تفاصيل الخبر

هل ترصد إحصاءات الحسابات المصرفية حركة هروب الأموال الى الخارج؟

12/05/2021
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.


 في أي موضوع يتصل بعمل المصارف اللبنانية وظروفها بعد الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان، تطرح علامات استفهام كثيرة حول مصير هذا القطاع الذي كان يعتبر في ما مضى اساس النظام الاقتصادي الحر في لبنان، لكنه تحول منذ 17 تشرين الاول (اكتوبر) 2019 الى عبء على الاقتصاد اللبناني نتيجة توقف المصارف عن اعطاء المودعين لاجزاء من ودائعهم، ووقف التعامل بالدولار "لعدم توافر السيولة" - كما تقول المصارف- والاستعاضة عن الورقة الخضراء بالليرة اللبنانية، علماً ان حتى سحب المودعين بالليرة اللبنانية لودائعهم متعذر ويتم اعطاؤهم بــ"القطارة " بحجة ان لا سيولة نقدية لبنانية كافية.

 في الورقة الاصلاحية التي اقرتها حكومة الرئيس حسان دياب ولم تنفذ منها شيئاً بعد، اشارة واضحة في خطة النهوض الاقتصادي، الى ضرورة اعادة هيكلة المصارف، ودمج بعضها، كما اعتمد حاكم مصرف لبنان اجراءات محددة لزيادة رساميل المصارف تجاوب معها العدد الاكبر منها، واستأخر البعض الاخر التجاوب في انتظار تأمين المبالغ المطلوبة داخل لبنان وخارجه. وفي هذا السياق، تقول مصادر مصرفية متابعة ان التعاون القائم بين المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة يساعد "على تفهم" وضع المصارف، وان كان سلامة يبدو متشدداً اكثر من اي مرة اخرى في "تصحيح" الواقع الذي تعيشه المصارف اللبنانية التي يحملها اللبنانيون وزر ما يحصل في هذا القطاع من ممارسات تحيط حول الكثير منها علامات الاستفهام والشكوك في صوابية الاجراءات التي تتخذها المصارف في التعامل مع زبائنها من جهة، والدولة من جهة اخرى.

 الأسبوع الماضي، سادت ضجة قوية في الوسط المصرفي، بعد طلب الحاكم سلامة من كل المصارف العاملة في لبنان ضمن تعميم حمل الرقم 939، تزويد المصرف المركزي خلال مهلة اقصاها 17 ايار (مايو) الجاري، بأرصدة ودائع الزبائن لديها بالليرة اللبنانية وبالعملات الاجنبية، كما كانت في 31 /10/2019، وأرصدة الحسابات ذاتها كما اصبحت في 31/3/2021، بحيث لا تشمل الحسابات في 31/3\2021 اية حسابات مفتوحة بعد تاريخ 31/10/2019، واية اموال في جديدة fresh accounts في الحسابات القائمة. كذلك طلب التعميم تزويد المصرف بأرصدة ودائع الزبائن لديها بالليرة اللبنانية وبالعملات الاجنبية كما في 31/12/2015 و 31/3/2021 على ان تشمل ايضاً كل الحسابات القائمة لدى المصرف في التاريخين المشار اليهما، باستثناء الاموال الجديدة  fresh accounts.

تساؤلات وإيضاحات

 تعميم الحاكم سلامة، أثار تساؤلات كثيرة حول ما اذا كان يدخل في صلب اعادة هيكلة المصارف وتحديد كميات الاموال المهربة واصحابها وغيرها مع التحليلات والتكهنات لاسيما وان الاجراء تزامن مع حديث متزايد حول المصارف ودورها في الازمة الاقتصادية والمالية، وحول تحرك دول معينة لمعرفة الوضع المالي في لبنان، واضافة الى الحملة التي تستهدف حاكم مصرف لبنان بعد سلسلة الدعاوى التي رفعت ضده في سويسرا وبريطانيا وفرنسا. الا ان مصادر مطلعة دعت الى عدم اعطاء هذا التعميم اكثر من حجمه كونه ليس جديداً فهو كان يصدر عن لجنة الرقابة على المصارف بهدف اعداد الاحصاءات اللازمة والدورية حول ارصدة الودائع في المصارف، لكن هذه المرة تولى الحاكم سلامة طلب هذه المعلومات مباشرة من المصارف من دون المرور بلجنة الرقابة عليها.

 ولفتت المصادر الى تضمين التعميم المذكور توقيتين مختلفين 31-12-2015 و 31-10-2019 ويقصد سلامة من ذلك محاولته اثبات كيف كان حجم الودائع في العام 2015 قبل الهندسات المالية، وكم اصبح في 31-3-2021، وكذلك الامر بالنسبة الى العام 2019 وكم بلغ في آذار 2021. وتضيف من هنا الغرض من هذا الطلب، كيفية انتقال هذه الارصدة والتأكد هل فعلاً ما حصل من هروب للودائع هو لتلك الكبيرة منها ام لكامل الودائع اي من ضمنها الصغيرة ايضا؟ وما مدى حجم الودائع الصغيرة التي تم اخراجها من المصارف، خصوصاً انه سبق لحاكم البنك المركزي ان اصدر قراراً سمح فيه للمودعين بسحب ودائعهم وفق سعر صرف 3900 ليرة للدولار الاميركي، وهنا اقفلت حسابات مصرفية كثيرة، واخرج منها ما يسمى بالـــ  fresh money وفي حال قصد سلامة من التعميم الاخير كل الحسابات الجديدة التي تم سحبها، فتكون الاحصاءات مغلوطة، لان هناك عددا كبيرا من المودعين وزعوا حساباتهم على مصرفين او ثلاثة. لذلك استثنى حاكم مصرف لبنان في تعميمه الاموال الجديدة fresh accounts وتعتقد المصادر نفسها ان الغرض من قرار سلامة الاخير هو احصائي بحت يعطي دلالة واضحة الى كيفية حركة الحسابات بنتيجة الهندسات المالية في الدرجة الاولى، ثم تداعيات ازمة 17 تشرين الاول 2019، مرجحة ان تبقى نتائج الاحصاءات في الفترة الراهنة، تظهر ما يفوق الــــ 500 الف دولار  بما يوازي تقريبا 65 او 60 في المئة من حجم الحسابات، اما عدد اصحاب الودائع التي ما دون الـــ 500 الف  دولار فهو اكثر بكثير ممن يملكون ارصدة تفوق هذا السقف. ما يشير الى ان التمركز في المصارف ليس كما يتصوره البعض، وكأن هروب الاموال يأتي فقط من قبل كبار المودعين، الامر الذي يؤكد ان هناك مودعين كباراً لا تزال اموالهم عالقة في المصارف حتى اليوم، على سبيل المثال هناك 85 حساباً بقيمة 10 مليارات دولار لا تزال عالقة، اي معدل الوديعة الواحدة  120 مليون دولار.

 وعن مدى ارتباط هذا التدبير بمسألة استحداث المنصة الالكترونية، تنفي المصادر ذلك موضحة ان المنصة ترصد حركة سوق القطع وليس سوق الودائع، وبالتالي ان تمويل المنصة من "النقدي" cash  وليس من الودائع، اي سيؤمن مصرف لبنان جزءاً بسيطاً من التمويل والجزء الاخر من التجار. 

 وفي اعتقاد المصادر نفسها انه لا توجد اي منصة تنظم حركة سوق القطع، الا اذا تم ضخ دولارات فيها بصورة متواصلة، فهل مصرف لبنان مستعد لذلك من الاحتياطي الالزامي، وهل ان ذلك سيقضي على السوق السوداء؟ تبدي المصادر المصرفية شكها بذلك مكتفية بانتظار مدى تجاوب المصارف مع طلب الحاكم لتوفير المعطيات المطلوبة والتي هدف اليها سلامة من خلال تعميمه.