تفاصيل الخبر

حراك بطريركي متجدد لحل الأزمة الحكومية منطلقه إجماع داخلي...وبداية تواصل سعودي - إيراني!

28/04/2021
البطريرك بشارة الراعي عند الرئيس ميشال عون  في وساطة لدفع التشكيل قدماً.

البطريرك بشارة الراعي عند الرئيس ميشال عون في وساطة لدفع التشكيل قدماً.


  في 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2020، كلف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الرابعة في عهد الرئيس العماد ميشال عون، وبعد مرور ستة أشهر على صدور التكليف بقي لبنان من دون حكومة وسط تجاذبات تبدأ ولا تنتهي كان آخـرها "الحرب" الكلامية التي اندلعت بين الرئيس الحريري وهو في الفاتيكان، ورئيس التيار الوطني الحر "النائب جبران باسيل" والتي زادت من اتساع الشرخ في العلاقة بين الرجلين، وباعدت من احتمال قرب تشكيل الحكومة الجديدة .18 لقاء جمعت الرئيسين عون والحريري في قصر بعبدا، ومعظمها كان بعيداً عن الاضواء، وما ظهر منها في العلن حمل مواقف متناقضة كانت تتكرر مرة بعد مرة نتيجة تمسك كل طرف بموقفه ودخول كثيرين على الخط من دون نتيجة. ومن الخلافات المعلنة تمسك الحريري بثلاثة مبادىء في التأليف: حكومة من 18 وزيرا من الاختصاصيين والمستقلين وغير الحزبيين، ولا ثلث معطلاً فيها لاي طرف. وبدا من خلال مسار الاتصالات ان هذا الثلث المعطل كان ولا يزال عنوان الخلاف الاساس المانع للتأليف، علماً ان الرئيس عون نفى اكثر من مرة مطالبته بهذا الثلث.

 ستة اشهر شهدت حركة مكوكية داخلية وخارجية على خط التأليف. دفعاً الى ولادة الحكومة، لم تثمر اي منها. لا الفرنسيون المدعومون اوروبياً واميركياً ولا جامعة الدول العربية، ولا البطريركية المارونية، ولا حتى الرئيس نبيه بري والمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، نجحوا مجتمعين او فرادى في دفع عون والحريري الى التأليف.... حتى العقوبات الاميركية السابقة على وزراء سابقين، والعقوبات الاوروبية المرتقبة على "معطلي التأليف" لم تؤثر على المعنيين. في الموازاة، استمر خلال هذه الاشهر الانهيار على المستويات كلها، والاتي اعظم واصعب واخطر مع اقتراب موعد رفع الدعم في حزيران المقبل، كما نبه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، اذ ان رفع الدعم في ظل عدم زيادة الاجور وهذه الاوضاع الاقتصادية المزرية، ستؤدي بحسب كثيرين الى فوضى اجتماعية، احد لا يعلم الى اين قد ستصل.

 يقول بعض المتابعين ان رفع الدعم هذا هو احد الاسباب الذي يجعل الحريري "غير حاضر" للتأليف، اذ انه لا يريد حمل كرة النار هذه. الى هذا السبب تعددت العناوين التي اعتبر فريق رئيس الجمهورية انها تمنع الحريري من التأليف، ومنها انتظار "كلمة السر" السعودية، استهداف موقع رئاسة الجمهورية ورفضه الشراكة في التوزير والتأليف، وقبلها تخوفه من فرض الادارة الاميركية السابقة برئاسة دونالد ترامب عقوبات على الحكومة في حال تمثل فيها "حزب الله" الذي يعتبر ان فريق عون ورئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل سيستمر في اختراع الحجج، فيما ان هذا الفريق هو من يمنع التأليف مع اصراره على الثلث المعطل.

 وتلخص مصادر قيادية في تيار "المستقبل" نصف العام الاول على تكليف الحريري، بأن "الوضع يزداد سوءا، ولا نزال نعاني من منطق التعطيل المبني على طريق التوريث، اي توريث عون الرئاسة لصهره باسيل، فضلا عن الابعاد الخارجية الواضحة المعالم، فلو كان "حزب الله" يريد التأليف لضغط على عون، لكن ايران لا تزال تنتظر وتقول : "عدد الوزراء ليس الاساس، بل الثلث المعطل، كذلك يعتبر فريق الحريري، ان المشكلة في ما يطرحه عون في كل اجتماع مع الحريري، فضلاً عن مشكلة اساسية، وهي "احكي مع تيريز" اي تواصل الحريري مع باسيل.

 اما لجهة القصر الجمهوري، فتستنتج اوساطه بعد نصف عام على التكليف وعدم التأليف ان الحريري لا يريد التأليف، اذ انه يقضي وقته مسافرا ومتنقلا من بلد الى آخر، من دون ان يقدم على اي تطور ايجابي وعلى التفاهم مع رئيس الجمهورية، وتقول ان التأليف ما زال ينتظر الحريري وتوجهه الى بعبدا للقاء عون والتفاهم معه.

 من جهة "عين التينة" حملت هذه الاشهر الستة تفاؤلاً حذراً، رغم العراقيل والتعطيل، استمر بري في مبادرته الحكومية، مؤكداً ان "حزب الله" لا يعرقل بل يسهل ويرغب في ان تبصر الحكومة النور. مبادرة بري انبثقت من روح المبادرة الفرنسية، وما زال يعمل على تسويقها، نظراً لما تحوزه من مباركة خارجية وشبه اجماع داخلي، في المقابل، ترى جهات سياسية، ان تمسك "الثنائي الشيعي" بوزارة المال للطائفة الشيعية، وفرض ذلك على الحريري، فتح الباب امام مطالب الافرقاء الاخرين، وأجهض المبادرة الفرنسية.

الحراك البطريركي

 وسط هذا المشهد المأزوم، لاحت مع بداية الاسبوع بارقة امل في امكانية خرق الجمود الحاصل حملها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي لم ييأس من المحاولات التي بذلها للوصول الى خواتيم سعيدة في الملف الحكومي. فهو زار قصر بعبدا على عجل صبيحة الاثنين الماضي حاملاً الى الرئيس عون ومن خلاله الى النائب باسيل طرحاً يأمل من خلاله سيد بكركي الوصول الى نتيجة ايجابية، ويقوم هذا الطرح الذي لا يبدو فريق الرئيس الحريري بعيداً عنه، بأن يجدد البطريرك مساعيه مع الرئيس الحريري لتشكيل حكومة من 24 وزيراً مختلطين من اختصاصيين مستقلين، واختصاصيين على علاقة بالكتل المشاركة في الحكومة من دون ان يكونوا حزبيين، ولا ثلث معطلاً في هذه التركيبة المقترحة مع شرط التوافق بين الرئيسين على من يشغل الوزارات الحساسة. بدا البطريرك متحمساً وهو يقدم هذا الطرح للرئيس عون، ومن خلاله للنائب باسيل، لاسيما وان فريق الرئيس الحريري عكس "ليونة" في تسهيل مهمة رأس الكنيسة المارونية شرط ان يتخلى الرئيس وفريقه عن "الشروط التعجيزية".... خطوة البطريرك قابلها الرئيس عون بايجابية ومرونة مقترحاً ان يحضر الرئيس الحريري الى قصر بعبدا ومعه تشكيلة كاملة مبنية على منهجية تتضمن اسم الحقيبة الوزارية، والطائفة التي ستسند اليها، والفريق الذي يسمي وزيرها، ورابعاً اسم الوزير المقترح. وفي قناعة بعبدا ان هذه المنهجية تسهل التشكيل، فيدرس الرئيسان عون والحريري معاً الاسماء وتوزيعها على الحقائب مع مراعاة التوازن في حصة كل طرف سياسي ينوي المشاركة في الحكومة ومنحها الثقة. ويستمر الرئيسان في التداول الى ان يتم الاتفاق بينهما على الاسماء النهائية، مع حق لكل منهما في الاعتراض على اسماء يقدمها كل فريق منهما. ومتى تم تذليل العقبات يمكن الاعلان عن ولادة الحكومة.

 وترى مصادر متابعة لعملية التشكيل ان تحريك الملف الحكومي من جديد على النحو الذي تقدم يرتكز على سلسلة تطورات داخلية وخارجية. في الداخل بلغت الاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية في البلاد حداً خطيراً سيزداد خطورة بعد رفع الدعم عن المواد الغذائية الاساسية والادوية والمحروقات، اضافة الى الازمة التي استجدت بعد منع السعودية ادخال المنتجات الزراعية اللبنانية او العبور في اراضيها على خلفية اكتشاف مخدرات مهربة في صناديق من الرمان قدمت من سوريا وشحنت من مرفأ بيروت الى مرفأ جده على اساس انها لبنانية المنشأ . كذلك تمسك حليف الرئيس عون اي حزب الله بضرورة الاسراع في التشكيل وعدم التجاوب مع محاولة لاستبدال الحريري كرئيس مكلف، اي حتمية التعاون معه، ناهيك بأن مواقف الاطراف السياسية لم تعد تبرر التأخير وتضغط على النائب باسيل محملة اياه مسؤولية ما يحصل حكومياً. ولعل ما صدر عن باسيل في اطلالته الاعلامية الاخيرة خير دليل من رغبة في التجاوب مع الدعوات الى تسهيل تشكيل الحكومة بالتزامن مع تمسكه بالمبادىء التي كان حددها كقواعد لقيام الحكومة العتيدة.

التواصل السعودي- الايراني

 اما من الخارج فثمة مؤشران، الاول قديم جديد وهو انزعاج فرنسا والدول الاوروبية من المماطلة في تشكيل الحكومة والتهديد بفرض عقوبات على "المعرقلين" وضعت قواعد واسس لها وهي قيد الدرس اوروبياً، بالتزامن مع وصول كلام فرنسي واضح الى بيروت بأن الوقت يمر بسرعة، والدعم الفرنسي الذي كان اعلنه الرئيس "ايمانويل ماكرون" يتراجع شيئاً فشيئاً مفسحاً في المجال امام اجراءات مزعجة ضد السياسيين اللبنانيين. اما المؤشر الثاني فهو الكشف عن اتصالات ايرانية سعودية تشكل الوجه الاقليمي للمفاوضات الدولية حول البرنامج النووي الايراني وسط حديث عن "تنازلات" متبادلة يجري العمل للاتفاق عليها. ويقول مطلعون ان انعكاسات الاتصالات السعودية - الايرانية المباشرة التي بدأت عملياً في بغداد، يمكن ان تكون ايجابية على المشهد اللبناني، لا بل ان معظم المتابعين يكادون يجزمون بأن  تأثير هذه الاتصالات "حتمي" على الداخل اللبناني، حتى لو لم يكن مباشراً او سريعاً، ان جاز التعبير، ويلفت هؤلاء الى ان الانعكاس الاولي لهذا التقارب سيكون على مستوى اداء الرئيس الحريري الذي سيشعر بــ "الراحة النفسية"، خصوصاً انه يراهن منذ مدة على هذا التقارب، علماً ان خصومه يتهمونه بــ "احتجاز ورقة التكليف" في جيبه، لادراكه استحالة ارضاء الرياض باشراك "حزب الله" في حكومته، وعدم قدرته على القفز فوق الاخير وما يتمتع به من حيثية تمثيلية لا غبار عليها. ويدفع "التيار الوطني الحر" تحديداً باتجاه هذا الاعتقاد، فعلى رغم ان العلاقة بين الحريري و"حزب الله" كانت شبه ممتازة، ولم يظهر ما يوحي بوجود "حزب الله" في الحكومة، ما يعني ان التقارب السعودي الايراني يمكن ان يكون مساعداً في بت هذه المسألة، ما قد ينعكس "ليونة ومرونة" على مستويات اخرى. بيد ان هناك، في المقابل، من ينبه الى ان اللقاء السعودي الايراني، لا يعني حل كل الاشكالات دفعة واحدة، بل ان هناك من اصحاب هذا الرأي من يعتقدون ان ورقة "حزب الله" تحديداً قد تبقى "عالقة"، حتى يكون بالامكان استخدامها على طاولة المفاوضات، ما يمكن ان يترك الحكومة مجدداً "اسيرة" الرهانات والرهانات المضادة وهو ما قد يستغرق وقتا طويلا قبل ان تتكشف معالمه. لكن الاكيد ان لبنان يتأثر بشكل مباشر بأي تطور على خط السعودية وايران، فاذا تقاربت الدولتان الاقليميتان الاساسيتان ينعكس ذلك انفراجاً على الداخل اللبناني، واذا اشتبكتا يترجم ذلك "توتراً"، تنفجر معه مختلف "الجهات" دفعة واحدة. يعود ذلك بشكل مباشر الى العلاقة "العضوية" بين العديد من القوى المؤثرة والاساسية مع كل من الرياض وطهران، فضلاً عن حجم "النفوذ" الذي تتمتع به العاصمتان، معنوياً على الاقل، وقدرتهما على اخذ الامور بالاتجاه الذي تريدانه. 

في اي حال، تحرك البطريرك الجديد القديم يوفر بارقة امل جديدة مستفيدة من مواقف الداخل وتقارب الخارج، لكن العبرة تبقى في ان تتوافر الارادة الحقيقية والصادقة في الداخل للتقارب وتشكيل الحكومة، ويكون "الاخراج اللبناني" لحل الازمة انعكاساً للسيناريو التقاربي الذي قد يتحقق من خلال عودة التواصل السعودي - الايراني.... ولو في بداياته!.