تفاصيل الخبر

مجلس القضاء الأعلى ينضم بعد 20 أيار الى قافلة المؤسسات المشلولـــة!

05/05/2021
مجلس القضاء الأعلى تنتهي ولايته بعد 20 الجاري مع انتهاء ولاية الأعضاء السبعة غير الحكميين.

مجلس القضاء الأعلى تنتهي ولايته بعد 20 الجاري مع انتهاء ولاية الأعضاء السبعة غير الحكميين.


 لا يختلف اثنان على أن ما يحصل راهناً داخل السلطة القضائية، وهي السلطة الثالثة في البلاد بعد السلطتين التشريعية والتنفيذية، ليس بالأمر الطبيعي، بل يرتقي الى مستوى "الفضيحــــة" التي تطاول سلطة يفترض انها فوق كل التجاذبات السياسية لأنها تصدر احكامها باسم الشعب اللبناني وهي محصنة بالقانون والأنظمة المرعية الاجراء. قد يكون الخلاف الذي وقع بين المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات والمدعي العام في جبل لبنان القاضية غادة عون هو السبب المباشر للبلبلة التي تسود الجسم القضائي حالياً بعد سلسلة مواجهات بين القاضيين عويدات وعون وخلافات حول الصلاحيات، الا ان تداعيات ما يجري انعكست سياسياً وبدا ان خلف الاكمة ما وراءها من "تصفية" للحسابات بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يدعم القاضية عون (وهو أساساً من شجع على تعيينها في جبل لبنان) وبين فريق الرئيس سعد الحريري الذي يدعم القاضي عويدات الذي عين مدعيا عاما في حكومة الرئيس الحريري وبتزكية منه. ولعل دخول مجلس القضاء الأعلى على خط الخلاف بين عويدات وعون ووقوفه الى جانب المدعي العام التمييزي (الذي هو نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى) في قراره بإعادة توزيع مهمات القاضية عون وطلبه الامتثال له، ثم دعوتها الى المثول امام هيئة التفتيش القضائي، شكل عاملا إضافيا زاد الأمور تعقيدا في الجسم القضائي الذي برزت فيه "انقسامات" في مواقف القضاة، بين من ايد تدابير مجلس القضاء الأعلى والقاضي عويدات، وبين من ايد مواقف القاضية عون التي خرجت عن صمتها مرارا لتدافع عن نفسها سواء في الإجراءات التي اتخذتها بحق مؤسسة مكتف للصيرفة، او باعتراضها على قرار عويدات بإعادة توزيع المهمات المنوطة بها من دون اخذ رأيها وفقا للأصول....

الا ان الخلاف كاد ان يبقى في اطاره القضائي لولا انتقاله الى الشارع وهو ما اقلق المسؤولين والسلطات المعنية على حد سواء يوم تظاهر مؤيدو القاضي عويدات ضد مؤيدي القاضية عون بعد تجمع الطرفين امام قصر العدل ما دفع بالجيش الى ارسال وحدات عسكرية فصلت بين الفريقين منعاً لاي احتكاك كانت أسبابه ومؤشراته واضحة وجاهزة. لا بل اكثر من ذلك واخطر، فقد اعطي هذا التحرك الشعبي بعداً طائفياً اذ بدا وكأن الشارع السني يدعم عويدات في وجه الشارع المسيحي الداعم للقاضية عون، وبالتالي فان أي مواجهة بين الشارعين كان يمكن ان يفضي الى ما لا تحمد عقباه من نتائج. لكن مسارعة الجيش يومذاك للفصل بين المتظاهرين من الفريقين اخمد الفتنة في مهدها وحال دون انتشارها.

 اما في الداخل القضائي، فظل الخلاف يتفاعل لاسيما وانه صورة مظهرة ومكبرة عن الخلاف الذي نشأ بين الرئيس عون ومجلس القضاء الأعلى نتيجة تجميد رئيس الجمهورية للتشكيلات القضائية التي اجراها المجلس واعترضت عليها وزيرة العدل ماري كلود نجم واعادتها معللة الى مجلس القضاء الذي اصر عليها، فوقعتها الوزيرة مع ملاحظاتها، لكن هذه التشكيلات جمدت في قصر بعبدا بعدما تبين للرئيس عون انها لم تراع المساواة والعدالة في توزيع القضاة لاسيما المدعين العامين حيث تمت مراعاة افرقاء سياسيين يدعمون قضاة بقوا في مناصبهم رغم مرور سنوات على وجودهم فيها، وتم نقل تشكيل قضاة آخرين بينهم القاضية عون الى مواقع اقل درجة من تلك التي كانوا يشغلونها. ولا تزال هذه التشكيلات جامدة في ظل عدم تراجع مجلس القضاء عن موقفه وكذلك الرئيس عون الذي يملك حق التوقيع الاخير على مرسوم التشكيلات ليصبح نافذا.... من هنا فإن "الكباش" الذي قام بين مجلس القضاء عموما والمدعي العام التمييزي خصوصا من جهة، والقاضية عون من جهة ثانية لا يزال محتدما لاسيما بعد الدعوى التي قدمتها القاضية عون للطعن بقرار القاضي عويدات اعادة توزيع مهماتها، اضافة الى شكوى اخرى قدمتها بحق القاضي عويدات الى مجلس القضاء نفسه والتفتيش القضائي. مع الاشارة الى ان ثمة من يرى ان ظروف المواجهة ليست عادلة، اذ ان "الترويكا" القضائية الممثلة بمجلس القضاء الاعلى والقاضي عويدات ورئيس التفتيش القضائي بركان سعد "متضامنة" و"متكافلة" في وجه القاضية عون ما سوف يجعل قدرتها على الفوز بــ "المواجهة" صعبة وان لم تكن مستحيلة، لاسيما وان الالية التي تعتمد في حالات كهذه داخل السلطة القضائية تأخذ وقتاً كما يحصل في كل ما يتصل بالمعاملات والدعاوى القضائية.

الشلل ابتداء من 20 أيار

من هنا، ترى مصادر متابعة للملف، ان مسألة الصلاحيات بين المدعي العام التمييزي والمدعين العامين في المحافظات والتي كانت في ما مضى محور خلاف حاد في عهد الرئيس اميل لحود حسم يومها لصالح المدعي العام التمييزي آنذاك القاضي عدنان عضوم بدعم سوري واضح، ستبقى موضع اخذ ورد من دون ان يحسم لاسيما وانه في 20 أيار (مايو) الجاري يدخل مجلس القضاء مدار التعطيل رسميا مع انتهاء ولاية الأعضاء السبعة غير الحكميين فيه من دون توافر القدرة على تعيين بدلاء عنهم بسبب صعوبة التوافق على الأسماء أولا نتيجة الخلافات السياسية المتراكمة، وعدم وجود حكومة اصيلة، ثانيا لان لا إمكانية للثلثين في ظل حكومة تصريف الاعمال التي يرفض رئيسها حسان دياب ان يعقد أي جلسة لمجلس الوزراء لانه يعتبرها مخالفة للدستور. والوضع نفسه ينطبق على مجلس القضاء الأعلى الذي لن يصبح قادرا على عقد اجتماعات لا نصاب قانونيا فيها فتشل قدرته على اتخاذ القرارات واهمها إحالة قضاة الى التفتيش القضائي. ومعلوم ان مجلس القضاء الأعلى يتألف من عشرة أعضاء : ثلاثة منهم من الأعضاء الحكميين الذين تستمر ولايتهم طالما يشغلون مناصبهم القضائية غير محددة المدة، وهم: الرئيس الأول لمحكمة التمييز، النائب العام لدى محكمة التمييز، ورئيس هيئة التفتيش القضائي (يحال الى التقاعد بعد عام وشهرين) الذين يعينون بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل. وخمسة أعضاء معينون بمرسوم في مجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير العدل، لمدة 3 سنوات غير قابلة للتجديد، إضافة الى عضوين منتخبين من قبل رؤساء ومستشاري محكمة التمييز لمدة ثلاث سنوات أيضا غير  قابلة للتجديد. 

وفي ظل الفوضى العارمة على المستوى الحكومي والسياسي والأمني والقضائي والمعيشي، يبدو الامر بديهياً ومتوقعاً، وهو ما يعكس المزيد من مؤشرات انحلال الدولة وتفككها. لكن الخطورة ان طي ولاية مجلس القضاء الأعلى المعين منذ 2018 يتزامن مع كباش قضائي غير مسبوق، "بالوكالة" عن قوى الامر الواقع السياسي، يتيح فتح "دكاكين" داخل أروقة القضاء، من بين بضائعها الأكثر رواجاً تصفية الحسابات بين القضاة انفسهم.

وينقسم المجلس بحكم التوزيع الطائفي المعتمد (غير المنصوص عنه قانوناً، بل بحكم العرف) مناصفة بين المسلمين والمسيحيين من 3 قضاة موارنة، اورثوذكسي واحد، كاثوليكي واحد، شيعيين، سنيين، ودرزي واحد. وتركيبة الأعضاء الحكميين تضم مارونياً هو اليوم رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، وقاضيين سنيين هما مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات ورئيس التفتيش القضائي بركان سعد. اما الأعضاء الذين تنتهي ولايتهم فيفقد المجلس نصابه، هم : روكز رزق، وهيلانة إسكندر، وماهر شعيتو، واليان صابر، وسهير الحركة. وقد سبقهم القاضي كلود كرم بعد احالته الى التقاعد في العام الماضي، والقاضي منذر ذبيان الذي قدم استقالته بعد ملاحقته تأديباً بتهم فساد. والامر المؤكد ان لا حكومة قبل 20 أيار (مايو)، وحتى لو حصلت المعجزة وتم تشكيل الحكومة، لن يكون في استطاعتها اجراء تعيينات قبل نيلها الثقة وهذا الامر يأخذ أسابيع اذا لم يكن اكثر.

اذن، مجلس القضاء الأعلى سيكون معطلاً، أي ان اعلى سلطة قضائية في البلاد ستصبح عاجزة عن القيام بدورها لينضم الفراغ القضائي الى حالات العجز الاخرى في مؤسسات الدولة، الامر الذي يفرض على مجلس القضاء الإسراع خلال ما تبقى له من أيام، الى اتخاذ قرارات بإحالة العديد من القضاة الذين تحوم حولهم شبهات الفساد الى التفتيش القضائي لاجراء المقتضى وتسريع عملية إحالة المرتكبين الى المجلس التأديبي علماً ان العديد من ملفات الفساد لا تزال نائمة في الادراج!

وتوضح أوساط قضائية ان مسار محاسبة القضاة عبر هيئة التفتيش القضائي قائم بمعزل عن وجود او عدم وجود مجلس القضاء الأعلى، فيتحرك التفتيش القضائي تلقائياً، لكن هذه المرة تدخل مجلس القضاء ليطلب من التفتيش القضائي اجراء المقتضى مع القاضية غادة عون نظراً الى حساسية الملف وتعقيداته. وهناك مسار آخر من المحاسبة عبر تطبيق المادة 95 من قانون القضاء العدلي، التي تعطي لمجلس القضاء الأعلى بأغلبية من 8 من أعضائه وبتوصية من التفتيش القضائي صلاحية عزل القاضي لعدم اهليته، مع الاشارة الى انه لم تطبق هذه المادة سابقاً، وفي الحالة الراهنة، هذه الأغلبية غير متوافرة في المجلس  غير المكتمل الأعضاء.

وتعليقاً على قرب انتهاء ولاية مجلس القضاء الأعلى تقول الأوساط القضائية نفسها: "عادة ما تشل السياسة القضاء، لكن اليوم ستكرس حالة الشلل بحكم القانون". وقد بدأ هذا الشلل عملياً حين لم يصر الى تعيين قاضيين مكان القاضيين منذر ذبيان وكلود كرم، وحين وقف السياسيون بوجه التشكيلات القضائية. وفيما بات من المؤكد ان الحلة الجديدة لمجلس القضاء الأعلى لن تكتمل قبل تأليف الحكومة، فإن السلطة السياسية على الأرجح ستحاول من جديد احكام قبضتها على هذا المجلس الذي اظهر "حالة" من التحرر النسبي من الحسابات السياسية، وإن كان البعض يتهم مجلس القضاء الأعلى بأنه استبدل الولاء السياسي باعطاء أولوية للحسابات الشخصية لبعض أعضائه.