تفاصيل الخبر

واشنطن تريد استئناف مفاوضات الترسيم ولبنان يطالبها بلعب دور "الوسيط النزيه"

27/05/2021
خريطة مفصلة للخطوط البحرية اللبنانية وتلك التابعة للعدو الاسرائيلي.

خريطة مفصلة للخطوط البحرية اللبنانية وتلك التابعة للعدو الاسرائيلي.


 يؤكد مصدر ديبلوماسي قريب من الادارة الاميركية ان التطورات الدامية التي شهدتها غزة والاراضي المحتلة في فلسطين في الاسبوعين الماضيين شغلت الادارة الاميركية لاسيما في ظل الاعتداءات الاسرائيلية الواسعة النطاق، ما جعل الملفات الاخرى المتعلقة بمنطقة الشرق الاوسط تتراجع في سلم الاولويات، ومن بينها ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية التي جمدت المفاوضات في شأنها بقرار من الوفد الاميركي المشارك فيها نتيجة استمرار الخلاف بين لبنان واسرائيل حول الخط الواجب اعتماده كاساس للبحث. واشار المصدر الى ان الادارة الاميركية راغبة في معاودة اتصالاتها مع الجانبين اللبناني والاسرائيلي خلال الايام المقبلة في محاولة للوصول الى تفاهم يحيي هذه المفاوضات لان استمرار تعليقها لن يؤدي الى اي نتائج عملية، في حين ترغب واشنطن في تحقيق تقدم في هذا الاتجاه.

وتقول مصادر رسمية لبنانية ان بيروت لم تتلق بعد اي اشارة واضحة من واشنطن في شأن استئناف المفاوضات، لكن ثمة تقارير اشارت الى ان هذا الملف لم يطو وان امكانية فتحه من جديد واردة بنسبة مرتفعة، الامر الذي يفترض ان يحدد لبنان موقفه كي يكون في الامكان معاودة البحث من جديد في الناقورة، وصولا الى حل يحقق النتائج المرجوة.

وفي تقدير هذه المصادر ان لا خلاف لبنانيا حول الاقتراح اللبناني في تحديد الخط 29 كاساس للتفاوض، لكن المشكلة تقع في كون الجانب الاسرائيلي ما زال يرفض الطرح اللبناني، ووحده الوسيط الاميركي هو القادر على اقناع الاسرائيليين في التعاطي بمرونه والافساح في المجال امام المفاوضات كي تنطلق من جديد، مع العلم ان المندوب الاميركي جون دوروشيه لم يمارس دوره كــ "وسيط" عادل خلال الجلسة الاخيرة التي عقدت قبل اسابيع في الناقورة، في وقت كان فيه الجانب اللبناني يتوقع ان يمارس دوروشيه دورا ايجابيا من شأنه ان يبقي الجلسات التفاوضية مستمرة بين الجانبين.

اسباب التمسك بالخط 29

لقد سعى الوفد اللبناني المفاوض مع الجانب الاميركي الى تفعيل دوره وتقديم اقتراحات جديدة انطلاقا من الطرحين اللبناني والاسرائيلي، لكن بدا من خلال مسار المفاوضات جنوحا اميركيا صوب الطرح الاسرائيلي في اعتماد الخط 23 الذي يرفض لبنان ان يتم التفاوض حوله فقط. وتتوقع مصادر متابعة لهذا الملف ان يبدي الاميركيون استعدادا للتدخل في المرحلة المقبلة وان كان هذا التدخل لن يكون جانحا صوب الخط 29 الذي يطرحه لبنان كاساس للتفاوض. وخلال احدى الزيارات التي قامت بها السفيرة الاميركية في بيروت دوروثي شيا دار حديث حول الاسباب التي تجعل لبنان يتمسك بالخط 29 على رغم عدم توقيع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مشروع المرسل الموجود لديه بتعديل المرسوم 6433 الصادر في العام 2011، فاستمعت الى شرح للاسباب وفق التصور الذي قدمته قيادة الجيش وتبنته لجنة التفاوض اللبنانية برئاسة العميد الركن بسام ياسين، تنطلق من الاهمية الاستراتيجية للخط 29 حيث لا مصلحة للبنان بان يفاوض على 860 كليومترا مربعا (وفق الخط 23) بل يجب عليه بدء التفاوض من الخط 29 للاسباب الاتية:

- اعتماد موقف يمكن الدفاع عنه على طاولة المفاوضات ويحافظ على صدقية لبنان، فالخط 29 متين من الناحيتين القانونية والتقنية، اما الخط 23 فهو ساقط قانونا لانه لا ينطلق من نقطة رأس الناقورة ولا يتبع اي تقنية ترسيم علمية معترف بها عالميا.

- تأمين موقع متقدم للبنان في المفاوضات

- تحويل حقل كاريش الى حقل متنازع عليه، ومطالبة اسرائيل وشركة "انرجين" بوقف جميع الاعمال في هذا الحقل الى حين التوصل الى اتفاق، عملا بمبدأ منع اعمال التنقيب والاستخراج الاحادي في الحقول المتنازع عليها الذي كرسه القانون الدولي. وهذا الامر يشكل عامل ضغط على اسرائيل ويلزمها بقبول الحل المنصف للنزاع.

- حماية حقل الغاز المحتمل الاساسي في "البلوك رقم 9" اللبناني والذي يبلغ حجمه 3 اضعاف حجم حقل "كاريش" ويقدر مخزونه بعشرات المليارات من الدولارات. يتعدى هذا الحقل الخط 23 بعدة كيلومترات جنوبا، وبالتالي لن تتجرأ اي شركة بما في ذلك "توتال" على التنقيب في هذا الحقل خشية من عرقلة اسرائيل لتطويره، كون جزء من هذا الحقل يقع اليوم في "البلوك رقم 72" الاسرائيلي الذي قد تلزمه اسرائيل في اي لحظة.

- الا ان هذا الشرح حول الاهمية الاستراتيجية للخط 29 لا يزال الجانب الاميركي يعتبره غير كاف للقبول به لاعتبارات متعددة لعل ابرزها جنوح الولايات المتحدة الاميركية نحو اسرائيل دائما وان كانت تمارس في التفاوض دور الوسيط، مما يتطلب المزيد من الاتصالات التي يأمل لبنان ان يعاودها مع عودة الهدوء الحذر الى الاراضي المحتلة وثبات وقف النار المعلن من جانب اسرائيل، وامكانية عودة السفير دوروشيه الى بيروت وتل ابيب في رحلات مكوكية للتفاهم مع الجانب اللبناني والاسرائيلي على اسس جديدة يمكن من خلالها اعادة اطلاق المفاوضات من جديد. وترى السفيرة شيا، وفقا لمحدثيها ان للبنان مصلحة في ان يعاود التفاوض لان الجمود لن يفيد لبنان الذي يتطلع الى استثمار "البلوكات" النفطية والغازية على الحدود الجنوبية، ولاسيما "البلوك 9" الذي تم تلزميه الى كونسيورسيوم يضم شركات "ايني" الايطالية و"توتال" الفرنسية و"نوفاتك" الروسية، ناهيك على ان باريس متحمسة لاطلاق عملية التنقيب لان ذلك يساعد في التحضير لانعاش الاقتصاد اللبناني واخراجه من الوضع المتدهور الذي يمر فيه. والتوجه نفسه لدى الروس الذين عبروا في اكثر من مناسبة عن الرغبة في مباشرة التنقيب في "البلوك 9" لاعتبارات مختلفة.


القصة بدأت في 2007

في اي حال يبقى ملف الترسيم موضوعا مطروحا ولا بد من فهم ابعاده وتاريخه من خلال العودة الى المسار الذي انطلق في العام 2007 حين وقع لبنان اتفاقية مع قبرص لترسيم الحدود البحرية بينهما. وترك تحديد موقع طرفي هذه الحدود، اي النقطتين (1) و(6)، بشكل نهائي من جهة الشمال والجنوب لحين التوافق على ترسيم الحدود البحرية مع كل من سوريا وفلسطين المحتلة.

الخط (23)

وفي العام 2008 تم تشكيل لجنة مشتركة لوضع تقرير مفصل حول حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، توصلت بنتيجة اعمالها بتاريخ 29/4/2009 الى وضع تقرير عينت بموجبه احداثيات الحدود البحرية الشمالية مع سوريا والجنوبية مع فلسطين المحتلة، فتم تعيين النقطة (23) بمثابة النقطة الثلاثية بين لبنان قبرص وفلسطين المحتلة بدلا من النقطة ( 1) حيث تبين في العام 2011 انها نقطة تقع في المكان الخاطىء وبتاريخ 14/7/2010 اودع لبنان الامين العام للامم المتحدة لوائح احداثيات نقاط الحدود البحرية الجنوبية المتمثلة بالخط 23.


الخط (1)

وبتاريخ 17/12/2010 وقع العدو الاسرائيلي اتفاقية لتعيين حدود منطقته الاقتصادية الخالصة مع قبرص، وذلك من دون ان تتشاور قبرص مع لبنان بهذا الخصوص كما نصت على ذلك الاتفاقية الموقعة بين الجانبين في العام 2007. وبدلا من ان ينطلقا بهذه الحدود من النقطة (23) انطلقا من النقطة (1) التي كان متفقا مع قبرص على انها نقطة مؤقتة. ثم قام العدو الاسرائيلي بترسيم حدوده البحرية مع لبنان من جانب واحد فانطلق من نقطة سميت النقطة (31) في رأس الناقورة الى النقطة (1)، وهكذا كان الخط الاسرائيلي الذي سمى بالخط (1). وقد اعترض لبنان على الترسيم الاسرائيلي بموجب رسالة الى الامين العام للامم المتحدة.


خط هوف (HOFF LINE)

وفي العام 2012 قامت الولايات المتحدة الاميركية عبر سفيرها فردريك هوف بتقديم اقتراح لحل النزاع الحدودي البحري مع العدو الاسرائيلي، وذلك بتقاسم المنطقة التي يدعي هذا العدو النزاع عليها من خلال رسم خط عرف في حينه بخط HOFF  يقع بين الخط اللبناني (23) والخط الاسرائيلي (1). هذا الخط يعطي لبنان حوالي 490 كلم2 والعدو الاسرائيلي حوالي 370 كلم2 من اصل كامل مساحة الـــ 860 كلم2 "المتنازع" عليها. الا ان اقتراح هوف لم يمر للعديد من الاسباب، اولها انه خط يعطي لبنان الحد الادنى من حقوقه ويعطي اسرائيل الحد الاقصى. وثانيا بسبب انطلاقه من ثلاثة اميال من الشاطىء ما يترك قنبلة منفجرة للتوافق على ترسيم هذه المنطقة المتبقية فيصبح لدينا "مزارع شبعا بحرية" يصعب حلها.

الخط (29)

وفي حزيران 2011، وقبل 4 اشهر من اصدار المرسوم 6433، تبين ان الخط (23) غير دقيق ويحق للبنان بمساحة اكبر من 860 كلم2 جنوبي هذا الخط، فكلفت الحكومة اللبنانية المكتب الهيدروغرافي البريطاني UKHO  باعداد تقرير حول تعيين الحدود اللبنانية. وقد صدر هذا التقرير بتاريخ 17/8/2011 مع اقتراح تعديل الخط (23) الى آخر (يعرف اليوم بالخط 29). وفي العام 2013 اعد العقيد الركن البحري مازن بصبوص دراسة انطلاقا من الاقتراح البريطاني، وبين فيها بالتفصيل احقية لبنان بالخط المسمى اليوم خط (29) الذي يعيد الى لبنان مساحة تقدر بحوالي 1430 كلم2. وفي العام 2014 انشأ الجيش اللبناني مصلحة للهيدروغرافيا التي حصلت على بيانات اكثر دقة مما كان متوافرا في السابق، ما يسمح بتعديل المرسوم 6433/2011 اي الخط (23) بالاستناد الى المادة الثالثة منه. وبعد استشارة الخبير الدولي في ترسيم الحدود نجيب مسيحي (عضو الوفد المفاوض)، اعدت لجنة من الجيش في نهاية العام 2019 ملفا تقنيا وقانونيا متينا اكدت فيه احقية لبنان بالمساحات الاضافية في مياهه البحرية.

الا ان لبنان لم يرسل الى الامم المتحدة الاحداثيات الجديدة، الامر الذي جعل اسرائيل تتمسك بالتفاوض على الخط 23 على اساس انه موثق في نيويورك ولم يغير لبنان هذه الاحداثيات، وانطلاقا من هنا يلح الفريق اللبناني المفاوض على ضرورة تعديل المرسوم 6433/2011 ليصبح في مقدور الوفد الارتكاز على ارضية صلبة في التفاوض مع الاسرائيليين. الا ان ثمة من يرى عدم الالتزام رسميا بالخط 29 بموجب وثيقة تسجل في الامم المتحدة حتى لا يقال، في حال اسفرت المفاوضات عن عدم حصول لبنان على كل ما يريد، بان الجانب اللبناني "تنازل" عن حقوقه، خصوصا ان اي مسيرة تفاوضية حصيلتها في النهاية "تسوية" تتطلب "تنازلات" من الاطراف المعنيين.

فهل يحسم لبنان امره ويعدل المرسوم 6433/2011 رسميا ام يبقى الخط 29 من دون تغطية شرعية والتفاوض على اساس انه الخط اللبناني النهائي؟



الخط 29 الذي يتمسك به لبنان كأساس للتفاوض.

الخط 29 الذي يتمسك به لبنان كأساس للتفاوض.