تفاصيل الخبر

رسالة عون "مضبطة اتهام" للحريري ومناقشة النواب لها دونها محاذير طائفية!

20/05/2021
الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري ورابعهما الرسالة الى مجلس النواب.

الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري ورابعهما الرسالة الى مجلس النواب.


 بين رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" الأسبوع الماضي، ورسالته الى مجلس النواب بواسطة رئيسه نبيه بري قبل أيام، أكثر من قاسم مشترك ورغبة بنتيجة واحدة وهي تحريك الملف الحكومي في محاولة لاخراجه من النفق الذي دخله منذ سبعة أشهر يوم تم تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة ودخلت البلاد في دوامة انتظار....المجهول. وبصرف النظر عما ستكون عليه حصيلة مناقشات الرسالة الرئاسية في مجلس النواب، يمكن استخلاص معطيات عدة من رسالة الرئيس عون الى مجلس النواب.

المعطى الأول: وضع رئيس الجمهورية الحقائق التي حالت دون تشكيل الحكومة ليس فقط أمام النواب، بل أمام الرأي العام اللبناني والعربي والدولي على حد سواء، مستعيضاً بذلك عن الرسالة التي كان ينوي توجيهها الى اللبنانيين لمصارحتهم بالاسباب التي حالت دون تشكيل الحكومة على رغم مرور سبعة اشهر على التكليف. بكلام آخر "فش" الرئيس "خلقه" وكتب الكلام الذي كان يردده في مجالسه وامام ضيوفه وصار ملك الجميع في محاولة واضحة من رئيس الجمهورية في التأكيد على انه ليس هو الذي يعرقل التشكيل كما كثرت الاتهامات بحقه. وهو في هذا المجال اوصل رسالة واضحة لا لبس فيها حيال مسألة كانت تزعجه باستمرار.

أما المعطى الثاني فهو تأكيد الرئيس عون على صلاحياته الدستورية و"شراكته" الكاملة في تشكيل الحكومة العتيدة من خلال التأكيد على ان لا مراسيم لتشكيل من دون "موافقة" رئيس الجمهورية خلافاً لما كان البعض يقول إن الرئيس المكلف هو الذي يشكل الحكومة ويعرضها على الرئيس لاصدار مراسيمها. وفي هذا الإطار كانت الاشارة في الرسالة الى ضرورة "التقيد بالنهج الواجب والمعهود في تأليف الحكومات وفقاً لاحكام المادتين 53 (الفقرة 4) و64 (البند 2) من الدستور، وهو نهج يفترض تبياناً واضحاً لا لبس فيه للكتل البرلمانية المشاركة في الحكومة او الداعمة لها ومرتكز على عدالة توزيع الحقائب بينها ويحاكي التمثيل الشعبي في ظل نظامنا الديمقراطي البرلماني كون الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية". وفي هذا الكلام ضرب الرئيس عون "عصفورين بحجر واحد"، فهو من جهة تمسك بالصلاحيات التي اعطاها له الدستور، ومن جهة ثانية "دغدغ" الكتل النيابية من خلال ابراز حقها في المشاركة في الحكومة ودعمها، في وقت كان الحديث فيه عن حكومة اختصاصيين غير سياسيين، اي لا علاقة للأحزاب، وللكتل النيابية باختيار وزرائها. وعندما يتحدث الرئيس في رسالته عن المحافظة على عدالة التمثيل وعلى الميثاقية، انما يشير بشكل مباشر الى مشاركة جميع الكتل النيابية، الا الكتلة او الكتل التي تستبعد نفسها عن المشاركة، متحدثاً سلفاً عن ضرورة توسل التضامن الحكومي عند التأليف الذي يعتبره موجباً ملازماً للعمل الحكومي ومنصوصاً عنه في النظام الداخلي لمجلس الوزراء ومرادفاً لفعالية السلطة الاجرائية وعدم تبعثر نتاجها.

مسؤولية الحريري

وفي المعطى الثالث للرسالة بدا واضحاً تحميل الرئيس عون الرئيس الحريري مسؤولية التأخير في تشكيل الحكومة التي لم تر النور منذ التكليف في 22 تشرين الاول (اكتوبر) وما افرزه هذا التأخير من مفاعيل سلبية على نشوء السلطة الاجرائية وانتظام عمل السلطات الدستورية وفقاً لاحكام الدستور، وهذه المفاعيل انسحبت ايضاً على الاستقرار السياسي والامان الصحي والاجتماعي والاقتصادي والمالي والخدماتي العام وحالت دون معالجة ملفات حساسة في ظل الازمات الموروثة والمتناسلة. وتحدث الرئيس عون عن "اسر" التأليف الى افق زمني غير محدد متهماً الرئيس الحريري بــ "العجز" عن تأليف حكومة قادرة على الانقاذ والتواصل المجدي مع مؤسسات المال الاجنبية والصناديق الدولية والدول المانحة. وامعن الرئيس عون في تحميل الحريري مسؤولية "اسر" التأليف بعد التكليف و"اسر" الشعب والحكم واخذهما معاً "رهينة مساقة الى الهاوية"، لاسيما بعد تجاهله كل مهلة معقولة للتأليف "في زمن احوج ما نكون فيه الى حكومة انقاذ من دون اي ابطاء متعمد". والقى عون على الحريري مسؤولية الاصرار على عدم تقديم تشكيلة حكومية تحظى "باتفاقنا" (اي اتفاق الرئيسين) وتتوافر معها الثقة المطلوبة من مجلس النواب وفق النص الدستوري، فضلاً عن انقطاعه عن اجراء الاستشارات النيابية اللازمة مع مختلف الكتل النيابية على ما هو منصوص عنه في الدستور على ان يتم ذلك بشكل واضح وشفاف تنكشف معه للنواب وللشعب مكامن الاتفاق او الاختلاف مع الكتل المذكورة. والادهى - على حد تعبير رئيس الجمهورية - ان الرئيس المكلف منقطع عن التشاور المستمر والواجب مع الرئيس للاتفاق على تشكيلة حكومية تتوافر فيها ثقة المجلس واللبنانيين والمجتمع الدولي.

أما المعطى الرابع فبرز من خلال اعادة الرئيس عون الكرة الى مجلس النواب من خلال دعوته الى مناقشة رسالته "واتخاذ الموقف او الاجراء او القرار المناسب بشأنها لمنفعة الشعب الذي يئن ألماً وهو ينتظر حكومته الجديدة على أحر من الجمر"، معتبراً ان ذلك متاح لو تخلى الحريري عن مقولة انه هو من "يشكل" الحكومة على ان "يصدر" رئيس الجمهورية المرسوم، في حين ان المادة 53 الفقرة الرابعة من الدستور صريحة لناحية "الاتفاق" قبل اصدار مرسوم تشكيل الحكومة. وحرص الرئيس عون في هذا السياق - وهو العارف بمواقف الكتل النيابية غير المتجانسة حول هذا الموضوع - على التأكيد بأن الدستور أولاه اختصاصاً صريحاً "في معرض استيلاد الحكومات وانشائها بالاتفاق مع رئيس الحكومة المكلف، فتغدو صلاحيته غير مقيدة ولا يكون مجرد موثق لتشكيلة رئيس الحكومة المكلف، والا انتفت المشاركة واندثر الاتفاق ولم تتحقق ميثاقية التشكيل ودستوريته".


مضبطة اتهامية تثير جدلاً طائفياً

والسؤال يبقى، ماذا بعد هذه "المضبطة الاتهامية" للرئيس المكلف، وما سيكون عليه موقف مجلس النواب؟ من الواضح ان "المواجهة" لن تكون سهلة بين النواب ومضمون الرسالة الرئاسية لاسيما وان مواقف عدة ظهرت قبل وبعد توجيه الرسالة تشي بأن المناقشات لن تكون سهلة لاسيما وان الرئيس الحريري سارع الى الرد عبر "تويتر" على مضمون الرسالة معتبراً انها "إمعان في سياسة قلب الحقائق والهروب الى الامام والتغطية على الفضيحة الديبلوماسية العنصرية لوزير خارجية العهد تجاه الاشقاء في الخليج العربي "لافتاً الى ان للحديث صلة في البرلمان. اضافة الى ذلك برزت ردود فعل مختلفة كان ابرزها للرئيس نبيه بري الذي كان سعى الى ثني الرئيس عون عن توجيه الرسالة خلال حوار هاتفي اجراه معه بعدما تبلغ من المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم بالرغبة الرئاسية بتوجيه الرسالة، فقال له ثم استعاد القول نفسه عبر تعليق لمحطة "ان بي ان" الناطقة باسمه، ان في الرسالة ضرب لاتفاق الطائف ستعيد لبنان الى الوراء ولن تؤدي الى نتيجة لاسيما وان الحل ليس بمثل هكذا رسائل، بل بالمسارعة الى تشكيل حكومة لانقاذ البلد من الغرق.. وعليه، فإن الاوساط السياسية ترى ان رسالة رئيس الجمهورية وإن كانت دستورية ومن صلاحياته المحددة في الدستور، الا انها سوف تثير نقاشاً دستورياً وسياسياً يقارب المسألة الميثاقية والتوازنات الطائفية التي يعيش البلد في ظلها لاسيما وانها ستطرح بشكل او بآخر صلاحيات رئيس الحكومة التي كانت دائماً، بعد الطائف، موضع نقاش واجتهادات وتحليلات تلامس البعد الطائفي، مع بروز اصطفاف سيكون في اتجاه طائفي دفاعاً عن حقوق "السنة" الذين يمثلهم رئيس الحكومة بموجب مقتضيات الوفاق الوطني الذي ارسيت اسسه بعد الطائف. وفي تقدير الاوساط نفسها ان النقاش في مجلس النواب لن يكون بالمشاركة في تشكيل الحكومة الذي يرى الفريق المؤيد للرئيس المكلف انه من حق رئيس الحكومة حصراً، وبالتالي فأي مساس في هذا الحق، يشكل مساساً في دور الطائفة السنية في حصتها في ادارة شؤون البلاد التي يعتبر كثيرون انها باتت مكرسة في الطائف. وتتحدث الاوساط نفسها عن ان النقاش في مجلس النواب سيتم تحت ظل الاصطفافات المذهبية وعلى خلفية "الصراع" الدائر منذ ولادة اتفاق الطائف عن الصلاحيات لاسيما تلك التي نزعت من رئيس الجمهورية ووضعت في مجلس الوزراء مجتمعاً وليس في شخص رئيس مجلس الوزراء منفرداً. وهنا تلعب الغرائز الطائفية والمذهبية دوراً قد يؤدي الى خلافات تجعل امكانية الوصول الى اتفاق شبه معدومة وبدلاً من التفاهم على حل سيكون المزيد من التشنج هو البديل ومنطلقه الندوة البرلمانية وصولاً ربما الى الشارع. الا في حالة واحدة، وهي ايجاد  "تخريجة ما" على الطريقة اللبنانية لا يكون فيها خاسر ورابح، بل توزيع للربح والخسارة على الجميع فيتحقق التعادل ومعه "تسوية ما" من جديد!.