تفاصيل الخبر

الحريري سمع ثوابت الكرسي الرسولي: لا تدخل في الخلافات... ودعم أي عمل إنقاذي

28/04/2021
البابا "فرنسيس" يستقبل الرئيس سعد الحريري في الفاتيكان.

البابا "فرنسيس" يستقبل الرئيس سعد الحريري في الفاتيكان.


لا يختلف اثنان على أن الزيارة التي قام بها الرئيس المكلف سعد الحريري الى الفاتيكان شكلت تطوراً في مسار الأزمة التي يعيشها لبنان راهناً نظراً لأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الكرسي الرسولي في المساعدة على حل "المعضلة" اللبنانية، كما يحلو لبعض المسؤولين الفاتيكانيين تسميتها، ولا شك ان اللقاءات التي عقدها الرئيس الحريري مع البابا "فرنسيس" وامين سر الدولة البابوية الكاردينال "بيترو بارولين" ووزير الخارجية المطران "بول ريتشارد غالاكر"، ساعدت في اطلاع الكرسي الرسولي على موقف الرئيس الحريري من الاوضاع في لبنان عموماً، والملف الحكومي خصوصاً، وهذا الامر اعتبره الرئيس الحريري "عاملاً ايجابياً" اعطى للزيارة درجة من النجاح كان يصبو اليها في ظل التجاذبات السياسية اللبنانية و"الاتهامات" التي وجهت للحريري بأنه يحاول فرض وزراء يختارهم هو من الحصة المسيحية في وقت يرفض رئيس الجمهورية العماد ميشال عون هذا الامر ويصر على ان يتولى هو- اي الرئيس عون- تسمية الوزراء المسيحيين تحقيقاً للشراكة الوطنية والميثاقية، طالما ان رئيس الجمهورية غير قادر على تسمية الوزراء المسلمين الذين يتقاسم تسميتهم الحريري بالنسبة الى السنة، و"الثنائي الشيعي" بالنسبة الى الوزراء الشيعة، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بالنسبة الى الدروز.

ولا شك ان الرئيس الحريري استعمل صداقات آل الحريري مع الكرسي الرسولي، من ايام والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليس فقط للحصول على المواعيد على رغم عدم صفته الرسمية بعد، بل كذلك ليجد اذاناً صاغية لدى المسؤولين في الدوائر الفاتيكانية من دون ان يعني ذلك انه استطاع "التأثير عليهم" لتبديل مواقفهم، لأن هؤلاء يدركون حساسية الوضع اللبناني ولديهم ما يكفي من المعطيات لتحديد مواقفهم وخياراتهم التي ترسم حركتهم في اتجاه لبنان، وبدا واضحاً ان "النصيحة" التي سمعها الحريري في الفاتيكان تركزت على ان يكون الحوار بين اللبنانيين السلام الامضى في تنظيم خلافات مكونات هذا البلد وعيشها معاً، مع ادراك الكنيسة الكاثوليكية ان اتجاهات هذه المكونات ليست واحدة ولم تعد تسير في اتجاه موحد شأن مجتمعات اخرى، وان المطلوب هو الابقاء على مساحة الحوار بين اللبنانيين وحرية الفكر والمعتقد.


والخلاصات التي توصل اليها فريق الحريري هي ان الحديث عن خوف على المسيحيين لا يكون بضرب الصيغة اللبنانية التي يحرص الفاتيكان عليها، وان من يسعى الى ضرب اسس اتفاق الطائف ونسفه لا يعمل على تأمين الحماية للمسيحيين. وفي المعلومات ان الحريري لم يتناول مع البابا "فرنسيس"، وتحديداً في اللقاءات الطويلة مع "بارولين" و"غالاكر" موضوع الحكومة والعجلة الى تأليفها من موقعه الشخصي والطائفي، ولا الغوص في ازمة الثلث المعطل، ولاسيما انهم يعرفون كل العراقيل التي ترافق التأليف. واظهر الحريري في طيات كلامه مع المسؤولين في الفاتيكان أن المطلوب فعل شيء كبير من اجل لبنان وانقاذه من حالة التدهور المفتوحة وانعكاسها السلبي على كل اللبنانيين، وان لا فائدة من الالتفات الى المسيحيين من دون بقية المكونات، اي ان انقاذ لبنان ينقذ المسيحيين.


تصريحات الحريري أربكت وأزعجت


إلا أن التصريحات التي ادلى بها الرئيس الحريري بعيد لقاءاته الفاتيكانية ولاسيما دخوله في الشق المتعلق بالازمة الحكومية وتوجيه انتقادات الى رئيس الجمهورية والنائب جبران باسيل تركت اصداء سلبية في بيروت وفي روما على حد سواء ذلك ان الربط بين اللقاءات التي عقدها والمسائل اللبنانية الداخلية لم يكن موفقاً ولا مستحباً بالنسبة الى المسؤولين في الدوائر الفاتيكانية، في حين وصف الفريق المستهدف كلام الحريري بأنه كان "استفزازياً" خصوصاً بعد صدوره من منبر الفاتيكان الذي يفضل القيمون عليه ان يبقى على مسافة واحدة من جميع القيادات اللبنانية وعدم اقحام الدوائر الفاتيكانية بالملفات الداخلية اللبنانية وما تجره من خلافات لا يمكن للكرسي الرسولي ان يكون طرفاً فيها. من هنا حرصت مراجع على صلة قريبة بالكرسي الرسولي على القول إن استقبال البابا والكاردينال "بارولين" والمطران "غالاكر" للحريري ينطلق من ان ابواب الفاتيكان مفتوحة امام الجميع للاستماع اليهم والتشاور، فكيف اذا كان الامر يتعلق بلبنان وبشعبه وبمستقبله الموجود حالياً على المحك. لكن في المقابل لا يدخل الكرسي الرسولي في الاصطفافات والمحاور اللبنانية الداخلية او يقف طرفاً مع احد، بل يعنيه لبنان بجميع ابنائه وبانتماءاتهم كافة، وهمه ايجاد السبل لانتشار "بلد الارز" من الواقع الراهن. وعلى رغم من ان الحريري اعلن بعد لقائه البابا أن قداسته سيزور لبنان بعد تأليف الحكومة، الا ان الفاتيكان لم يعلن ذلك، بل قال المتحدث الرسمي باسمه "ماتيو بروني"، إن البابا جدد رغبته بزيارة لبنان بمجرد أن تكون الظروف مؤاتية، ولم يشر الى ان الحبر الاعظم ربط هذه الزيارة بتأليف الحكومة".

وتضيف المصادر القريبة من الكرسي الرسولي أن ما يهم البابا او المسؤولين الكبار المعنيين بالشأن اللبناني الذين التقاهم الحريري بعد لقائه الحبر الاعظم، هو ايجاد السبل لوضع حد للازمات التي يعانيها لبنان وشعبه، وأبدوا كل الاستعداد للمساعدة والدعم سواء عبر الديبلوماسية او بوسائل اخرى، فضلاً عن المساعدات التي يقدمها للبنان منذ فترة طويلة. وتلفت المصادر الى أن هناك قلقاً لدى الفاتيكان على الوضع اللبناني بكل مكوناته، مسيحيين ومسلمين وعيشاً مشتركاً. وهذا الموقف أكده البابا في مناسبات عدة. وتم التشديد عليه خلال اللقاء مع الحريري. اما المحاور الداخلية المعروفة في لبنان فلا تعني الفاتيكان بمقدار ما يعنيه تحسين الاوضاع او ايجاد الوسائل للخروج من الازمات كلها، الاجتماعية والمالية والاقتصادية والسياسية.

مع حكومة وإصلاح

 أما بالنسبة الى الموضوع الحكومي الذي حاول فريق الرئيس الحريري الإيحاء بأن الفاتيكان يلاقيه في ما يرمي اليه من تشكيل الحكومة، فإن المصادر قالت إن ما سمعه الحريري كان إصرار الفاتيكان على أن تكون هناك حكومة وإصلاح في لبنان، وإن موقف الكرسي الرسولي داعم لأي مبادرة تساهم في حل الازمات التي يعانيها لبنان واللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب والانتماءات فالهم يرتبط بالانسان في لبنان بنحو عام. وتؤكد المصادر نفسها ان المسؤولين في الفاتيكان لم يدخلوا في الاصطفافات اللبنانية ولا توجد لديهم ارادة ان يكونوا مع فريق ضد فريق آخر. وبالتالي ان اي مسؤول لبناني يرغب في زيارة الفاتيكان ستكون الابواب مفتوحة له، وهناك استعداد للاستماع الى الجميع والتواصل مع الجميع، لكن هناك اعتبارات بروتوكولية لاستقبال الزائر اذا كان رئيس دولة او وزيراً او نائباً او مسؤولاً. وتوضح المصادر نفسها ان العمل الديبلوماسي في الفاتيكان جدي ومحترف ولا تتخذ اي قرارات كرد فعل على مسألة معينة او بتسرع. فأي موضوع يتم درسه وتمحيصه بطريقة جدية ودقيقة. كذلك يجري الاهتمام بلبنان من اكثر من دائرة فاتيكانية، فلبنان موجود على تقاطع عدد غير قليل من اللجان الفاتيكانية، اكثر من اي دولة اخرى. ولم يدخل اي مسؤول فاتيكاني التقاه الحريري في تفاصيل الأزمة لأنهم على علم بكل دقائقها، لكن ما يهمهم هو النتيجة من دون الدخول في التفاصيل.

وتوضيحاً لما روج بعد عودة الحريري الى بيروت عن زيارة مرتقبة لمسؤولين من الكرسي الرسولي، اكدت المصادر نفسها ان لا شيء تقرر في هذا الصدد، بل هناك افكار لا تزال قيد الدرس علماً انه من غير الوارد بالنسبة الى الفاتيكان القيام بأي وساطة او مبادرة، بل تقديم الدعم لاي مبادرة ومنها المبادرة الفرنسية التي كان الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" تشاور فيها مع الاب الاقدس للمساعدة في انتشال لبنان من ازماته، كذلك نفت المصادر ما تردد بعد عودة الحريري عن امكانية استدعاء الكرسي الرسولي لشخصيات لبنانية لزيارة روما، في حين ان الكرسي الرسولي يرحب بمن يرغب في زيارته.

في اي حال سواء كانت اجواء الرئيس الحريري عن زيارته للفاتيكان ايجابية وواعدة، كما تقول مصادره، فإن الاكيد ان الدوائر الفاتيكانية جاهزة للمساعدة "من دون طبل وزمر" ولن يوفر الفاتيكان اي فرصة للمساهمة في انتشال لبنان من ازمته، وهو فاعل ومتحرك على المستوى الديبلوماسي وأن لكلمته وزناً، ومقاربة البابا "فرنسيس" للبنان كمقاربات اسلافه ولاسيما منها البابا "يوحنا بولس الثاني"، فللبنان اهمية كبيرة لدى الكرسي الرسولي، على مستوى العيش المشترك الاسلامي - المسيحي وأيضاً على مستوى موقعه ودوره بكل مكوناته، في المنطقة. وهذا الامر ليس بجديد، بل ان الاهتمام بلبنان دائم لكن يضاف اليه الان قلق البابا والمسؤولين الكبار في الفاتيكان على وضع لبنان واللبنانيين جميعاً.