تفاصيل الخبر

جنبلاط القارىء الجيد للمتغيرات الإقليمية يبتعد عن الحريري ويهادن "الحزب" ويبقى في الوسط!

27/05/2021
وليد جنبلاط وزوجته نورا في مطار باريس ينتظران وصول الحقائب.

وليد جنبلاط وزوجته نورا في مطار باريس ينتظران وصول الحقائب.


 لا يزال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على عادته في مفاجأة السياسيين خصوصاً، واللبنانيين عموماً في المواقف التي يتخذها وهو القارىء الجيد في مجريات الاحداث وصاحب الرؤية البعيدة المدى... يوم الخميس الماضي ظهر جنبلاط على شاشة محطة MTV  وقال كلاما مهما قرأ من خلال المعادلات الدولية الجديدة داعيا الرئيس المكلف سعد الحريري الى "التضحية" اي تقديم تنازلات لتسهيل ولادة الحكومة، مكررا بذلك حديثه عن "التسوية" التي سبق ان تحدث عنها في مناسبة سابقة. قال جنبلاط هذا الكلام واوكل الى نائب "اللقاء الديمقراطي" الدكتور هادي ابو الحسن ان يتحدث باسم اللقاء في جلسة مناقشة رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ويركز على ضرورة الحوار بين الرئيسين عون وسعد الحريري لتأمين تشكيل الحكومة. وفيما كانت الندوة البرلمانية تستعد لجلسة المناقشة كان جنبلاط في مطار رفيق الحريري الدولي في طريقه الى باريس مع زوجته السيدة نورا ومن صدف وكان معه على الطائرة رآه ينتظر، مثل اي راكب عادي، وصول حقائبه لينطلق بعدها الى اجازته الباريسية مع زوجته....

سافر جنبلاط، لكن مفاعيل كلامه في المحطة التلفزيونية كانت تتردد في الاوساط السياسية، لاسيما قوله مرتين ان السعودية لن تدعم الرئيس الحريري اذا شكل الحكومة، وهو الموقف الذي بات يعرفه الكثيرون لكن لا يجاهر احد به علنا.... وقد قرأت هذه الاوساط في مواقف جنبلاط "المختارة بعناية" استكمالا لدعوته الشهيرة بعد زيارة قصر بعبدا قبل اشهر الى الدخول تحت عباءة "التسوية الداخلية" عاجلا. وفي رأي هذه الاوساط ان جنبلاط قرر الجنوح الى موقع آخر، غير الموقع "المشاكس" و"المعارض" و"الرافض" الذي طالما اشتهر به، كي يكون احد "حكماء الجمهورية" الذي اختاره بعدما لعب طويلا على حبل التناقضات حينا، واستفاد من حالة الفوضى والاضطرابات احيانا الى ان اختار الخروج من "حفلة الجنون العبثية" كما قال في احد تصاريحه الاعلامية.


النتيجة العملية الاولى لمواقف جنبلاط حيال الرئيس الحريري ادت الى اتساع الهوة بينهما، فرئيس الحكومة المكلف الذي لم يستسغ على الاطلاق زيارة رئيس "التقدمي الاشتراكي" الى بعبدا قبل فترة، لا شك انه لم يستسغ كل المواقف التي اطلقها اخيرا وبخاصة خروجه علنا للتحدث عن عدم رضا سعودي عليه وعن وجوب التنازل حكوميا، في وقت يسعى الحريري للضغط على العهد من خلال التلويح بالاحتفاظ بورقة التكليف حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة ما يؤدي لاستنزاف العهد، كي يسير بشروطه للتأليف . لذلك شكلت المواقف الجنبلاطية الاخيرة صفعة قوية لكل الجهود الحريرية، حتى انها اعادت كل مساعيه الى نقطة الصفر ما سيؤدي لتمسك عون والنائب جبران باسيل اكثر من اي وقت مضى بمطالبهما الحكومية.

وسهام جنبلاط التي اصابت بالصميم سعد الحريري، لم تستثن رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع فهو قال صراحة : لدى جعجع حساب وحيد هو ان يزيد عدد نواب كتلته ليصبح المسيحي القوي تمهيدا لانتخابه رئيسا للجمهورية، وانا لا اوافق على هذه النظرية... من الواضح ان البرودة المسيطرة على علاقة جنبلاط - الحريري تنسحب لا شك على علاقة كليمنصو - معراب حيث ترد مصادر الاخيرة على جنبلاط قائلة لو ان ما يخطط له رئيس "القوات" من خلال الطروحات التي يضعها على الطاولة اليوم وعلى رأسها الانتخابات النيابية المبكرة هو الوصول الى سدة الرئاسة، لكان سعى لتحسين علاقاته بكل القوى السياسية وما خرج بطروحات تعارضها بقوة. وتشدد المصادر على ان كل ما يعني القيادة "القواتية" حاليا التصدي للانهيار المتواصل لكل القطاعات، وهذا لا يمكن ان يحصل برأينا على يد من تسببوا بالانهيار، ما يحتم انتاج سلطة جديدة خاصة ان نبض الشارع اللبناني تغير بعد انتفاضة 17 تشرين الاول 2019، ما يحتم العودة الى الناس لتقرير مصيرهم خاصة في ظل وجود مؤشرات توحي ان بعض القوى السياسية تدفع باتجاه تمديد ولاية مجلس النواب تمهيدا لتمديد ولاية رئيس الجمهورية، وهما امران لن نقبل بهما تحت اي ظرف وسنواجههما بما اوتينا من قوة.


"ربط نزاع" مع حزب الله

 واذا كان جنبلاط لا يعير اهمية خاصة لردود فعل الحريري وتياره الازرق، و"القوات اللبنانية" الا ان ما ذكره في حديثه التلفزيوني عن حزب الله وضع علاقته مع قيادة المقاومة في اطار جديد وهو الذي سعى دائما الى ابقاء حالة "ربط النزاع" قائمة متكلا على علاقته المتينة مع الرئيس نبيه بري لمعالجة اي انتكاسة تصيب علاقته بالحزب الذي اطلق عليه توصيفا بانه جزء من "المنظومة الايرانية" ولكن لها من يؤمن بطروحاتها لدى شريحة من اللبنانيين، وهو اردف هذا الوصف بما مفاده ان حليفه التاريخي الرئيس بري هو من اتباع مدرسة شيعية اخرى ومختلفة هي "مدرسة حوزة النجف العربية". وبدا ان هذا الكلام لم ينزل بردا وسلاما  على المسؤولين في حزب الله الذين اعتبروا انه يفتقد لــ "الموضوعية" و"ينم عن تجاهل متعمد او غير متعمد لطبيعة المدرسة الشيعية الفقهية العقدية التي من مزاياها التنوع وحرية التقليد التي ليست بالضرورة تصارعا وحربا. وفي تقدير هؤلاء المسؤولين ان جنبلاط الذي "خص" الحريري بانتقادات "ناعمة" ودعاه الى تقديم تنازلات وتضحيات، اراد ان تعرف قيادة حزب الله بانه لا يزال في مرحلة "ربط النزاع" ولن يصل الى حدود التفاهم الكامل والعميق لاعتبارات عدة يترك جنبلاط لنفسه تقييمها، في حين انه يؤكد في الوقت نفسه ان كلامه عن "الحزب" لا يعني حليفة الرئيس بري الذي يريد ان يستمر في عملية "التشبيك" معه لما يمثله من مواقع راسخة في صلب التركيبة السياسية اللبنانية التي نهضت عليها البلاد منذ سريان اتفاق الطائف وفي عمق معادلة "الدولة العميقة" التي نشأت ونمت تحت عين الوصاية السورية.

اهتمام اجتماعي وحياتي

وعندما يسأل القريبون من جنبلاط عن سر توزيعه "الاتهامات" يمينا ويسارا وعن سبب بعده عن التفاعل السياسي في المرحلة الراهنة من خلال مواقفه التي "تغضب" الحلفاء قبل الخصوم، يجيب هؤلاء ان جنبلاط يصب اهتمامه راهنا في ما يشبه اعلان "الاستنفار والنفير" لسد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية للذين يوالون زعامة المختارة ومن يلوذون بها عند الحاجة. وقد سمعه كثر من الزوار وهو يردد في الاونة الاخيرة جملة فحواها ان "المهمة الاساسية لنا يتعين ان تكون الحيلولة دون وقوع الناس في قبضة العوز والفاقة والجوع".

واكثر من ذلك وجه جنبلاط حزبه وفريق عمله الى اتباع برنامج مواجهة لكبح جماح المخاطر الاجتماعية التي تطل برأسها من خلال سياسة تشابه سياسة النبي يوسف في السنوات اي تكثيف المزروع وزيادة المخزون مع يقينه بان كل هذه الاجراءات على اهميتها تبقى اقرب ما يكون الى مداوة الحاضر بالحاضر وهو لن يرقى الى حدود المعالجة الجدية اذا ما طال امد الفراغ الحكومي وبعدت التسوية.

حيال ذلك الاداء الجنبلاطي المتصف بالاتزان والثبات، ثمة ولا ريب من يسارع الى الاستنتاج النمطي القديم وهو ان الزعيم الاشتراكي انما لاذ الى حضن هذا النهج بناء على "رادارات الاستشعار المبكر" التي يمتلكها فضلا عن تقديرات السفراء والموفدين الذين اعتاد على اعطاء امر اللقاء بهم الاولوية في برنامج الاستقبالات اليومية ويحرض على ان يستبقيهم الى مائدته في رحاب قاعات قصر المختارة التاريخي  الواسعة . لكن ذلك الاستنتاج على بلاغته واهميته لا يسقط ان جنبلاط الطاعن في لعبة السياسة الداخلية وتقلباتها وتحولاتها منذ ان لبس عباءة الزعامة في عام 1977 خلفا لوالده الشهيد كمال جنبلاط، له قراءته العميقة والاستشرافية لما طرأ على المعادلة الداخلية من تبدلات ومستجدات وهي القراءة التي دفعته الى انهاء مقاطعته وقطيعته لقصر بعبدا وساكنه ومن ثم اطلاقه دعوة الى التسوية لتلافي الاسوأ والى انه لا يطمح الى العودة الى دور "الريادة" الذي لعبه على مدى ثلاث اعوام بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

ولكن واذا كان ثمة من يستشم واقعية في طوايا الاطلالات الجنبلاطية فان ثمة من ياخذ عليه انه لم يرسم خريطة طريق جلية لبلوغ هذه التسوية المنشودة وان كان ثمة من يرى في اعماق كلامه عن بري اشارة الى انه واياه قد يلعبان الدور الذي تتقاطع عنده خطوط التسوية المنشودة فان ذلك تجاهل او استخفاف بالتحولات العميقة التي عصفت بالمعادلة السياسية منذ 17 تشرين على نحو صار صعبا تصور عودة الامور الى ما قبل هذا التاريخ المفصلي والذي بعده ليس كما قبله.


في غضون ذلك، ثمة من يقرأ في كلام جنبلاط  "مهادنة" مستدامة مع رئيس الجمهورية وعدم مواجهة مع "التيار الوطني الحر" ورئيسه جبران باسيل، لاسيما وان مقاربته من موضوع تشكيل الحكومة لا تبتعد كثيرا عن ضرورة تقديم الحريري "تضحيات وتنازلات" خصوصا بعدما انتزع جنبلاط من الرئيس عون خلال لقائهما الاخير موافقة على ان تكون الحكومة من 24 وزيرا وطلب الرئيس بري السير في هذا التوجه، فكان له ما اراد من رئيس مجلس النواب الذي سعى الى تركيبة من 24 وزيرا لم تحظ بموافقة علنية من الرئيس المكلف حتى الان. ويتحدث مطلعون على تطور الموقف الجنبلاطي ان " التيار الوطني الحر" يبحث في كيفية ملاقاة كلام الحريري على ان يترجم ذلك في الايام المقبلة، كما تقول مصادر في "التيار البرتقالي" معتبرة ان كلام جنبلاط "الموضوعي" وتوصيفه للامور كما هي من دون مواربة ترك ارتياحا كبيرا لدى قيادة "التيار" كما لدى القاعدة، وهي ترحب بمبادرته في تقديم نفسه عنصرا مساعدا على الحل في حال اراد الافرقاء السياسيون ذلك كما اكد جنبلاط في مقابلته الاخيرة. وهناك من يدعو الى ان "يثبت" جنبلاط في مواقفه، لاسيما وانه يشتهر بتبديل سريع في المواقف....