناعة والزراعة وبصورة فورية، انشاء موقع الكتروني ليصار الى ادراج شهادات المنشأ التي تصدر عنها يومياً، لتمكين المديرية العامة للجمارك من التأكد من قانونيتها، المباشرة باجراء ربط الكتروني بين وزارات المال والزراعة والصناعة والاقتصاد والتجارة، بالاضافة الى السجل التجاري وغرف التجارة والصناعة والزراعة مع المديرية العامة للجمارك ومفارزها في المرافىء والمعابر الحدودية التابعة لها، بهدف التأكد من قانونية الشركات المصدرة والمستندات المرفقة بملف التصدير، وبحث امكانية تداول المستندات الخاصة بالتصدير الكترونيا.

 وفي الاجراءات على المدى البعيد، (خلال سنة حداً اقصى) تكليف من يلزم اعادة النظر بدراسة القوانين الحالية، بشكل يراعى فيها الفصل بين السلطات في المديرية العامة للجمارك، على ان تتضمن الهيكلية الجديدة استقلالية جهاز الرقابة واتباعه مباشرة لوزير الوصاية، بالاضافة الى فصل السلك المدني عن السلك العسكري وتحديد ارتباط ومهام كل سلك على حدة وتحديد العلاقة بينهما، والعمل على ايجاد رابط الكتروني بين المديرية العامة للجمارك وادارات الجمارك في الدول العربية والاجنبية التي يرتبط لبنان معها باتفاقيات لتمكينها من الاطلاع مسبقاً على المستندات ومن اجل المساعدة في تسريع معاملات التخليص الجمركي عند الوصول. واللافت ان ادارة الجمارك الاردنية طلبت أن تعفى من هذا الاجراء منذ زمن، ولتاريخه لم يتجاوب لبنان مع هذا الطلب، وهناك اتفاقية معدة في جامعة الدول العربية لم يوقع عليها لبنان لغاية تاريخه، حالياً يتم انشاء نظام الكتروني لتبادل المعلومات بين الدول العربية تتولاه لجنة الاجراءات الجمركية في جامعة الدول العربية.

ويقترح الوزير دراسة إنشاء جهاز امن المرافق والمعابر الحدودية البرية والبحرية، مهمته وضع تعليمات تصرف دائمة يحدد ارتباطه من قبل مجلس الوزراء، بالاضافة الى دراسة انشاء جهاز امن خاص لكل معبر حدودي مماثل لجهاز امن المطار، وانشاء غرفة مراقبة موحدة تتولى عملية مراقبة آلية التصدير وتبادل المعلومات.

بعض من اطلع على تقرير الوزير فهمي اعتبر ان فيه الكثير من النظريات غير القابلة للتطبيق في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها لبنان، فيما رأى البعض الآخر ضرورة اعتماد الاجراءات المقترحة ولو جزئياً. لكن هل تقضي كل هذه التدابير على التهريب اذا لم تكن الاجهزة المولجة بتطبيقها أمينة في عملها ومسؤولة عن تصرفاتها؟.... تلك هي المسألة!.