تفاصيل الخبر

معضلة الانتخابات المبكرة: لا كلام باسيل وستريدا يمكن أن يغير الواقع مع ثبات المعادلات!

05/05/2021
النائب جبران باسيل .. يطرح الفيتو على الانتخابات الفرعية.

النائب جبران باسيل .. يطرح الفيتو على الانتخابات الفرعية.



 منذ الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت في 4 آب (اغسطس) الماضي، طرحت قوى سياسية لبنانية عدة تصنف نفسها في خامة المعارضة، شعارات تدفع نحو اجراء انتخابات نيابية مبكرة، معتبرة انها "مفتاح الحل" للأزمة السياسية المعقدة التي يرزح تحتها لبنان منذ اشهر والهدف انتاج طبقة سياسية جديدة بديلة عن الطبقة الراهنة التي يقول المعارضون انها اوصلت البلاد الى حافة الانهيار والسقوط. وقد تحمس لهذه الفكرة عدد من النواب المستقلين، اضافة الى نواب حزب الكتائب الذين قدموا استقالاتهم على امل ان تكون خطوتهم بداية لسلسلة استقالات تطيح بالبرلمان برمته في سيناريو لم يلق في الواقع الصدى الذي كان يأمله مطلقوه. والواقع ان رئيس مجلس النواب نبيه بري لعب دورا مهما في امتناع الرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس تيار "المردة " بعدم السير بهذا المخطط الذي كان رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع من اكثر المتحمسين له، على رغم عدم تجاوبه مع الاستقالات التي قدمها ثمانية نواب بعيد الانفجار، سبعة منهم من المسيحيين يضاف اليهم النائب المستقيل مروان حمادة.

وفيما كاد الحديث عن الانتخابات المبكرة يصبح تكراراً مملاً لدى حزب "القوات" وغيره من الاصوات الحزبية والتجمعات الاهلية من دون اي نتيجة، عاد الحديث مجددا عنه لكن من باب اوسع ولاعتبارات مختلفة، من خلال حدثين، الاول دعوة رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل الى حل المجلس من خلال استقالات جماعية للنواب يكون السبيل الى سحب التكليف المعطى للرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة العتيدة، والثاني من خلال دعوة النائب ستريدا جعجع  بعد زيارة الى بكركي ولقاء البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، نواب كتلة "لبنان القوي" برئاسة باسيل الى التنسيق مع نواب "الجمهورية القوية" للاستقالة معا من مجلس النواب الامر الذي يفقد المجلس ميثاقيته - حسب السيدة جعجع - وبالتالي الذهاب الى انتخابات مبكرة....

باسيل... والبازار الحكومي

صحيح ان النائب باسيل تحدث عن سلبيات خيار الاستقالة الجماعية لحل المجلس موحياً بأنه لا يدفع في اتجاهه، لكن الصحيح ايضا ان كلام باسيل اوحى وكأنه يريد الالتحاق بقافلة المطالبين بانتخابات مبكرة ولو من زاوية مختلفة. ويلتقي مؤيدو "التيار" وخصومه على التأكيد ان باسيل "لم يقصد" بكلامه في مؤتمره الصحافي الاخير، "تعبئة" الرأي العام للمطالبة بانتخابات نيابية مبكرة، او الاعداد لمثل هذا "السيناريو" بأي شكل من الاشكال، خصوصاً في ظل اعتقاد راسخ لدى المعسكرين بأن هذه الانتخابات لا تشكل "مصلحة" لباسيل، بل من شأنها "تعقيد" الامور اكثر واكثر. بالنسبة الى خصوم الرجل، فإن الكثير من المعطيات تدل على "عدم حماسة" باسيل، وفريق "العهد" بشكل عام، الى فكرة اي انتخابات في الوقت الحاضر، لعل ابرزها ما يشبه "الفيتو" الذي يشهره هذا الفريق على الانتخابات الفرعية التي يوجب الدستور اجراءها لملء الشغور الناجم عن استقالات النواب بعيد انفجار الرابع من آب، معطوفة على وفاة النائبين ميشال المر وجان عبيد، علماً ان مرسوم اجرائها اعيد الى السرايا مع عدم الموافقة. 

 ويعتقد خصوم باسيل ان مقاربة الاخير للانتخابات الفرعية، رغم كونها استحقاقا دستوريا واجبا على السلطة السياسية، تكفي لتأكيد "توجسه" من اي انتخابات في الوقت الحالي، في ظل مخاوف من ان تؤدي الى "تقليص" حجم الكتلة النيابية المحسوبة على "التيار"، خصوصا اذا ما صدقت الاستطلاعات والتقديرات التي تتنبأ بــ "تراجع في الشعبية" في ضوء المتغيرات والحملات السياسية التي شهدتها البلاد في الآونة الاخيرة.

ويتفق مؤيدو باسيل مع خصومه على ان فكرة الانتخابات ليست "محبذة" بالنسبة اليه، ولو انهم يتسلحون بمنطق مختلف، بعيداً عن "التكهنات" غير الدقيقة برأيهم حول تراجع الشعبية، وهو منطق عبر عنه باسيل نفسه في مؤتمره الصحافي، حين قال ان الاولوية للإصلاحات لن تغير المعادلة ولن تعالج المشاكل، بل على العكس، ستعقد الامور الملحة التي ينبغي علاجها، والاهم من ذلك، ستتسبب بتوترات كبيرة على الارض.

وادخل المراقبون كلام باسيل في سباق "البازار الحكومي" والتجاذبات بين فريقي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، اي ان باسيل اراد توظيف هذا السيناريو الذي يبقى "افتراضياً" حتى اثبات العكس، في سياق "معركته المستمرة" مع رئيس الحكومة المكلف، بحيث "يلوح" بخيار الاستقالة، لا ليطبقه فعلياً، ولكن ليقول للحريري ان هناك طريقة لسحب التكليف منه، بعكس ما يروج، اذا ما اصرّ على مواصلة "احتجاز ورقة التكليف" في جيبه، ورفض "الانفتاح" على رئيس الجمهورية، او "الاعتذار" عن اداء المهمة لاتاحة المجال لغيره. ويقول "العونيون" في هذا الاطار، ان رسالة باسيل، وان فهمت سلباً، يمكن ان تكون لها مفاعيل ايجابية، في حال تلقفها الحريري كما يجب، بحيث يعلن خروجه من "دوامة" الاستقواء بالصلاحيات، ليدرك اهمية "الاخذ والرد" الايجابي مع رئيس الجمهورية، طالما انه تبين ان هناك امكانية لسحب ورقة التكليف، وعدم بقائه رئيسا مكلفا الى ما شاء الله، ومن دون الاعتماد على اجتهادات غير دستورية او "فتاوى غب الطلب" كما يقال.

ستريدا... والميثاقية

 اما بالنسبة الى دعوة النائب ستريدا جعجع فإن ثمة من يعتقد ان مثل هذا السيناريو (الاستقالة المسيحية لفقدان الميثاقية) ليس سهلا اذ يبدو من الصعب التوصل الى تفاهم بين "التيار" و"القوات" حول هذه المسألة لاسيما بعدما وصل الخلاف بين الطرفين الى نقطة اللارجوع، فضلا عن ان لكل من الطرفين حساباته ونياته المغايرة ذلك ان "القوات" تريد الاستقالة لــ "قلب" المعادلة المسيحية على العهد وباسيل، بينما "التيار" يعتبرها الورقة الاخيرة لقلب الطاولة على سعد الحريري وسحب التكليف منه، من هنا فإن "التيار" ليس في وارد الاستقالة من المجلس على ساعة "القوات" تجنباً للدغة "عقاربها" وبالتالي هو الذي سيختار توقيتها وحيثياتها، اذ قرر ان يحسم امره ويذهب في اتجاه اعتماد هذا الخيار، الذي سيكون بالنسبة اليه كناية عن كأس مرة او شر لا بد منه، علماً ان الامر لم يتخط حتى الان حدود التلويح غير المباشر بالفكرة، من باب الضغط على الحريري وحضه على تشكيل الحكومة بالتفاهم مع رئيس الجمهورية، وتفيد المعلومات ان فرضية الاستقالة خضعت الى نقاش طويل في اروقة التيار، حيث استمر الرأي في نهاية المطاف على التعامل معها انطلاقا من قاعدة ان "آخر الدواء الكي" وبهذا المعنى، فإن التيار ليس مقتنعا اساساً بهذه الخطوة، ويعرف ان لا شيء مضموناً بعدها سوى انتزاع التكليف من الحريري. ويقول احد قياديي "التيار" إن المأزق الحالي يشبه بناية سكنية تحترق، فاذا لم تفعل شيئا ستلتهمك حتماً النيران، اما اذا قفزت من الشرفة فستكون لديك فرصة ولو بنسبة واحد في المئة للنجاة. الاستقالة من المجلس تعادل القفز من طابق علوي، اما البقاء رهائن تكليف لا متناه للحريري من دون تأليف، فمؤاده احتراق السنة ونصف السنة المتبقية من ولاية العهد.

ويعتبر القيادي نفسه ان وراء "حماسة" حزب القوات ورئيسه انتزاع الاكثرية المسيحية من "التيار" خصوصا ان "القوات" تفترض بأن الوقت لا يعمل لصالحها، وان ما تستطيع تحصيله اليوم في انتخابات مبكرة لن تتمكن من الحصول عليه غدا، لأن المزاج في البيئة المسيحية يتبدل يوما بعد يوم، لاسيما وان "التيار" استعاد جزءاً واسعاً من القاعدة التي خسرها سابقا واعتقدت "القوات" انها ستصب عندها.

البعد القانوني

في اي حال، بين الكلام العوني حول استحالة اجراء انتخابات مبكرة في ظل الاوضاع الراهنة، والكلام "القواتي" حول فكرة اسقاط الميثاقية عن تركيبة مجلس النواب، ثمة من يرى من القانونيين بأن كل هذه الطروحات تبقى من غير جدوى وتدخل ضمن اطار التجاذبات والمناكفات السياسية، وانه الاجدر بالمسؤولين ان يبحثوا عن حلول لا ان يخلقوا مشاكل جديدة.... ويضيف القانونيون ان المجلس النيابي لا يفقد وجوده القانوني الا بحالة استقالة اكثرية النواب المطلقة اي النصف زائدا واحدا، لاي طائفة انتموا وفي حال اقدام جميع نواب طائفة معينة على الاستقالة يفقد مجلس النواب ميثاقيته، الامر الذي يستدعي انتخابات نيابية جديدة.

اما مصادر تيار "المستقبل" فترى عكس ذلك اذ تعتبر انه لو بقي نائب واحد في البرلمان، فهذا لا يحل مجلس النواب، فليس هنالك اي نص قانوني يدل على ذلك، مشيرة الى انه لو كانت استقالة عدد معين من النواب تؤدي الى حل المجلس النيابي وبالتالي الذهاب الى انتخابات نيابية، لكان تيار المستقبل قد ذهب في ذلك الاتجاه. وعلى الرغم من ان كتلة "المستقبل" كانت الاكثر تضررا من قانون الانتخاب في الدورة السابقة، الا انه لا خيار سوى المضي بهذا القانون في حالة الانتخابات النيابية المبكرة. 

على خط الحزب التقدمي الاشتراكي فإن الرأي السائد لديه - حسب مصادره - انه حتى في حال استقالة كتلتي لبنان القوي والجمهورية القوية يبقى مسيحيون في المجلس، الامر الذي لا يفقد المجلس ميثاقيته. وتصف المصادر كلام جعجع بالاجتهاد، لأن هذا الامر صعب المنال، وفي حال حصول انتخابات نيابية مبكرة، فانها ستقام على اساس القانون الحالي، الذي "لا يلبي تطلعات اللبنانيين"!.



النائب ستريدا جعجع تدعو لانتخابات نيابية مبكرة.

النائب ستريدا جعجع تدعو لانتخابات نيابية مبكرة.