تفاصيل الخبر

سباق بين رفع الدعم والبطاقة التمويلية ومجلس الوزراء معبر إلزامي قبل مجلس النواب!

12/05/2021
الرئيسان ميشال عون وحسان دياب.

الرئيسان ميشال عون وحسان دياب.


 في لبنان تتناسل الأزمات، الواحدة تلو الأخرى، في ظل أوضاع اقتصادية ومالية مضطربة، وظروف سياسية غامضة، وأحوال اجتماعية متدحرجـــة.. وسط كل هذه المعطيات السلبية، برز الخلاف حول موضوع رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية الاساسية الذي يهدد بانفجار اجتماعي واسع النطاق، وبعودة الحركات الشعبية المعترضة على ما آلت اليه الاوضاع. كل ذلك في ظل مواقف متناقضة يبرز فيها موقف رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب الرافض لرفع الدعم قبل اقرار البطاقة التمويلية التي ستخصص لمساعدة الاسر اللبنانية الاكثر فقراً. في المقابل يؤكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة انه ليس في وارد الاستمرار في الدعم لأن لا مال لدى مصرف لبنان الا الاحتياطي الالزامي العائد الى اموال المودعين في المصارف اللبنانية. الرئيس دياب مصر على موقفه، والحاكم يقول انه يتعرض لضغوط ليخرق قانون النقد والتسليف الذي يقول دياب انه سبق ان خرق اكثر من مرة مع استعمال الاحتياطي الالزامي. وفي آخر زيارة له الى قصر بعبدا الاسبوع الماضي قال دياب للرئيس ميشال عون ان موقفه ثابت وان ترشيد الدعم لن يحصل الا بموجب الموافقة على البطاقة التمويلية التي ستصل الى 75 في المئة من الشعب اللبناني، علماً ان بعض الدراسات التي اجريت مؤخراً تفيد ان مدخول 76 في المئة من العائلات في المجتمع اللبناني يقل عن ثلاثة ملايين و200 الف ليرة لبنانية وهذا هو الحد الادنى الذي تحتاجه العائلة كي تعيش وبالتالي - اضاف دياب - ان البطاقة ستقدم الى 750 الف عائلة.

وكشف دياب ان "فاتورة البطاقة التمويلية ستقارب المليار دولار"، موضحاً انه "سيتم تحديد مبلغ البطاقة التمويلية التي ستتراوح بين مليون كحد ادنى و3 كحد اقصى، وذلك بحسب عدد افراد العائلة" معتبراً انه يجب ان يكون هناك توافق سياسي وان قانون استحداث البطاقة سيرسل الى مجلس النواب لانه الجهة المسؤولة عن اقرار مشروع القانون المتعلق بترشيد الدعم والبطاقة التمويلية والذي سترسله الحكومة فور الانتهاء من وضع السيناريو الافضل. وخلال اللقاء في بعبدا، اكد دياب انه كلما سرع مجلس النواب بالبت بالقانون، كلما تم تسريع العمل بالبطاقة التي تتطلب بدورها التعاون بين القطاع المصرفي ومصرف لبنان والوزارات المختصة، اي نحو شهر ونصف الشهر على التطبيق. اما عن مشكلة التمويل فكلام دياب هو عن "سعي" لتأمين ذلك من مصادر خارجية ومنها زيارته الى قطر التي كان هدفها طرح هذا الملف كفكرة لدعم لبنان، وهو يتحدث عن "تجاوب" قطري مع طلبه من دون ان يحدد قيمة المساعدة القطرية، مع الاشارة الى انه لم يصدر عن الدوحة اي موقف رسمي ونهائي حول هذه المسألة بعد.

ولا يخفي دياب الخلاف الحاصل مع حاكم مصرف لبنان حول مسألة استعمال احتياطي الصرف لتمويل البطاقة اذ هو يشدد على ان على مصرف لبنان المساهمة في البطاقة التمويلية في حال لم تأت المساهمة من الخارج، كاشفاً انه تناقش مع سلامة في هذا الموضوع، علما انه سبق ان انخفض الاحتياطي الالزامي في العام 2002 الى اقل من مليار دولار، فكيف كان الامر ممكناً في ذلك الوقت واليوم في ظل الزلزال السياسي والمالي والاقتصادي و"التسونامي" الاجتماعي لا يمكن النزول الى اقل من 15 مليار دولار هو حجم الاحتياطي الباقي في مصرف لبنان.

وجهة نظر معارضة

في المقابل، ثمة رأي آخر يعكسه معارضو تمويل البطاقة بما تبقى من اموال المودعين في المصرف المركزي اذ يقول مصدر نيابي معارض ان اقتراح دياب هو محاولة للهروب الى الامام، وسأل: كيف يوفق بين حرصه على حماية المودعين من جهة وبين اصراره على التفريط بودائعهم في خطوة غير مدروسة ومحفوفة بالمخاطر، وان كان توخى منها الكسب الشعبي، وقال ان اقتراحه سيصطدم بمعارضة معظم الوزراء الاعضاء في اللجنة المولجة بإعداد البطاقة التموينية النيابية في حال تقرر طرحه على الهيئة العامة في البرلمان لمناقشتها واقرارها.

واعتبر المصدر نفسه ان دياب اقحم نفسه في مزايدة شعبوية، آخذاً بعين الاعتبار ان حكومته المستقيلة ستبقى تقوم بتصريف الاعمال ولن تذهب الا مع "العهد القوي" فور انتهاء الولاية الرئاسية للرئيس ميشال عون انطلاقاً من تقديره بأن حكومة مهمة لن تولد في المدى المنظور، الا اذا حصل اي اختراق يعيد الاعتبار للمبادرة الفرنسية لانقاذ لبنان ويفتح الباب مجددا امام تحريك مشاورات التأليف بضغط فرنسي.

وسأل كيف يجيز دياب لنفسه من خلال تجزئة رفع الدعم بدءاً بترشيده بأن تحصل الاسرة اللبنانية الاكثر فقراً على مساعدة مالية شهرية بالدولار، فيما تمتنع المصارف اللبنانية عن تأمين الدولار للمودعين الذين يشكون من اقتطاع ودائعهم بعدما تراجعت قدرتها الشرائية اكثر من 70 في المئة من قيمتها؟ كما سأل دياب: بأي حق تؤمن التكلفة المالية بالعملة الصعبة لتمويل البطاقة التموينية من الاحتياطي في مصرف لبنان وبما تبقى من "اللحم الحي" للمودعين في المصارف بدلاً من التوجه الى صندوق النقد الدولي للتفاوض معه؟ خصوصاً ان القيمين عليه يلاحقون اصحاب الشأن في الحكومة المستقيلة لمعاودة المفاوضات التي كانت توقفت منذ فترة طويلة، خصوصاً ان القرض الذي حصل عليه لبنان من البنك الدولي لا يكفي لتأمين تمويل البطاقة التموينية، مع ان إعداد اللوائح الخاصة بالمستفيدين منها لن ينتهي على الاقل في المدى المنظور.

وأكد ان الحكومة المستقيلة لم تنجز حتى الساعة مشروع قانون موازنة العام الحالي لاحالته الى البرلمان للتصديق عليه، مع ان المشروع كما اعد حالياً يحمل ارقاماً مالية منفوخة بخلاف الواقع المالي الحالي لخزينة الدولة، وقال ان الحل الافضل لتأمين تمويل البطاقة التموينية يكون في الاسراع بتشكيل الحكومة العتيدة.

واضاف المصدر ان تشكيل حكومة بأي ثمن لن يفي بالغرض المطلوب لأنه سيعيق استعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان. وبالتالي لن تشكل الممر الالزامي للحصول على مساعدات مالية واقتصادية تؤمن للبنان الانتقال من مرحلة التأزم التي اقتربت من سقوط الدولة في حالة من الفوضى التي يمكن ان تدفع باتجاه "تشريع" الفلتان على كل المستويات.

وفيما تتزايد ردود الفعل السلبية على موضوع رفع الدعم والبطاقة التمويلية البديلة من حيث آلية اقرارها، رأت مصادر اقتصادية ان طرح دياب سوف يفتح الباب على مصراعيه امام المضاربات المالية التي ستفقد الليرة اللبنانية ما تبقى من قدرتها الشرائية في ظل الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار. في المقابل ثمة من رأى في طرح دياب "حشر" المعنيين بتشكيل الحكومة لدفعهم الى تبادل تقديم التنازلات لتأمين ولادتها لتستعيد من حكومته المستقيلة "كرة النار" ام انه بات على يقين بأن حكومته باقية وانه لا حل الا بالاستعانة بالاحتياطي لتمويل البطاقة التموينية مراهناً على ان مجلس النواب سيتراجع تحت ضغط الاسر اللبنانية الاشد فقراً، علماً ان تعثر ايجاد البديل لتمويلها الا بالاعتماد على "المركزي" سيلحق الضرر بسمعة لبنان المالية عالمياً وعربياً مع ان مصداقيته في هذا المجال قد اهتزت لدى امتناعه عن تسديد سندات "اليوروبوند" المستحقة على الدولة اللبنانية.

عون: مجلس الوزراء أولاً

وسط هذا التجاذب برزت مشكلة اخرى قد تكون لها مضاعفات سياسية ايضا، وهي اصرار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على ان يتم اقرار البطاقة التمويلية واستطراداً رفع الدعم في مجلس الوزراء مجتمعاً وليس من خلال "الموافقة الاستثنائية" كما يريد دياب الذي لا يزال يرفض عقد اي جلسة لمجلس الوزراء في ظل تصريف الاعمال متمسكاً برأيه بأنها مخالفة للدستور، علماً ان هناك سابقة حصلت في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في عهد الرئيس ميشال سليمان تكررت مرتين. وينطلق الرئيس عون في موقفه من ان خطوة من هذا النوع تحتاج الى إجماع وطني ينطلق من الحكومة الى مجلس النواب حيث يتكرس من خلال القانون الذي سترسله الحكومة بعد جلسة مكتملة الاوصاف، لاسيما وان هذا الملف الحساس له انعكاسات شعبية على الارض وسط خشية من تجدد التظاهرات الشعبية الرافضة للاوضاع المعيشية، ما يعني ان "التحصين" السياسي واجب لأي قرار له صلة بلقمة الناس وموارد رزقهم التي تتراجع يوماً بعد يوم في ظل غلاء مستشر من دون حسيب او رقيب....فأين سيكون مصير البطاقة التمويلية ورفع الدعم في مجلس الوزراء او مجلس النواب، او في المجلسين معاً؟ 

إن غداً لناظره قريب!