تفاصيل الخبر

دعوات الفرزلي لتسليم الجيش مقدرات البلاد لم تجد بعد صدى إيجابياً في اليرزة!

05/05/2021
الرئيس ميشال عون ونائب رئيس المجلس ايلي الفرزلي.. شرخ كبير أصاب علاقتهما.

الرئيس ميشال عون ونائب رئيس المجلس ايلي الفرزلي.. شرخ كبير أصاب علاقتهما.


 فجأة، خفت الحملة التي أطلقها نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي، لتسليم الجيش مقدرات الحكم في البلاد، وإعادة المسؤولين، رؤساء ووزراء ونواب، "الى بيوتهم".... وذلك بعد عشرات المقابلات الصحافية والتلفزيونية التي أجراها الفرزلي في وسائل اعلام محلية ودولية. فجأة توقف نائب البقاع الغربي عن شرح الدوافع والخلفيات التي دفعته الى اطلاق نظرية "الاطاحة بمنظومة الحكم" الحالية، وفتح كل المعابر ليتولى قائد الجيش العماد جوزف عون مع القيادة العسكرية زمام السلطة كحل نهائي يؤمن الخروج من حال الجمود التي وصلت اليها البلاد في ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ اللبناني الحديث...

 صحيح ان الفرزلي، لم يشرح دوافع توقفه المفاجىء عن الاستمرار في المناداة بــ  "الثورة" التي لا يسميها انقلاباً عسكرياً، لكن الصحيح ايضا ان دعواته المتكررة تركت صداها في الاوساط السياسية والاعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي التي تتلهف لطرح اي موضوع يحدث اثارة سواء كان موضوعاً سياسياً او اجتماعياً او مالياً.... الأمر الذي فتح باب الاجتهاد حول دور المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة، ولاسيما دور قائدها من دون استبعاد السوابق التي اوصلت قادة جيش الى الرئاسة الاولى، بدءا من الرئيس فؤاد شهاب مرورا بالرئيس اميل لحود وصولا الى الرئيس ميشال سليمان.... حتى ان الرئيس الحالي للجمهورية العماد ميشال عون كان قائدا للجيش ايضا، لكن لم يصل الى بعبدا من اليرزة، بل بفعل حسابات سياسية وشعبية واسعة.

 قد تكون للنائب الفرزلي اعتباراته في "تصفية" حسابات مع "التيار الوطني الحر" ورئيسه النائب جبران باسيل بعضها سياسي والبعض الاخر شخصي، الا ان وصول الحملة الى رئاسة الجمهورية واقحام مؤسسة الجيش، اعطت لمواقفه ابعادا جعلت الاوساط السياسية تتوقف عندها لاسيما وان الفرزلي اختار الوقوف الى جانب الرئيس سعد الحريري في الاونة الاخيرة، وصار يروج لاهمية ترؤسه الحكومة العتيدة، وهو خالف الرئيس عون في اسباب خلافه مع الحريري معتبرا ان من يقف وراء هذا الخلاف هو النائب باسيل الذي حمل بقوة على الرئيس المكلف وبرر مرارا الدعوة الى تنحيه وتكليف غيره ترؤس الحكومة العتيدة. غير ان الحملة "الفرزلية" الداعية الى تسليم الجيش مقدرات البلاد على اساس ان ذلك هو "الحل الحصري" للازمة الراهنة، جعلت كثيرين يتناولون المؤسسة العسكرية وقائدها، تارة بصورة ايجابية وتارة اخرى بصورة سلبية، مع حديث متزايد في الاوساط السياسية عن وجود "مكتب مستشارين" يحيط بقائد الجيش مهمته خدمة هذه الفكرة وايجاد مسوغات لها، من بين اركانه من كان سابقا مستشارا لدى الرئيس عون نفسه، وان "الرافعة" السياسية لهذا المكتب هو الفرزلي الذي اكثر من الترويج لقائد الجيش ولدوره.

 والواقع ان الردود السلبية على هذه الحملة كانت تظهر بــ "خجل" لرغبة في عدم المواجهة مع قائد الجيش، لولا ان رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية شن حملة على العماد عون مسميا اياه بالاسم على خلفية "تنظيم" حملة ضده بعد تأخر وزير "المردة" ميشال نجار في التوقيع على مرسوم تعديل الحدود البحرية الجنوبية وفق احداثيات الجيش والوفد العسكري المفاوض. وهكذا وجد المراقبون "سليمان بك" في مواجهة العماد عون، وهو الذي يعتبر نفسه "المرشح الرئاسي الطبيعي" بعد انتهاء عهد الرئيس عون، وهو عبّر في مجالسه عن مخاوفه من وجود محاولات لــ "الغاء" مرجعيات سياسية مارونية تشارك فيها مرجعيات لرموز وقوى سياسية مسيحية وتتقاطع مع حملات تقودها دول هدفها المضمر السعي لانهاء ادوار نخبة سياسية بعينها . كذلك هناك من يرصد حملة غربية- عربية منظمة ايضا عنوانها العريض "تحصين الجيش" من اي مخاطر سقوط عبر رفده بمساعدات غذائية وطبية وغير ذلك، وان يتم الامر امام عدسات الاعلام يحمل في طياته رسائل سياسية جلية. ومع كل عمليات "الخفض والرفع" للقوى والمكونات والجارية منذ فترة على قدم وساق وبوضوح في اللعبة السياسية الداخلية ويراد منها ارساء اسس التغيير والتبديل للمعادلات القائمة، خصوصا في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، فإن ثمة من يجد انه يقف دون ان تكتسب فكرة "تحكيم قائد الجيش" شرعية وتصير امرا واقعا لا يمكن تحاشيه، عائقان اساسيان:

الاول، ما يشاع عن تحفظ ما زال قائد الجيش يبديه، وهي ثغرة يعلمها المشرفون على تنفيذ "المشروع الشاق" برمته، لذا يسعون الى تلافيها عبر جرعات دعم واسناد متعددة.

الثاني، الموقف الشديد الغموض لــ "حزب الله" والذي ظل على غموضه رغم ان المحيطين بقائد الجيش لا يتركون مناسبة الا يوحون فيها بأن لا شائبة تشوب علاقته بالحزب، وانها تتم وفق قنوات منظمة، فضلا عن ان ثمة من نقل الى قيادة الحزب المعنية سابقا ان قائد الجيش لم يطرح في اي من زياراته الى الخارج المسألة الاعز على قلب الحزب وهي سلاحه. ومع كل ذلك، فإن الحزب لا يبدو في وارد الافصاح او بعث اشارات التطمين الى من يعنيهم الامر.

لا صدى في اليرزة

الا ان هذا الجو السياسي والاعلامي العابق حول دور المؤسسة العسكرية وقائدها في المرحلة المقبلة، لا يجد صداه في اليرزة، مقر قيادة الجيش، حيث يبدو الرفض قويا وحادا لمثل هذه الترويجات التي تعالت بعد مواقف الفرزلي وصارت حديثا مباشرا بعدما كانت تتم في السر وفي صالونات سياسية محددة. وفي هذا السياق، يجزم المتواصلون مع العماد عون بأنه لا يفكر في رئاسة الجمهورية، معتبرا ان كل ما يشاع في هذا المجال هو من نسج الخيال، ويندرج في اطار محاكمة النيات. وتنقل مصادر مطلعة على موقف عون تأكيده، ان همه الوحيد محصور في حماية الامن والاستقرار وتحصين المؤسسة العسكرية وتأمين متطلباتها، خصوصا وسط هذه الظروف الصعبة. وان ليس لديه لا الوقت ولا الحماسة من اجل التخطيط للوصول الى الرئاسة. وفي رأيه، اذا انهارت المؤسسة العسكرية لن تبقى رئاسة جمهورية حتى يتنافسوا عليها. فالجيش هو صمام الامان للوطن والمؤسسات، ولا اولوية حاليا غير المحافظة عليه وتعزيز مناعته. ويقول المحيطون بــ "القائد"، انهم سمعوا من العماد عون بأنه لم يبحث في مسألة الرئاسة، لا مواربة ولا مباشرة، مع اي شخصية داخلية او ديبلوماسية، وانه خلال استقبالاته للسفراء لم يحصل ان ناقش هذا الامر معهم او ناقشوه معه، وهو يتساءل امام محدثيه:  هل الطامح الى رئاسة الجمهورية يمنع منعا باتا تدخل السياسيين في شؤون العسكرية كما فعلت، الامر الذي ازعج بعضهم؟ وهل يصدر عنه الخطاب الذي القيته قبل فترة ما ادى الى تململ كثيرين في الطبقة السياسية؟. ويفاخر "القائد" بأنه استطاع قطع الاصابع التي كانت تتغلغل في الجيش من خارجه للتدخل او التأثير في التشكيلات والتعيينات، منطلقاً من قاعدة ان ولاء العسكري والضابط هو حصراً لمؤسسته وقيادته وليس للطائفة او الزعيم. وبهذا المعنى، يرفض عون، تبعاً للعارفين، ان يكون مطرانا على مكة، ويتمسك بأن يعود القرار الى قيادة الجيش فقط في كل ما يتعلق بشؤون المؤسسة العسكرية. وقائد الجيش لا يزور احداً من السياسيين في منزله او مكتبه، على الرغم من الدعوات التي توجه اليه، وانما يزور فقط رئيس الجمهورية عون والرئيسين بري ودياب، ربطاً بالمواقع الدستورية التي يشغلونها.

ويحرص العماد عون على التأكيد بأن علاقته مع رئيس الجمهورية "ممتازة ومميزة" وهو يلتقيه مرة او مرتين في الاسبوع، الى جانب التواصل الهاتفي المستمر. وعندما قيل إن العلاقة بين الرجلين ساءت وتدهورت بعد الخطاب الشهير لقائد الجيش امام كبار الضباط، كان الرئيس عون يلتقيه في قصر بعبدا في جلسة ودية، لم تخل من المزاح. في المقابل يبدي قائد الجيش انفتاحا على الجميع، مع تمسكه في الوقت نفسه بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع، مستندا الى معادلة ان ليس له عدو او خصم في الداخل. اما في خصوص علاقته بــ "حزب الله" فينقل عنه القريبون منه تأكيده بانها جيدة ومبنية على الثقة المتبادلة، انطلاقا من اقتناع عون بأن الحزب لبناني ويمثل شريحة واسعة، وهذا واقع لا يمكن تجاهله. وليس صحيحا، وفق ما ينسب اليه، ان الحزب يغطي المخالفين والمرتكبين في البقاع والضاحية وغيرهما، او يضع قيوداً على مهام الجيش هناك، بل يدعمه في مهامه الميدانية وهو مرتاح الى ما يفعله الجيش لفرض القانون وضبط الامن.

وعندما يلاحظ القريبون من "القائد" بأن ثمة انتقادات حول الاداء العسكري لاسيما بالنسبة الى ضبط المعابر، يردون بالقول ان الجيش نجح حتى الان في ضبط نحو 85 في المئة من الممرات المعتمدة للتهريب عبر الحدود البرية مع سوريا، على الرغم من كل الصعوبات التي تواجهه. اذ يتولى فقط 5 الاف عسكري ضبط تلك الحدود المترامية الاطراف، بينما تحتاج هذه المهمة الى 12 الف عسكري، علماً ان هناك تذمراً لدى العماد عون من استسهال الكثيرين التنظير من بعيد، في حين ان اياً منهم لم يعاين الحدود ميدانياً، وبالتالي لا يعرف  طبيعة التضاريس والتعقيدات.


في اي حال، مواقف "سيد اليرزة" وايضاحات فريق عمله، لا تعير اهتماما للدعوات التي توجه الى القيادة العسكرية بالتحرك لمواجهة الازمة، والاكيد ان الجيش يرفض مجرد التفكير بتنفيذ انقلاب او تعليق الدستور، في رد غير مباشر على طروحات النائب الفرزلي، لأن مثل هذه الخيارات لا تناسب تركيبة لبنان وتكوينه، ولا بد من الاحتكام الى الاليات السياسية والدستورية في الحل، اي حل... ومع ذلك فإن ثمة من يرى بأن الحملات سوف تستمر، والدعوات الى "دور مباشر" للجيش ستتزايد كلما تزايدت حالة الاهتراء السياسي واقترب البلد من الانهيار الكامل!.




قائد الجيش العماد جوزف عون يبدي انفتاحه على الجميع.

قائد الجيش العماد جوزف عون يبدي انفتاحه على الجميع.