تفاصيل الخبر

لهذه الأسباب اعتمد حزب الله حتى الآن سياسة "النأي بالنفس" حيال الأحداث الداخلية

05/05/2021
السيد حسن نصر الله والنائب جبران باسيل.

السيد حسن نصر الله والنائب جبران باسيل.


 وسط التجاذبات الحادة القائمة بين "التيار الوطني الحر" ورئيسه النائب جبران باسيل، وتيار "المستقبل" ورئيسه المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، ومع تزايد المعارك المفتوحة بين العهد وفريق الرئيس الحريري حول الحكومة والتدقيق الجنائي ومسألة القاضية غادة عون وغيرها من المواضيع.... وسط كل ذلك يلاحظ المراقبون ان حزب الله ينأى بنفسه عن صدارة الاحداث الى حد الصمت احياناً وعدم التعليق على ما يجري، حتى ان "توجيهات" صدرت عن الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله الى نواب الحزب والمنتسبين اليه بعدم الظهور في برامج تلفزيونية او حوارات اذاعية او اعلامية لتفادي الدخول في نقاشات واسئلة لا يرى الحزب ان وقت الاجابة عنها قد حان. ولعل ما يقال سراً في اروقة قيادة المقاومة حول مواقف هذا الفريق او ذاك يشي برغبة لدى الحزب بابقاء الخلافات في وجهات النظر بعيدا عن الاضواء لعدم استثمارها سلباً من جهة، وللمحافظة على "خط الرجعة" من جهة ثانية، علماً ان بعض ما يقال في هذه الاروقة حول اداء الحليف المسيحي الاقوى اي "التيار الوطني الحر" ورئيسه النائب جبران باسيل لا يعكس ما يمكن ان يسمى "تحالفا" بين فريقين سياسيين، اذ لدى الحزب "مآخذ" يرغب في ان يدركها "التيار" ورئيسه عملاً بالمثل القائل "ان اللبيب من الاشارة يفهم"....

 آخر هذه الاشارات واكثرها جدية كان البيان الذي صدر عن كتلة الوفاء للمقاومة مجتمعة والذي اعتبر بمثابة رسم تشبيهي لموقف الحزب من التطورات على صعيد اكثر من ملف، وهو عكس خيار الحزب راهنا بالامساك بالعصا من الوسط مع محاذرة تبني اي مطالعة يمكن ان تفسر انحيازا لهذا الفريق او ذاك خصوصا في الملف الحكومي وتطورات الملف القضائي واعتبار التدقيق الجنائي ممراً للتأليف. والقراءة المتأنية للبيان تظهر بأن الحزب "عمم" على الخط الحكومي المسؤوليات من دون تحديد الجهات المعرقلة، من خلال الاشارة الى "مسؤولية كل فريق يعمل على اضاعة الوقت وتغليب المصالح الضيقة". مع تسليم الحزب بأن "تشاور الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية هو الممر الطبيعي والدستوري لولادة الحكومة حين تتوافر الجدية المطلوبة". اما على مستوى القضاء ومشهد الخلل والارتباك في جسمه اخيراً ( كما جاء في البيان ربطاً بقضية غادة عون وملف التحويلات المالية)، فبدت رسائل الحزب اكثر وضوحاً في حديث البيان عن "مشهد لا يعكس  صورة رصينة للقضاء"، مع التشديد على ان "القضاء كله معني بملاحقة الفساد وملاحقة الفاسدين".

أزمة حكم ونظام

 ويفسر قريبون من الحزب بأن ما يحصل يتم التعاطي معه استناداً الى حجم الصراع القائم وحدة الازمة بكل ابعادها، باعتباره مرحلة انتقالية لعوامل الداخل تأثيرات فيها اكثر من العامل الخارجي. وفي رأي هؤلاء القريبين ان الخلاف بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري تجاوز مسألة تشكيل الحكومة واصبح "ازمة حكم ونظام". لذلك فإن الحزب يفضل ان يبقى في منأى عن الصراع المباشر بين الرجلين عله يستطيع ان يلعب – متى حانت الساعة – دورا لتقريب المسافات على رغم ان كلام النائب باسيل في مؤتمره الصحافي الاخير لم يخف التباينات الحاصلة بين الحزب "والتيار" الى درجة قوله "شبابنا ما عادوا يحملوا"....  

 مع الاشارة في هذا السياق الى انه، وفق المعطيات المتوافرة، لم يجلس الطرفان بعد معاً للنقاش في تعديل التفاهم المقترح من جانب "التيار الوطني الحر"، لا بل ان الاحداث باعدت اكثر بين الطرفين، ومن بينها موضوع الحكومة الذي يريد الحزب ان يعطى الاولوية قبل اي شيء آخر للتخفيف من حدة الارتطام الكبير المرتقب، والحزب يدعو في هذا السياق الى " تدوير الزوايا" وهو امر لم يلمسه الحزب لدى فريقي المواجهة، الرئيس عون وباسيل من جهة، والحريري من جهة ثانية. علما ان الحزب يعتبر ان للمواجهة امتدادات خارجية ليس اقلها خوض الولايات المتحدة الاميركية والسعودية معركة شرسة في الداخل اللبناني لا يمكن مواجهتها بالتعنت المتبادل وانتظار المعطيات الخارجية، وهو واقع سبق ان اكد عليه السيد نصر الله في احدى اطلالاته التلفزيونية الاخيرة. وللتدليل على ان اولوية الحزب حاليا هي للحكومة، فإن ثمة من يؤكد ان التنسيق لم ينقطع مع الرئيس المكلف على رغم ما قاله الحريري في الفاتيكان وكان يقصد في كثير منه حزب الله ومواقفه.

أسباب النأي بالنفس

 الا ان ثمة من يعطي لمواقف الحزب "النائية بالنفس" عن صدارة الاحداث، ابعاداً اخرى مرتبطة بقراءته المتأنية للتاريخ السياسي اللبناني وللاحداث المتتالية التي وقعت في لبنان والجوار الامر الذي دفعه الى اعتماد استراتيجيات تتجدد وفقاً للحدث تنطلق من احاطته الكاملة بحيثيات تجارب الماضي الاصلاحية والتي وئدت وهي في المهد بفعل تصدي "الدولة العميقة" لها بشراسة. حتى ان سيف الاصلاح الذي رفعه الحزب عشية الانتخابات النيابية الاخيرة، فرمل اندفاعته فيه طوعياً لانه ادرك ان الرغبة في الاصلاح شيء، وامكانية الاصلاح شيء آخر، فآثر ان يهتم بمشروع المقاومة الطويلة النفس والاجل من دون الدخول في الزواريب التي تعشش فيها المنظومة السياسية التي امسكت بالبلاد طوال سنوات وهي غير مستعدة للتخلي عن "مكتسبات" هي في الواقع نتاج تسلط على مقدرات الدولة ومرافقها. وتقول مصادر على اطلاع على اسباب النأي بالنفس الذي يعتمده الحزب راهنا، ان من اولى هذه الاسباب الحيلولة دون الاصطدام بـــ "مراكز القوى" في تلك الدولة العميقة التي تجذرت وتصلبت بدخول شركاء جدد فيها بعد اتفاق الطائف، وبينهم بطبيعة الحال من هم مدرجون في خانة الحلفاء. ومن هذه المنطلقات لم يكن مستغربا ان يبادر الحزب في الاشهر الاربعة الماضية الى تنظيم حملة سياسية- اعلامية شاركت فيها ثلاث شخصيات قيادية رفيعة فيه وعلى التوالي، الامين العام السيد حسن نصر الله ونائبه الشيخ نعيم قاسم ورئيس المجلس التنفيذي في الحزب السيد هاشم صفي الدين، لتسويغ عملية التراجع تلك. وقد اطلق هؤلاء الثلاثة خطاباً ذا مضمون موحد من عناوينه العريضة طمأنة كل الحالمين بتغيير النظام، باننا لسنا في وارد القبض على ناصية الحكم، والى كل الذين يطالبوننا بضرب اليد على الطاولة فرضاً للحل او حسماً للجدل، لسنا من النوع الذي يفرض شروطه وأراءه على الحلفاء، فهم راشدون وليسوا اتباعاً ونحن نحترم خصوصياتهم. ونحن مستعدون دوما لاداء دور الوسيط ولكن من منطلق: هذه وجهتنا وهذا ما نراه مناسباً، فإن ارتضيتم  كان به، والا فليتحمل كل مسؤوليته.

وتضيف المصادر نفسها انه عندما لوح نائب الحزب حسن فضل الله قبل اسابيع بالاقراص المدمجة المحتوية على معلومات تفصيلية عن الفساد والهدر والمخالفات، والتي سبق له ان قدمها اخباراً الى القضاء، كان يعلن بلسان الحزب ان هذه حجتنا الدامغة على المعنيين. لكن ذلك، على اهميته، لا ينفي ان للحزب في الاعمق نظرته المختلفة للامور وتتخلص بالاتي:

ان لبنان حلقة متواضعة من حلقات المنطقة، وعليه لا بد من انتظار "التسويات" الاتية لهذا الوضع ليبنى على الشيء مقتضاه، واستطراداً، فإن الهدف المرحلي للحزب هو ابقاء اللعبة الداخلية في حدودها المقبولة والحيلولة دون انجرارها الى "فتنة" او "حرب اهلية" او ما شابه ما دام ثمة صعوبة تحول دون الحلول والتسويات الان...

والسؤال: الى متى سيبقى حزب الله بعيداً عن الخيارات الحاسمة معتمداً سياسة " النأي بالنفس"؟.... الجواب قد يتأخر لاسيما وان قيادة المقاومة تعتمد سياسة "النفس الطويل" على عكس ما تعتمده قيادات سياسية اخرى تسرع في تحديد خياراتها، واحياناً الى حد التهور!



السيد حسن نصر الله والرئيس سعد الحريري.

السيد حسن نصر الله والرئيس سعد الحريري.