تفاصيل الخبر

واشنطن تتحمل مسؤولية توقف مفاوضات الترسيم لأن وفدها انحاز الى الطرح الإسرائيلي المرفوض لبنانياً!

12/05/2021
الرئيس ميشال عون يترأس في قصر بعبدا اجتماعاً يضم قائد الجيش العماد جوزف عون والوفد اللبناني المفاوض لترسيم الحدود البحرية برئاسة العميد الطيار بسام ياسين.

الرئيس ميشال عون يترأس في قصر بعبدا اجتماعاً يضم قائد الجيش العماد جوزف عون والوفد اللبناني المفاوض لترسيم الحدود البحرية برئاسة العميد الطيار بسام ياسين.


 يبدو ان ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية الذي كان يعول ان يسلك طريقه ولو بحذر، قد دخل من جديد في عالم الانتظار غير المحدد بزمان او مكان، ذلك ان جولة المفاوضات غير المباشرة التي عقدت في الناقورة الاسبوع الماضي بعد طول انقطاع، لم تحمل جديداً بل كانت سبباً لتوقف المفاوضات الى اشعار آخر، الامر الذي سيبقي الوضع على حاله، الا اذا قرر الوسيط الاميركي ان يكون وسيطاً بالفعل وليس طرفاً يعمل لصالح اسرائيل. لقد ذهب الوفد اللبناني الى الناقورة حاملاً معه استعدادات عملية للدخول في التفاوض الجدي بعدما انكشفت كل الاوراق، وكانت التوجيهات التي اعطيت له بان يكون "مرناً" من دون ان تكون هذه المرونة على حساب الثوابت والمبادىء التي انطلقت منها الخيارات اللبنانية في مقاربة هذا الملف. لكن رياح التفاوض لم تجر كما كان يشتهي الوفد اللبناني على رغم ان الاميركيين كانوا اوحوا للمسؤولين اللبنانيين بأنهم لن يدعوا عملية التفاوض تتعثر وستكون لهم مواقف مساعدة لابقاء الحوار غير المباشر قائماً.

 في الاجتماع الذي عقد في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عشية معاودة المفاوضات، والذي حضره قائد الجيش العماد جوزف عون والوفد المفاوض برئاسة العميد الطيار بسام ياسين، كانت الصورة واضحة امام الجانب اللبناني من ناحية ان الجانب الاميركي الذي حرك المفاوضات من جديد وأوفد السفير جون دوروشيه ليرأس الفريق الاميركي، عازم على الوصول الى نتائج عملية وفق الحديث الذي كان دار بين الرئيس عون ومساعد وزير الخارجية الاميركية للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل الذي زار بيروت على مدى ثلاثة ايام. في ذلك الاجتماع اكد الرئيس عون رغبة لبنان في معاودة المفاوضات التي كانت توقفت في كانون الاول (ديسمبر) بعد رفض الجانب الاسرائيلي القبول بالخط رقم 29 الذي طرحه لبنان لترسيم الحدود البحرية. يومها قال هيل ان بلاده ستعمل على تجنب حصول اي ثغرات تعرقل العملية التفاوضية في مقابل تجاوب لبنان في ان يتم البحث بمرونة وسلاسة من دون تشنجات تعرقل المسار التفاوضي. وبعد زيارة هيل كانت الاتصالات بين بيروت وواشنطن مركزة على معاودة المفاوضات بتوافق على طرح الافكار والاقتراحات ومناقشتها.

ذهب الوفد اللبناني الى الناقورة، وهو يدرك ان قبول الاسرائيليين بالخط 29 سيكون صعباً، كذلك ادرك الاسرائيليون ان قبول اللبنانيين بالخط الاسرائيلي او الخط المعروف بــ "خط هوف" ليس وارداً، وكان السيناريو الذي اوحى الاميركيون بامكانية الانطلاق منه، يقوم على ان يطرح كل فريق وجهة نظره ويدافع عنها، على ان تكون الجولة التالية، في اليوم الثاني، المدخل للبحث في ما يمكن اعتباره افكاراً يمكن ان تؤدي الى حل معين. كان الوفد اللبناني مقتنعاً بضرورة البحث تحت عنوان الحفاظ على حدود الحقل الذي سمي حقل قانا في البلوك رقم 9، ما يعني عدم القبول بخط "هوف" الذي قسم المساحة المتنازع عليها بنسبة 55 في المئة للبنان و45 في المئة لاسرائيل. مع العلم بأن امكانية وجود حقول متصلة تحت المياه تبقى واردة ويتم التعامل معها وفقاً للقوانين الدولية. اما فكرة الاستعانة بالخبراء الدوليين فلم يكن الوفد اللبناني المفاوض متحمساً لها لان كل فريق يمكن ان يأتي بخبراء يضعون تقارير لمصلحته وهذا ما يحصل عادة في الحالات المماثلة، اي ان الامور ستبقى معلقة. ولاجل الوصول الى انطلاقة مقبولة للتفاوض كان الوفد اللبناني جاهزاً لاعتبار ان التفاوض يتم بين حدي الخط واحد الذي يدعي الجانب الاسرائيلي انه صحيح، والخط 29 الذي يعتبره لبنان من ضمن حقه السيادي، بين هذين الخطين كان يفترض ان تتم "لعبة" التفاوض من خلال تقديم طروحات يصار الى مناقشتها واسقاط الطرح تلو الاخر للوصول الى الطرح النهائي. 

 كان الرهان كبيراً على دور الوسيط الاميركي كي يلعب دوره خصوصاً ان اسرائيل اوحت من خلال مواقفها انها راغبة بالتوصل الى حل لأنها تستعد لبدء استخراج النفط والغاز من حقل "كاريش" وان الشركة اليونانية التي رسا عليها الالتزام تنتظر والموعد المبدئي كان في الاول من حزيران (يونيو) المقبل.

انفتاح لبناني.... وتشدد اميركي!

باختصار، كانت التوجهات اللبنانية الغوص في التفاصيل ومقارعة الحجة بالحجة، والخريطة بالخريطة، والاحداثيات بالاحداثيات، اي ان يكون التفاوض جدياً لأن ما دار في الاجتماعات السابقة قبل تعليق المفاوضات في كانون الاول (ديسمبر) الماضي لم يكن يوحي بأن ثمة نية بالوصول الى حل عادل لهذا الملف الشائك. وقبل بدء الاجتماع كان لقاء بين السفير دوروشيه ورئيس الوفد اللبناني العميد ياسين الذي اكد على ان وفده "منفتح" للنقاش وان الهدف الوصول الى "الحل المنصف" لافتاً الى ان لبنان يعلق اهمية على الدور الاميركي الوسيط وفقاً لما تم الاتفاق عليه قبل بدء المفاوضات في تشرين الاول (اكتوبر) 2020 . بدا دوروشيه متفهماً لكلام العميد ياسين ما اوحى بأن المفاوضات قد تسلك طريقها بسلاسة. الا ان رئيس الوفد الاميركي طلب ان يبقى البحث محصوراً بما بين الخطين (الاسرائيلي) و23 الذي كان لبنان ارسل احداثيات الى الامم المتحدة في العام 2011، اي في المساحة البالغة 860 كيلومتراً مربعاً. وبديهي ان تكون ردة الفعل اللبنانية مستغربة اذ ان الاتفاق مع الاميركيين قبل معاودة المفاوضات كان ان لا شروط مسبقة للتفاوض، وان كل الافكار مطروحة للبحث لاسيما ما يمكن وصفه بــ "الافكار الخلاقة".... لم يجب السفير دوروشيه على ردة فعل رئيس الوفد اللبناني، وانتقل الجميع الى الاجتماع في جلسة اولى قبل الظهر، على ان تليها جلسة ثانية بعد الظهر. بدأت الجلسة بتقديم الجانب اللبناني عرضه المعزز بالوقائع والارقام والخرائط، ثم رد الجانب الاسرائيلي بعرض مماثل اظهر نقاط الخلاف من جديد، الامر الذي دفع دوروشيه الى لقاء كل رئيس وفد على حدة للاشارة الى التباعد في الموقفين اللبناني والاسرائيلي. رد الجانب اللبناني كان ان هذا التباعد يشكل مادة للنقاش لاسيما وان المفاوضات وجدت من اجل البحث في تقريب المسافات، ولبنان منفتح على النقاش الموضوعي والهادىء، لكن ردة الفعل الاميركية لم تكن مقنعة اذ اعتبر دوروشيه ان استمرار التباعد في المواقف سيجعل العملية التفاوضية تأخذ وقتا طويلا، مصرا على حصر البحث بمساحة 860 كيلومترا مربعا، الامر الذي لا يقبل به لبنان لاسيما وان التوجيهات الرئاسية التي اعطيت للوفد المفاوض كانت واضحة لهذه المسألة بالذات. ودار نقاش بين العميد ياسين والسفير دوروشيه اظهر خلاله رئيس الوفد اللبناني كل استعداد للبحث سعياً الى ايجاد قواسم مشتركة تنقذ المفاوضات وتضمن حصول كل فريق على حقوقه اذا ما وجدت تحت المياه حقول مشتركة او متداخلة تتم معالجتها وفقاً للقوانين الدولية.


لبنان رفض الشروط المسبقة

لم يلق الطلب اللبناني المنفتح اذاناً اميركية صاغية بل اصرار على حصر التفاوض بالمساحة 860 كيلومتراً مربعاً، الامر الذي " فرمل" الاندفاعة التفاوضية المنفتحة التي ذهب بها الوفد اللبناني الى الناقورة. وعلى دفع كلمات اميركية بضرورة تغيير الجانب اللبناني لموقفه والقبول بالتفاوض حول المساحة 860 كيلومتراً مربعاً، غادر الوفد اللبناني الناقورة عائداً الى بيروت والتقى الرئيس عون شارحاً له مفصلاً ما حصل لاسيما وان الجانب الاميركي تريث في تأكيد موعد الاجتماع الثاني الذي كان مقرراً في اليوم التالي مع "التمريرة" بأن عدم تبديل الموقف اللبناني يسقط الحاجة الى الاجتماع! وفي بعبدا كان موقف الرئيس عون واضحاً ان اي تفاوض تحت شروط مسبقة لا يقبل به لبنان، وان حصر البحث بالمساحة 860 كيلومترا مربعا لا يعتبر لبنان انه يحقق الحل المنصف والعادل الذي يسعى اليه، وكان القرار بعدم التوجه الى الناقورة في اليوم التالي ريثما تكون الاتصالات مع الجانب الاميركي قد اسفرت عن معطيات جديدة يكون فيها وسيطا فعليا كما اريد له في مستهل المفاوضات في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، لا ان يكون طرفاً ويضع شروطاً مسبقة لاسيما وان مفهوم الوسيط هو تقديم مقترحات قابلة للنقاش.

 لقد بدا واضحاً ان الفريق الاميركي يلتقي مع الفريق الاسرائيلي في التمسك بالاحداثيات المرسلة من الحكومة اللبنانية العام 2011 الى الامم المتحدة، وكذلك بتلك التي ارسلتها اسرائيل في ما يعرف بالخط رقم 1، وان لا نية لدى الطرفين بالاعتراف بالاحداثيات الجديدة التي قدمها الوفد اللبناني في ما يعرف بالخط 29، على رغم ان هذا الخط قدم على اساس انه خط للتفاوض لان الرئيس عون لم يوقع المرسوم المعدل للمرسوم 6433 الصادر العام 2011، افساحاً في المجال لإعطاء المفاوضات مداها من دون وجود عوامل يتخذ منها الفريق الاسرائيلي ومعه الفريق الاميركي ذريعة لتعطيل المفاوضات، علما ان الاحداثيات التي ترسم الخط 29 جاهزة وموثقة ويمكن للبنان في اي لحظة "شرعنتها" بموجب كتاب الى الامم المتحدة يصحح الكتاب الذي ارسل استناداً الى المرسوم 6433 الانف الذكر.

في اي حال، المفاوضات توقفت في انتظار ان يقرر الجانب الاميركي ان يكون وسيطاً عادلاً يؤمن الوصول الى حل منصف. اما في الجانب الاسرائيلي فكان التركيز واضحاً على ان الموقف اللبناني هو الذي يمنع استمرار المفاوضات ويجعلها بلا جدوى ما يحرم لبنان - وفقاً للطرح الاسرائيلي - من الفائدة الاقتصادية التي يمكن ان تنتج من المفاوضات في حال التوصل الى اتفاق مع اسرائيل على الترسيم. وادعت اسرائيل في حملتها الاعلامية التي تلت توقف المفاوضات ان تركيز الوفد اللبناني على الخط الحدودي الجديد في اتجاه الجنوب (الخط 29) من المنطقة المتنازع عليها لا يسمح للمفاوضات بالاستمرار وهي وصلت الى "طريق مسدود" ... وحرضت وسائل الاعلام الاسرائيلية على ممارسة الضغط على لبنان بحجة انه سيخسر امكانية الاستفادة من الثروة الغازية والنفطية وهو في اشد الحاجة الى تفعيل اقتصاده المنهار. وقالت مصادر وزارة الطاقة الاسرائيلية ان تل ابيب تنتظر ما سيفعله الجانب الاميركي لازالة "العراقيل" اللبنانية، علماً انها - اي تل ابيب - مستعدة لتقديم "تنازلات" داخل المنطقة المتنازع عليها بين الجانبين!.