تفاصيل الخبر

عدم التمويل يهدد المحكمة الدولية بالتوقف اذا لم يتوافر البديل المالي للمساهمة اللبنانية

03/06/2021
مقر المحكمة الدولية في لاهاي.

مقر المحكمة الدولية في لاهاي.



 مرة أخرى تعود الى الواجهة أخبار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تتولى النظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط (فبراير) 2005، لكن هذه المرة ليس من باب المحاكمات والاعتراضات وإفادات الشهود الخ... بل من باب تحديد مصير هذه المحكمة لاسباب مادية بعدما بات من المتعذر على لبنان تسديد حصته البالغة 49 في المئة من موازنة المحكمة نظراً للظروف المالية الصعبة التي يمر بها لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه. لم يتأخر لبنان خلال الاعوام الماضية عن سداد حصته في موازنة المحكمة، وكانت المساهمة اللبنانية تتأمن اما من موازنة الدولة او من القطاع الخاص، او من اموال الهيئة العليا للاغاثة كما حصل ذات مرة. لكن الواقع الراهن جعل لبنان عاجزاً عن تسديد حصته، الامر الذي القى ظلالاً من الشكوك حول قدرة المحكمة على الاستمرار في عملها، الذي لم ينته بعد، وفتح الباب امام احتمالات عدة وصولاً الى حد التخوف من ان تتوقف المحكمة عن اداء مهمتها. صحيح ان القيمين على المحكمة اتخذوا اجراءات لـــ "ترشيد الانفاق" الا ان الصحيح ايضاً ان مصاريف المحكمة لا يستهان بها على القضاة والموظفين الاداريين والامنيين وغيرهم. وتعمل الامم المتحدة على جمع المال لدفع حصة لبنان ومنع توقف المحكمة عن العمل، لكن خيار الاقفال لا يزال مطروحاً بعد ارتفاع حدة الضائقة المالية التي تواجهها والعجز في تأمين الاموال اللازمة لضمان استمرار عملها. 

وبالعودة الى اسباب الازمة التي تضرب المحكمة الدولية من اجل لبنان، يتضح وجود عوامل عدة ابرزها الازمة المالية التي تضرب لبنان منذ العام 2019 والتراجع الناتج عن ازمة "كورونا" يضاف اليها اخيراً تلكؤ الدول المانحة عن تقديم الاموال اللازمة. وعملت المحكمة اخيراً على تخفيض موازنتها بنسبة 37 في المائة عبر الغاء وظائف، وترشيد الانفاق، لكن هذا لم يساعد، بعد ان تأخرت المساهمات المفترضة من الدول المانحة، ما جعل الامم المتحدة تؤمن قرضاً بقيمة 15 مليون دولار يتم تسديدها بعد وصول الاموال التي وافقت عليها الدول المانحة مسبقاً، غير ان المبلغ يبقى غير كاف ما يحتم تأمين الاموال، او اتخاذ "قرارات صعبة" قد يكون احدها الاقفال، وفق ما تؤكد مصادر متابعة للملف . ولا يخفي العاملون في المحكمة بأنها في "وضع مقلق" مالياً، لكنهم يرفضون الخوض في البدائل المطروحة، علماً ان المحكمة قامت بتدابير واجراءات لمواجهة الازمة المالية، لكنها تبقى غير كافية.

تمويل جزئي من الأمم المتحدة

لقد باتت المحكمة حالياً في المرحلة النهائية من ملف اغتيال الحريري، اي في مرحلة الاستئناف، كما انها على ابواب انطلاق المحاكمات في القضايا المرتبطة بقضية الحريري، وهي اغتيال الامين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي ومحاولتا اغتيال وزير السابق الياس المر والنائب المستقيل مروان حمادة، لكن هاتين الخطوتين غير مضمونتين لانهما ترتبطان بتأمين التمويل، ويجد القيمون على المحكمة انفسهم امام سيناريوهات متعددة في حال تخلف لبنان - وهذا الارجح - عن الالتزام بواجباته المالية تجاه المحكمة من خلال عدم تسديد حصته، وهي 49 في المئة من موازنة المحكمة، ولا يتردد هؤلاء في وصف الوضع المالي راهناً بأنه "صعب جداً ومقلق للغاية"، ذلك ان تمويل المحكمة الذي يتم من خلال 51 في المئة من مساهمات الدول المانحة، و49 في المئة تغطيها الدولة اللبنانية لان لبنان البلد المعني بعمل المحكمة، يواجه مخاطر عدة خصوصاً ان موازنة العام 2021 تقدر بأكثر بقليل من 34 مليون يورو. لقد وجه الامين العام للامم المتحدة "انطونيو غوتييريس" نداء الى الدول للاستمرار في مساهمتها المالية للمحكمة الدولية لاستكمال عملها، ما امن قرضاً بقيمة 15 مليون دولار، لكن هذا المبلغ اقل من المطلوب في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العالم. علماً ان المحكمة التي لم تتلق مساهمات كافية لتغطية مصاريف الموازنة العام 2021، تواجه منذ اكثر من سنة تحديات مالية كبيرة على الصعيد الدولي في ظل جائحة "كورونا" والوضع المقلق في لبنان. وكل هذه الامور اثرت على الوضع المالي للمحكمة على رغم الجهود التي يبذلها المسؤولون فيها لتأمين الاموال لتغطية مصاريف السنة الحالية.

 عمل المحكمة سيستمر حتى نفاذ المال!

ويبقى السؤال اذا كانت المحكمة ستواصل محاكمة القيادي في حزب الله سليم عياش في الموعد المحدد في 16 حزيران (يونيو) الجاري بعد ادانته باغتيال الحريري  وأشخاصاً آخرين وعمليات اغتيال اخرى بين 2004 و 2005. والاجابة عنه مرتبطة، وفق مسؤولين في المحكمة، بمنظار تحقيق العدالة، حيث ان في لبنان وفي دول عدة تتبع القانون المدني تكون كل المحاكمات الغيابية كاحتمال اخير في هذا الشأن، وان اصدار المحكمة الخاصة بلبنان حكماً وعقوبة في حق سليم عياش المدان في القضية الاكثر تعقيداً تنظر فيها اي محكمة على الصعيد الدولي هو بحد ذاته انجاز على مستويات عدة، لأن الحكم اكد ان الجريمة التي نظرت فيها المحكمة كانت عملاً ارهابياً، وارتكب في زمن السلم بقصد تهديد الامن والاستقرار في لبنان من خلال اغتيال الحريري، وبالتالي ان قضاة المحكمة ثبتوا وقائع مهمة بالنسبة الى اعتداء 14 شباط (فبراير) 2005 (اغتيال الحريري) ورأوا انه خطط له ونفذ بدقة وهدفه زعزعة الاستقرار. اضافة الى ذلك فإن العقوبة التي حددت في قضية عياش واخرين اتاحت اموراً عدة، هي الاعراب عن موقف استنكار وعدم التسامح للجرائم التي ارتكبها عياش والاقرار بما لحق بالمتضررين والضحايا من اذى ومعاناة اضافة الى ان العقوبة بحد ذاتها هي اجراءات قضائية لتحقيق العدالة وتوجيه رسالة ردع واضحة لكل من يفكر بارتكاب جرائم مماثلة في المستقبل.

وفي انتظار بلورة مسألة التمويل المالي للحد من الازمة التي تضرب المحكمة الدولية، فإن امام المحكمة حالياً قضية عياش وآخرين التي تتعلق باعتداء 14 شباط (فبراير) والتي هي راهناً في مرحلة الاستئناف، والقضية الثانية تتعلق بجريمة اغتيال جورج حاوي ومحاول اغتيال الرئيس المر ومروان حمادة وهي تقريباً في مرحلة الانتهاء من المرحلة التمهيدية التي هي قبل المحاكمة، وكان قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرنس حدد موعداً مبدئياً لبدء المحاكمات فيها في 16 تموز (يونيو) 2021. من هنا فإن السعي سيتكثف لتأمين مبلغ 35 مليون دولار هي حصة لبنان في موازنة المحكمة، وقد امكن تأمين 15 مليوناً منها حتى الان من خلال الامم المتحدة، فهل يتأمن المبلغ الباقي؟

في الاسبوع الماضي كانت لافتة تغريدة بهاء الحريري، شقيق الرئيس سعد الحريري، الذي دخل الحياة السياسية اللبنانية ولو من بعيد، حتى الان على الاقل، بأنه قلق على مصير المحكمة، لكنه دعا في المقابل الى توفير الدعم اللازم لها. وفسرت مصادر متابعة كلام الحريري بأنه مقدمة لدعم مالي قد يقوم به لتمكين استمرار المحكمة التي تنظر في جريمة اغتيال والده، من دون ان يعني ذلك دفع المبلغ المتبقي بكامله، بل امكانية دفع جزء منه ما يساعد في تمويل المحكمة ولو جزئيا على ان يعمل القيمون على المحكمة على خفض الانفاق غير المجدي والاكتفاء بما هو مفيد وضروري لعمل المحكمة.