تفاصيل الخبر

"عيشِة كلب"

بقلم كوزيت كرم الأندري
12/05/2021
كوزيت كرم الأندري

كوزيت كرم الأندري

 أكتب من الإمارات العربية المتحدة. أكتب من حيث لم أسمع صوت زمّور سيارة في الشارع منذ وصولي إلى هنا، في زيارتي الرابعة للبلاد قبل عشرة أيام. أكتب من حيث لم أرَ أحداً ينفعل أو يصرخ أو يشتم أو يتشاجر مع أحد من وراء مِقود السيارة. أكتب من حيث لم أسمع أحداً يتكلم بصوتٍ مرتفع في الشارع أو المتجر أو المطعم. أكتب من حيث لم أرَ نُفاية واحدة في غير مكانها. أكتب من مبنىً يقطنه أكثر من مئة شخص من مختلف الجنسيات، ولم أسمع همس – همس – أحدهم، لا في الليل ولا في النهار.

 أكتب من بلاد الهدوء. والانضباط. والأمن. والأمان. والتعامل اللّبق المهذّب.  أكتب من الإمارات العربية المتحدة وأفكّر، بحسرة، في الولايات غير المتحدة اللبنانية. أكتب متحسّرة على العمر الضائع... والأعصاب المُتلفة... والصحّة المدمّرة... أكتب عن "سويسرا الشرق"، وعن "اللبناني اللّي بيبرع وين ما كان"، وأضحك على ادّعائنا وعلى ثقتنا في أنفسنا المُبالغ بها!

 وطنُ المرء حيث يجد الطمأنينة. تلك هي الحقيقة الوحيدة. الباقي كلّه "تصُفصُف حكي" وشِعر (مع احترامي للشعر وشغفي به). صحيح، كما يُقال بالفرنسية، Qui ne fait pas partie de la guerre ne fera pas partie de la paix (من لا يشارك في الحرب لن ينعم بالسّلم). عال. شاركنا. وشاركنا. وشاركنا. ودفعنا الثمن باهظاً. من صحّتنا. وأعصابنا. وراحتنا. وطمأنينتنا. وكرامتنا... وبعدين؟؟ ماذا بعد؟؟ هل علينا أن ندفع ما تبقّى من عمرنا لكي نقدّم شهادةً بالانتماء إلى الوطن؟ هل علينا أن "نتبهدل" ونُذَلّ، يومياً، ليقال إننا "شاركنا في المعركة"؟؟ لا أريدها هذه المعركة. لم تعد معركتي! Il faut savoir choisir ses combats (على المرء أن يُحسن اختيار معاركه)، ولبنان ليس معركتي الآن. لم يعد لبنان معركتي. معركتي الأولى والأخيرة باتت طمأنينتي. أمني. صحّتي. احترام حقوقي. أمان ولدَي ومستقبلهما. فهل يجب أن أضحّي بالبديهي لكي أُختَم بختم "المواطنة المُخلصة"؟؟ وهل عليّ أن أفرض على ولدَي "عيشِة كلب" ليقال إنني أُم صالحة، زرعَت في أعماق طفلَيها حُب الوطن؟؟ هل عليّ أن أتجرّع السُمّ في بلاد الأرز، وباستمرار، لكي أجسّد خرافة "كلّنا للوطن"؟؟ 

 لا. أعتذر. لبنان لم يعد قضيتي. فقد استنزفتني هذه البلاد، إ س ت ن ز ف ت ن ي ولم تُعطِني شيئاً في المقابل. لا شيء على الإطلاق. لا شيء سوى العواطف الجيّاشة والوجدانيات في مسرحيات الرحابنة وأغاني فيروز. فقد أصابتني، هذه البلاد، بمتلازمة خطيرة اكتشفتها حين ابتعدت عنها: متلازمة "ما بِحِقّلي إرتاح"، حتى بُتُّ، في لحظات الراحة النفسية، هنا، أنظر حولي مستغربة لأتذكر "شو اللي معَصّبني؟ لأن مش معقول ما كون معصّبة من شي!". تخيّلوا! تخيّلوا أن حالة الضغط النفسي، أياً تكن أسبابها وهي لا تُعَد في بيروت، باتت هي الدّلالة على أنني موجودة، وكأن مقولة ديكارت تبدّلت لتصبح Je m’énerve, donc je suis  (أنا أغضب، إذا أنا موجودة). لا بل بتُّ أشعر... بالذنب!! والله إنني أشعر بالذنب في لحظات الراحة تلك، وكأن "ما بحقّلي إرتاح". فقد تبرمجت على العذاب في لبنان، حتى تحوّل إلى قدرٍ... خِلته حتميّاً! 

 لم يعد لبنان قضيّتي، وكذا هو الجدل البيزنطي حول ما إذا كانت المشكلة تكمن في الحُكام الفاسدين، أم في الشعب نفسه. لم يعد يهمّني مصدر المشكلة. النتيجة واحدة: "عيشِة كلب". أما جماعة الـ Think positive (فكّر بإيجابية)، و"ما في متل لبنان" و"أحلى بلد لبنان" (أجزم أن معظم هؤلاء لم يضعوا أقدامهم في الطائرة يوماً ليرَوا ماذا هناك خارج لبنان، قبل التنظير العبيط إذا في متلو أو لأ)، لهؤلاء أقول: أتمنى لكم أن تتفوّقوا، يوماً ما، على متلازمة "ما بِحِقّلّي إرتاح" كما أسعى أنا، جاهدةً، للتفوّق عليها. فهل أنتصر؟ لِنَدع الأيام تحكم...