تفاصيل الخبر

التحويلات المالية من المغتربين لذويهم تراجعت قيمتها فهل تكفي بعد رفع الدعم؟

20/05/2021
زحمة زبائن أمام إحدى شركات تحويل الأموال.

زحمة زبائن أمام إحدى شركات تحويل الأموال.


 في الوقت الذي يستمر فيه سعر صرف الليرة قياساً الى الدولار في وضعه غير مستقر اذ يتحرك ضمن هامش 12000 ليرة و 13000 ليرة مقابل الدولار الواحد في السوق السوداء، يأمل اللبنانيون ان يعتمد مصرف لبنان التدبير الذي اعلن عنه حاكمه رياض سلامة الذي يمكن اصحاب الودائع بالدولار في المصارف من سحب ما مجموعه 25 الف دولار خلال ثلاث سنوات، اي بمعدل 8 الاف دولار كل سنة اي ما يوازي 700 دولار شهرياً حسب مجموع كل وديعة مصرفية لأن ذلك يمكن ان "يحلحل" الضائقة التي يعيشها المواطن الذي لا يتمكن من سحب ودائعه من المصارف، علماً ان مثل هذا التدبير، الذي يطبق ايضاً على العملات الاخرى بما فيها الليرة اللبنانية، يفترض ان يتزامن مع اقرار مجلس النواب لقانون "كابيتال كونترول" الذي لا يزال في طور الاعداد في لجنة المال والموازنة النيابية...

 في المقابل، تستمر اسعار السلع في الارتفاع، لاسيما منها السلع الضرورية والاساسية بشكل غير منطقي على رغم ان سعر صرف الدولار لم يتغير بنسبة كبيرة وهو لا يزال ضمن هامش واحد بفارق الف او 1500 ليرة لبنانية عن سقف الــ 12 الف و13 الف. وعلى رغم ارتفاع الرقم فإن بعض المعنيين بالشأن المالي يرون ان استمرار هذا "الاستقرار" النسبي يسمح بالتقاط الانفاس والتأقلم، مع المحافظة على التحفظ نظراً للمعطيات والمؤشرات الاقتصادية والمالية المقلقة، ويبرر هؤلاء تحفظهم او حذرهم بأن الاجواء السياسية مقفلة على الصعيد الحكومي، وعدم بروز اي تبدلات جوهرية على الواقع المالي والاقتصادي، فضلاً عن كل ما يحكى عن رفع الدعم. لقد حافظت السوق السوداء على انضباط معين، اذا صح التعبير، خلافاً لكل التوقعات، لكن ثمة من يحذر من الرهان على هذا الامر والبناء على رمال، لئلا تكون الصدمة مضاعفة. وتشير المصادر نفسها الى وجود عوامل عدة فرملت اندفاعة السوق السوداء مرحلياً، معتبرة ان الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتراجع جعل السوق تهدأ قليلاً لاستيعاب الامر، بعدما تبدلت الاولويات بالنسبة لعموم المواطنين، خصوصاً بعد الانهيار الكبير الذي بدأ عملياً مطلع العام 2021، اذ تحرك سعر الدولار في كانون الثاني الماضي ما بين 8500 – 9000 وفي شباط ما بين 9000- 9500 ليقفز في آذار من 9500 الى 15000 ل.ل قبل ان يتراجع في نيسان الماضي الى ما بين 11700- 12300 ل.ل تقريبا لان السوق لم يستوعب هذه القفزة، ويتحرك في ايار الحالي ما دون الــ 13000 ل.ل. ومن العوامل ايضا تراجع حركة الاستيراد من نحو 20 مليار دولار في العام 2019 الى ما دون 10 مليار دولار في الــ 2020 ولا تزال عند هذا المعدل في الاشهر الاولى من العام 2021. وذلك جراء الاستغناء عن استيراد الكثير من السلع غير الاساسية والتركيز على المواد الغذائية عموماً، وايضاً على سلع ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها مثل قطع السيارات والاتصالات والادوات الكهربائية، وما شابه، بالتالي تراجع الطلب على الدولار بنسبة معينة. وتعتبر، ان هناك عاملاً اساسياً لا يجب اغفاله، ويتمثل بالدولار النقدي الذي يضخه المغتربون اللبنانيون في الاقتصاد، سواء عبر الاموال التي لا يزالون يرسلونها الى عائلاتهم وذويهم، او من خلال زيارتهم الى لبنان لتمضية بعض الوقت مع الاهل ما ينعش الحركة الاقتصادية والسياحية، والتجارية قليلاً.

تحويلات المغتربين

وترى مصادر مالية ان تحويلات المغتربين اللبنانيين تعد واحدة من ابرز العوامل التي ساهمت في منع الانفجار الاجتماعي حتى اللحظة، لأنها وفرت شبكة امان لعشرات الالاف من الأسر وساعدتهم على الحفاظ على الحد الادنى من قدرتهم الشرائية ومواجهة تضخم الاسعار والفقر والبطالة. لكن اللافت، وفق هذه المصادر، ان قيمة بعض التحويلات لامست ارقاماً متدنية لم يسبق ان سجلت من قبل وهو ما قد ينعكس سلباً على العائلات المستفيدة مع اقتراب موعد رفع الدعم ومخاطر انهيار سعر صرف الليرة الذي قد يرافقه. لقد تفاوتت قيمة تحويلات المغتربين سنوياً منذ العام 2008 لكنها لم تنخفض عن 6,7 مليار دولار (الرقم الادنى المسجل عام 2012). ولم ترتفع اكثر من 7,6 مليار دولار (الرقم الاعلى المسجل عام 2016) وبلغت قيمة التحويلات الاجمالية العام الماضي بحسب البنك الدولي، نحو 6,9 مليار دولار اي بما يمثل 36.3 من الناتج المحلي وهي النسبة الاعلى في المنطقة، علماً ان نسبة كبيرة من تحويلات المغتربين تمر عبر شركات تحويل الاموال من الخارج والداخل معاً. وفي هذا السياق تظهر ارقام احدى هذه الشركات اللبنانية بأن معدل التحويلات الشهرية من خلال هذه الشركة تبلغ 120 مليون دولار اميركي وهو ما يسمح بتكوين صورة عامة عن وضع الاغتراب وكيفية تعامله مع الانهيار الاقتصادي الحاصل في لبنان. علماً ان الاغتراب يثبت دوماً رغم كل التضحيات انه شريان حياة حيوي للبنانيين المقيمين. فأكثر من 150 الف عائلة لبنانية تستفيد من تحويلات المغتربين عبر الشركة، وهو رقم ارتفع بنسبة 10% عن العام 2020. اي ان نحو 15 الف عائلة جديدة بدأت تستفيد من مساعدات اقارب لها في الاغتراب ويمكن تفسير هذه الزيادة بأن العائلات الاضافية ربما تنتمي باغلبيتها الكاسحة الى الطبقة المتوسطة التي تدهورت مداخيلها وتأثر نمط حياتها بشكل جذري ما حتم عليها طلب معونة لم تكن بحاجة لها سابقاً. وتكشف احصاءات الشركة ان التحويلات المرسلة من الخارج زادت بنسبة 65% في الربع الاول من العام الجاري بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2020 لكن الزيادة الكبيرة في عدد التحويلات لم تترافق مع زيادة في قيمتها الفردية، حيث انخفض متوسط قيمة التحويلات المرسلة من الخارج في الربع الاول من العام الجاري الى 520 دولاراً مقابل 600 دولار عام 2020. واللافت في هذا السياق ان 50% من التحويلات عبر هذه الشركة تقل قيمتها عن 300 دولار اميركي فيما 4% من التحويلات تقل قيمها عن 50 دولارا اميركيا.  وتعد هذه الارقام ظاهرة جديدة بدأت منذ آخر شهرين من عام 2020.

ويفسر الخبراء الاقتصاديون سبب التراجع في قيمة التحويلات الى تراجع رواتب المغتربين والمخصصات التي كانوا يتقاضونها. فالكثيرون ممن مضى على هجرتهم سنوات طويلة يعملون في قطاعات تضررت بشدة بسبب وباء كورونا وخاصة قطاع الخدمات، ما ادى الى افلاس الكثير من الشركات او دفعها الى الاستغناء عن موظفين او تقليص رواتبهم. اما من هاجروا مؤخراً فقسم كبير منهم يرضون بعقود عمل غير عادلة ومجحفة فقط لحاجتهم للصمود. مفهوم الهجرة تغير من السعي لتأسيس حياة ومستقبل افضل الى مجرد البقاء على قيد الحياة.

الخطير في هذا الاطار هو ان التحويلات المتدنية القيمة والتي لا تزال تشكل فرقاً لمتلقيها مع استمرار الدعم وتسعير الكثير من الخدمات الاساسية على اساس "سعر الصرف الرسمي" قد تفقد قيمتها او لن تعود تشكل فارقاً يذكر في حال رفع الدعم وحصول اي قفزات جنونية في الاسعار، علماً ان الحسابات في هذا المجال دقيقة جداً وتختلف من عائلة الى اخرى وفق استهلاك ومصاريف كل منها. كذلك يجب الاخذ في الاعتبار حجم وقيمة التحويلات التي تصل عبر المصارف او باقي شركات تحويل الاموال لتكوين صورة دقيقة. الا ان الاكيد هو ان الامر مرتبط بمدى ارتفاع اسعار السلع والخدمات مقارنة بسعر صرف الدولار. ففي حال بقي سعر صرف الدولار اعلى يمكن ان "توفي" معهم ولكن ليس كما السابق.

 وتصل التحويلات عبر الشركة المشار اليها سابقاً من 156 دولة على رأسها استراليا والولايات المتحدة الاميركية ودول الخليج . وتعتبر الاموال الاتية من استراليا هي الاكبر من حيث القيمة تليها تلك المحولة من الولايات المتحدة ومن ثم من دول الخليج. واغلبية هذه التحويلات لا تتخطى قيمة الواحدة منها الـــ 2000 دولار اميركي. والبارز ان التحويلات التي تصل من اغلب دول العالم عبر الشركة تتوزع بشكل متفاوت الى حد كبير بين الاقضية اللبنانية حيث ان 81 في المئة من التحاويل تتوزع على 12 من اصل 26 قضاء (اي ما يمثل 76 في المئة من اللبنانيين): بيروت، بعبدا، طرابلس، المتن، صيدا، عاليه، صور، المنية- الضنية، الشوف، زحلة، كسروان وعكار. بمعنى آخر فإن 14 قضاء لا ينعمون بخيرات المغتربين كما الاقضية الــ 12 المذكورة اعلاه، اقله عبر الشركة نفسها. وفي مؤشر لافت ايضاً، فإن التحويلات بالدولار داخل لبنان ارتفعت من 5 في المئة العام الماضي الى 8 في المئة خلال العام الجاري، ما يعني ان جزءاً من الاموال التي تصل من الخارج يعاد توزيعها على الاقارب في داخل لبنان.