تفاصيل الخبر

لا بطاقة تمويلية.... قبل تأمين التمويل لها وسط رفض نيابي للمساس بالاحتياط الإلزامي!

03/06/2021
اجتماع السرايا لدرس موضوع البطاقة التمويلية ورفع الدعم.

اجتماع السرايا لدرس موضوع البطاقة التمويلية ورفع الدعم.


"لا تقول فول حتى يصير بالمكيول".... هذا المثل الشعبي الرائج في لبنان لا ينطبق على المشاكل السياسية فحسب، بل بات ايضاً مرادفاً للاجراءات المالية والاقتصادية التي تتخذها الدولة لمواجهة الانهيار الاقتصادي الذي يواجه لبنان وسوف يدفعه الى حالة تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. ومن ابرز هذه الاجراءات مسألة البطاقة التمويلية التي احالت الحكومة مشروع قانون معجل الى مجلس الوزراء لدرسه واقراره بعدما نال التواقيع المطلوبة لذلك.... وهذا يعني بلغة بسيطة ان الكرة باتت في ملعب مجلس النواب، وهي "كرة نار" تقاذفها المسؤولون الى ان استقرت في ساحة النجمة بحثاً عن آلية تمويل هذه البطاقة، علماً ان العيون شاخصة الى الاحتياط الالزامي العائد للمصارف والمودع امانة لدى مصرف لبنان والذي رفض المجلس المركزي للمصرف المساس به، اضافة الى تحرك للمودعين في المصارف بالتقدم بطلبات حجز احتياطي على الاحتياط الالزامي امام دوائر التنفيذ المختصة، وذلك استباقاً لما يمكن ان تقوم به السلطة من سطو على اموال الناس!.

 لكن الواقع الذي لا يمكن تجاهله والذي ينطبق عليه قول المثل أعلاه، ان مشروع القانون المحال من الحكومة والمتضمن طلب فتح اعتماد استثنائي لتمويل البطاقة، الخيارات المتاحة له محدودة جداً، والبعض يقول إنها معدومــة... اللهم الا اذا استعانت الحكومة بمصرف لبنان، من خلال ايجاد الالية القانونية اللازمة للسماح للبنك المركزي بأن يستخدم جزءاً من الاحتياط الالزامي لتمويل البطاقة، على ان يتم ادراج هذه الاموال ضمن موازنة العام 2021 على شكل اعتماد استثنائي انطلاقاً من المادة 12 من قانون المحاسبة العمومية، وتعتبر مصادر متابعة لمسار البطاقة التمويلية ان الاستمرار بالالية الحالية للدعم يكلف سنوياً نحو5.2 مليارات دولار، اما في حال ترشيد الدعم واقرار البطاقة، فالكلفة الاجمالية السنوية للدعم تصل الى 3.5 مليارات دولار. وهذه البطاقة التي سيستفيد منها ما يقارب 750 الف اسرة لبنانية بقيمة 137 دولاراً شهرياً لمدة سنة واحدة تدفع بالدولار الاميركي يشوبها العديد من المشاكل والمعوقات التي ستؤخر اقرارها، فمن ابرز المعوقات اضافة الى مصادر التمويل، تعود الى الواجهة معضلة الاليات التي جرى اعتمادها لتحديد العائلات التي ستستفيد منها حيث اوكلت هذه المهمة الى وزارة الشؤون الاجتماعية، مع العلم ان نسبة الفقر في لبنان قد تتخطى 60% ما يعني ضرورة اعادة النظر بعدد  العائلات التي تستفيد من البطاقات التمويلية. كما تطرح تساؤلات حول المعايير التي اعتمدت لتحديد هذه الأسر وكيفية اختيارها.

 معضلة رفع الدعم

لكن ثمة مشكلة اخرى تواكب ولادة البطاقة تتعلق بتوقيت اقرارها والانتهاء منها بالتوازي مع رفع الدعم. وفي هذا السياق فإن المعلومات تشير الى رفض رئاسة الحكومة رفع الدعم قبل اقرار البطاقة، فيما اموال الدعم نضبت ومصادر تمويل البطاقة لم تؤمن بعد، فكيف ستكون عواقب رفع الدعم غير المنظم في غياب بطاقة تمويلية تحد بعض الشيء من التبعات الكارثية؟ ولعل ما يعطي مشروعية لهذا السؤال، ما رشح عن الاجتماع الذي عقد الاسبوع الماضي في السرايا الكبير، وخصص للبحث في البطاقة وحضره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي ابلغ الحاضرين رفض المجلس المركزي المساس بالاحتياط الالزامي لتمويل اي خطة للدعم او البطاقة التمويلية، فهذه الاموال - حسب سلامة - تعود للمودعين وقد وضعتها المصارف امانة لدى البنك المركزي الذي وفي حال قرر استعمالها، فستكون في اتجاه وحيد هو ردها الى المصارف، على ان تقوم بتسديدها للمودعين، وتزامن كلام الحاكم سلامة، مع معلومات تفيد بأن مصرف لبنان يبحث منذ مدة خفض نسبة  الاحتياطي الالزامي من 15% الى 12% او حتى 10% ما يسمح له بتحرير ما بين 3 مليارات الى 5 مليارات دولار، يعول عليها للالتزام بتطبيق قانون "الكابيتال كونترول" في حال اقراره، تحديداً لناحية تحرير جزء من ودائع المودعين بالدولار الاميركي النقدي، والالتزام بما سيرد في اي قانون ينظم التحاويل والسحوبات. وتتساءل مصادر متابعة كيف يعقل البحث في تمويل بطاقة من اموال المودعين؟ وكيف يمكن استعمال الاحتياط الالزامي العائد للمودعين لتمويل بطاقة تستفيد منها عائلات عدد كبير منها ليس لديه حسابات في المصارف؟ فالسلطة التنفيذية مسؤولة عن تأمين الاموال من مؤسسات دولية ودول مانحة لتمويل البطاقة، ومنها البنك الدولي المستعد لتأمين التمويل لخطة مدروسة تعود الى البطاقة التمويلية، شرط التعاطي مع حكومة غير مستقيلة، وعليها اتخاذ تعهدات والتزامات، وتورد المصادر ما حصل مع مصر التي استطاعت خلال اشهر قليلة رفع الدعم عن قطاعات حيوية بالتزامن مع اقرار بطاقات تمويلية وتموينية ممولة من مؤسسات دولية بينها البنك الدولي ضمن برنامج شفاف وتحت رقابة البنك الدولي ما ساهم في نجاحه وخفف التبعات الاجتماعية لرفع الدعم.

إعادة نظر بكلفة دعم السلع

وفي هذا السياق تفيد المعلومات ان تعديل آلية الدعم، وفق الاقتراح الحكومي سيقضي بخفض كلفة دعم السلة الغذائية الى اقل من 10 ملايين دولار شهرياً مقارنة بـــ 40 مليون دولار حالياً، مع الابقاء على دعم سلة غذائية واستهلاكية لا تتخطى العشر سلع، منها السكر والرز وحليب الاطفال والشعيرية وبعض المواد الاستهلاكية، فيما يبقى مصير دعم اللحوم والدواجن غير واضح حتى الساعة... اما بالنسبة الى آلية دعم الدواء فإن السيناريو المواكب للبطاقة التمويلية يشير الى خفض كلفة فاتورة دعم الدواء سنوياً من 1.2 مليار دولار الى 600 مليون دولار على ان يتم حصر هذا الدعم بأدوية الامراض المستعصية والمزمنة ليصار الى تحديد الادوية التي ستبقى مدعومة بالتنسيق مع وزارة الصحة، وبالتالي هذا يعني رفعاً كلياً للدعم عن الادوية التي تعتبر OTC اي التي لا تحتاج الى وصفة طبية لشرائها من الصيدليات، وهي الادوية التي تصل كلفة دعمها السنوية حالياً الى ما يقارب 250 مليون دولار. على صعيد آخر،  قد تلحظ المقاربة التي يتم العمل عليها الابقاء على دعم استيراد القمح الذي يكلف نحو 160 مليون دولار سنوياً لحماية رغيف الخبز، فيما مصير دعم المحروقات اصبح حتمياً مع اقرار البطاقة التمويلية، حيث الاتجاه هو لرفع الدعم عنها، اي البنزين والمازوت، بنسبة تراوح ما بين 85% وحتى 100%، اي وصولاً الى احتمال رفع الدعم كلياً عن المحروقات، ليتم الابقاء على دعم استيراد الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان، مع ملاحظة العمل على خفض الاستهلاك اي التغذية، ما يزيد ساعات التقنين على المواطنين. اما الكلفة الاجمالية لآلية الدعم الجديدة ومن ضمنها البطاقة التمويلية، فقد كشفت المصادر المتابعة لهذا الملف ان كلفة فاتورة الدعم السنوية ستنخفض من 6 مليارات دولار الى 3 مليارات ضمنها كلفة البطاقة التمويلية، لتبقى الكلمة الفصل في هذا الملف للمجلس النيابي الذي عليه في نهاية المطاف التصويت واقرار خطة ترشيد الدعم والبطاقة التمويلية.

وهنا تكمن المشكلة حيث أن مجلس النواب شبه موحد حيال عدم المساس بالاحتياط الالزامي، لأن النواب، على ابواب انتخابات نيابية، لن يوافقوا على بطاقة تعطي الناس مالاً من أموالهم وتضع الأمر في إطار الدعم!.