تفاصيل الخبر

التأليف في مهب الرياح السياسيّة

26/05/2021
الرئيس سعد الحريري يمر أمام النائب جبران باسيل.. لا سلام ولا كلام!

الرئيس سعد الحريري يمر أمام النائب جبران باسيل.. لا سلام ولا كلام!

بقلم علي الحسيني


 بحنكته المعهودة، ومن موقعه المُتميّز الذي يُتيح له التحرّك على أكثر من جبهة داخليّة وخارجيّة في آن، تمكّن رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، من تعطيل مفعول الرسالة التي كان أرسلها رئيس الجمهورية ميشال عون إلى المجلس النيابي شاكياً فيها "مُماطلة" الرئيس المُكلّف سعد الحريري بعملية تشكيل الحكومة، تمهيداً للإطاحة به من مُهمته والمجيء بشخصيّة سُنيّة أخرى. وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي كانت رُسمت في الأجواء السياسية قبل الرسالة المذكورة، إلّا أن الوضع السياسي وتحديداً في ما يتعلّق بتأليف الحكومة، عاد إلى نقطة الصفر خلال الجلسة التي خصّصها بري لمناقشة مضمون رسالة عون بحيث هبطت مؤشرات التأليف إلى ما دون الصفر.

التأليف على توقيت الخارج

ما زالت "اللعبة" السياسية في الداخل، تُدار على التوقيت الخارجي، وتحديداً على إيقاع المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. والجميع بات مُقتنعاً بأن لا حلول على صعيد تأليف الحكومة إلا بعد خروج دخان المُفاوضات الأبيض في سماء المنطقة. من هنا، فإن ما يُحكى عن حلول ومُبادرات وتدخّلات متعدّدة الأوجه، ليست سوى محاولات تخدير للمواطن لتقطيع الوقت بانتظار وصول كلمة السرّ.

وبخلاف ما أُشيع بداية الأسبوع الماضي عن أجواء سياسية داخلية قيل إنها بدأت تُلامس حد الاقتراب من انتهاء أزمة تأليف الحكومة، وذلك في ظل الرسائل "المُشفّرة" بين دوائر قصر "بعبدا" و"بيت الوسط"، والتي تُرجمت على أنها مُحاولات مُتبادلة للوصول إلى نُقطة التقاء الرئيسيّن عون والحريري، فإن واقع الحال وخصوصاً بعد جلسة مناقشة الرسالة، دل على أن التأليف ما زال بعيد المنال وهذا ما أكدته اللقاءات "الثنائية" غير المُعلنة، التي كانت كانت حصلت بين قيادتي "حزب الله" و"التيّار الوطني الحر" خلال فترة ما قبل الأعياد، والتي أفضت بحسب التسريبات إلى أن لا حكومة إلا في حالتين: إمّا بقرار خارجي، أو خضوع الحريري لكل مطالب تحالف السلطة.

"لعبة" من وراء ظهر مرجعيّة

في ظلّ هذا التأرجح على حبال التأليف العالقة بين رغبة الداخل وموانع الخارج، تخرج تسريبات عن زعيم حزب لبناني تكشف خبايا سياسية تُقلق مرجعاً سياسياً معنيّاً بشكل أساسي بعملية تأليف الحكومة. وتشير تسريبات الزعيم الحزبي إلى امتعاضه من "لعبة" تُحاك من وراء ظهره لإبطال مفعول مهمّة الرئيس المُكلّف الحكومية، والمجيء ببديل "سُنّي" يرتضي لنفسه بأن يكون شاهد زور على حكومة ظاهرها "عونيّ" وباطنها "مُمانع"

وبحسب ما نُقل أيضاً عن المرجع السياسي، بأن ثمّة إمعاناً مُستمراً من الجهة المُعطّلة لعملية التأليف بضرب المبادرات والتسويات التي يتقدّم بها الداخل والخارج، مما يدل على أن نيات تشكيل الحكومة التي يتحدثون عنها، لا وجود لها من الأساس، وأن ما يُحاولون فعله، هو تقطيع الوقت بانتظار حصولهم على ورقة تفويض إقليمية، تُتيح لهم التحكّم بمسار البلد ومصيره وبالتالي، فإن الجهة نفسها تنتظر مصير المفاوضات الأميركية والإيرانية والسعودية، لفرض واقع حكومي جديد، يكون "مُعلّباً" بالخارج و"ممهوراً" بصناعة وطنية.

هل يعتذر الحريري؟

مقابل مسعى أهل السلطة لفكّ تكليف الحريري، سواء من خلال الضغوطات السياسية التي تُمارس ضده، وآخرها محاولة وزير الخارجية المُستقيل شربل وهبة تعكير علاقة لبنان بدول الخليج على الرغم من تبرّؤ رئاسة الجمهورية من كلامه ومُطالبته بتقديم استقالته، أو من خلال هزّ علاقاته الخارجية تحديداً مع الفرنسي والروسي، تؤكد مصادر مُقربة من "بيت الوسط"، أن "ما يتعرّض له الحريري في السياسة أو الشخصي، لن يُثنيه عن متابعة مهمته في سبيل إنقاذ الوضع الاقتصادي".

وتُشدّد المصادر عينها، على أن اعتذار الحريري هو أمر شخصي يعنيه وحده، وهو صاحب القرار الأوحد فيه، لذلك، فإن كل هذه الضغوطات لا تجد لها مكاناً في المجهود الذي يبذله الحريري، وإصراره على متابعة مهمته في حكومة اختصاصيين إلى حين أن يُقرّر هو ما يجب فعله، في حال استمرار محاولات التعطيل الداخلية، خصوصاً وأن الحريري لديه قناعة بأن الوقت الحالي هو للعمل من أجل إنقاذ الوضع قبل فوات الأوان، وليس للمناكفات وتصفية الحسابات.

وحول ما يُحكى في الكواليس السياسية عن وجود محاولات داخلية لإقصاء الحريري واختيار بديل "سُنّي" لمهمة التأليف، تؤكد المصادر أن هذه "الحرتقات" لا تخرج سوى عن فريق مُحدّد يعجز عن فرض إرادته وخياراته على بقيّة اللبنانيين الرافضين بغالبيتهم لمحاولات من هذا النوع. أمّا بالنسبة إلى محاولات هذا البعض لزجّ الخارج في تسيير أمورنا الداخلية واختراع بعض المواقف التي لا وجود لها سوى في عقولهم وطريقة ممارساتهم، فإن دور الخارج يقتصر على طرح الحلول ومحاولات تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء، أمّا اختيار الأسماء، فهذا له علاقة بطبيعة الأحجام السياسية والدور الذي يلعبه كل فريق سياسي.

جلسة تفجير أم تأجيل؟

رغم انعقاد الجلسة النيابية لمناقشة رسالة عون على مدى يومين متتاليّن، لم يتمكن النوّاب من إحداث ثقب في جدار أزمة تأليف الحكومة التي تًضاف إلى بقيّة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها اللبنانيون، لكن الأبرز، تمثّل بالهجوم المُعاكس الذي شنّه الحريري على كل من عون والنائب جبران باسيل خلال الجلسة الثانية حيث اعتبر "أننا أمام رئيس للجمهورية يمارس حقّه القانوني بتوجيه رسالة إلى مجلس النواب ولكنّنا بالفعل أمام رئيس يقول للنواب أنتم سمّيتهم رئيساً للحكومة أنا لا أريده ولا أسمح له بالتشكيل فتفضّلوا خلصوني منه".

وتابع الحريري: "نحن أمام رئيس للجمهورية يريد منا تعديل الدستور وإذا لم نفعل يريد تغيير الدستور بالممارسة من دون تعديل وبانتظار أن يكون له ما يريد يُعطّل الدستور والحياة السياسية في البلد والأخطر من ذلك يُعطّل أي أمل أمام اللبنانيين بوقف الانهيار المريع. كما علينا أن نعترف أن فخامة الرئيس يمتلك تجربة كبير، لا بل باعاً طويلاً في التعطيل". وقد فسّر البعض كلام الحريري على أنه مُحاولة منه لتأزيم الوضع أكثر مما هو عليه وبالتالي فإن كلامه سيدفع عون إلى إلى المضيّ قدماً واتخاذ خطوات أخرى تتعلّق بتشكيل الحكومة من شأنها أن تُفاجئ الجميع.

ارتياح بري

كانت خلصت الجلسة النيابية التي خصصت لمناقشة رسالة رئيس الجمهورية إلى إصدار موقف تلاه بري بتأكيد منه على ضرورة المضي قدماً وفق الاصول الدستورية من قبل الحريري للوصول سريعاً الى تشكيل حكومة جديدة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، لكن رغم كل حصل وما أُشيع، فقد نُقل عن بري ارتياحه لجهة ما يتعلّق بالمسار الذي اتخذته الجلسة وبقائها تحت السيطرة خصوصاً وأن معلومات كانت تحدثت عن وجود خشية لدى برّي من تفجير الجلسة وتحولها ساحة اشتباك سياسي - شخصي بين الحريري من جهة وباسيل وفريقه من جهة أخرى.


الرئيس نبيه بري..ضابط الايقاع.

الرئيس نبيه بري..ضابط الايقاع.

الرئيس ميشال عون.. مرتاح لمناقشة المجلس لرسالته.

الرئيس ميشال عون.. مرتاح لمناقشة المجلس لرسالته.