تفاصيل الخبر

هل تكون كاميرات المراقبة الدولية على الحدود سبباً لمواجهة بين لبنان والأمم المتحدة؟

28/04/2021
الرئيس ميشال عون والجنرال "استيفان دل كول".

الرئيس ميشال عون والجنرال "استيفان دل كول".


 إذا كان الوضع الأمني على الحدود الجنوبية لا يزال يتصف بالاستقرار حيناً، والهدوء الحذر احياناً، إلا أن ثمة تطورات تحصل من حين الى آخر تعيد الاضواء الى الجنوب وتحيي قلقاً من حصول اي انتكاسة في اي لحظـــة لاسيما مع استمرار الخروقات الاسرائيلية براً وبحراَ وجواً بالتزامن مع توقف المفاوضات غير المباشرة بين لبنان واسرائيل على ترسيم الحدود البحرية الجنوبية نتيجة الخلاف الذي وقع بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي حول الخطوط التي سيتم التفاوض عليها...الا انه في الاسابيع الماضية عاد القلق الى المنطقة الحدودية بعد بروز مخاوف من حصول مواجهة بين القوات الدولية من جهة، والفعاليات البلدية والحزبية والاهلية، بعد اعلام قيادة "اليونيفيل" المعنيين عن قرار صادر عن مجلس الامن الدولي بتركيب كاميرات مراقبة على طول الخط الازرق، مرتبطة بغرفة العمليات في القيادة الدولية في الناقورة لتأمين مراقبة افضل لهذا الخط الذي يعتبر الفاصل بين الحدود اللبنانية والحدود المقابلة، فضلاً عن انه يؤمن متابعة على مدار الساعة لأي حركة يمكن ان تحصل على الحدود لاسيما بعد تسجيل عدة حوادث تسلل لمدنيين غير لبنانيين من الاراضي اللبنانية في اتجاه الاراضي المحتلة، وهي حوادث لا تحمل اي طابع عسكري، بل لاعتبارات كانت احياناً اجتماعية وانسانية.

 ردة الفعل لدى ابناء المنطقة الحدودية كانت رفضاً مطلقاً لرغبة "اليونيفيل" في تركيب كاميرات المراقبة ولم تنفع الاتصالات التي اجريت في هذا الصدد لاعتبارات مختلفة بعضها سياسي والبعض الاخر يتصل بالواقع الاجتماعي لاهالي القرى الجنوبية وخصوصياتهم، في حين تظن القيادة الدولية ان لقرار الرفض خلفيات امنية متصلة بتحرك عناصر حزب الله في المنطقة. من هذا المنطلق حمل قائد "اليونيفيل" الجنرال "استيفان دل كول" هذا الملف – اللغم واتى به الى قصر بعبدا الاسبوع الماضي، شارحـــــاً لرئيس الجمهورية العمــــاد ميشال عون الاسباب التي دفعت نيويورك الى الطلب من قيادة "اليونيفيل" تركيب كاميرات المراقبة، واهمها المحافظة على سلامة العسكريين الدوليين وهو قرار قال انه ينطبق على سائر قوات حفظ السلام العاملة في دول العالم بغية تحسين اوضاعها وسلامة افرادها وان القرار صدر عن مجلس الامن والقيادة الدولية ملزمة بتطبيقه. واكد الجنرال "دل كول" ان هذه الكاميرات لن توجه الى داخل البلدات الجنوبية، بل تركب فقط على طول الخط الازرق في ابراج المراقبة التابعة لــ "اليونيفيل" حفاظاً على الاستقرار والامن في المنطقة، وبالتالي لا داعي للخوف الذي يبديه الاهالي والفعاليات في المناطق الجنوبية لان الهدف هو حماية المناطق التي تعمل فيها "اليونيفيل". وشدد دل كول على ان دعم لبنان لهذه الخطوة اساسي في اطار الالتزام بتطبيق القرار 1701 الصادر عن مجلس الامن العام 2006.

وتقول مصادر مطلعة ان الجانب الدولي متمسك في تنفيذ هذه الاجراءات "الوقائية" التي لا تهدف الى "التجسس" على احد وان ما ستوفره هذه الكاميرات من معطيات وصور لن يرسل الا للقيادة الدولية وليس الى اي مكان آخر، لافتة الى ان الجهات المختصة في الامم المتحدة في نيويورك تراجع بشكل دائم في الاسباب التي حالت دون البدء بتركيب الكاميرات لاسيما وان الاحوال الجوية باتت تسمح بذلك مع حلول فصل الربيع وتوقف المطر وهطول الثلج في المناطق الحدودية العالية. واشارت المصادر نفسها الى ان "دل كول" سمع من المسؤولين اللبنانيين كلاماً خلاصته ضرورة البحث في هذه المسألة مع قيادة الجيش اللبناني انطلاقاً من التنسيق القائم بين القيادتين اللبنانية والدولية، مع ضرورة "طمأنة" الفعاليات الاهلية والبلدية الى "سلامة" هذه الخطوة وخلوها من اي ابعاد يمكن ان تثير القلق والريبة. 

وثمة من رأى في الجانب اللبناني ان اي اجراء اضافي يمكن ان تتخذه "اليونيفيل" يحتاج الى اتفاق يوقع بين الجانبين اللبناني والدولي وهو الامر الذي لم يحصل في ما خص موضوع الكاميرات..

نحو مواجهة جديدة؟

وسط هذه التطورات المستجدة التي اعادت الى الواجهة العلاقة بين القوات الدولية والاهالي والتي لم تكن دائماً على ما يرام بفعل الحوادث التي كانت تحصل في بعض القرى الحدودية بين دوريات من "اليونيفيل" والاهالي لاسباب مختلفة، ثمة مخاوف من ان تكون منطقة العمليات الدولية في الجنوب، مسرحاً لمواجهات من نوع جديد لاسيما وان القوات الدولية ابلغت من يعنيهم الامر في الجنوب انها وان اوقفت مشروع تركيب الكاميرات تحت وطأة حركات الاعتراض "المنظمة"، الا انها ليست في وارد التراجع عن الخطوة بل ستعاود العمل لتنفيذها لان القرار صادر عن مجلس الامن الدولي ولا يمكنها تجاهله او عدم تطبيقه... في المقابل تبدي الجهة الاخرى، اي البلديات والفاعليات الجنوبية، اصراراً لا رجعة عنه على الحيلولة دون تركيب اجهزة وكاميرات تعتبرها انتهاكاً لخصوصيات الاهالي ومجتمعات تلك المناطق فضلاً عن مقاصد اخرى تتنافى والدور الاساسي الذي من اجله حلت القوة الدولية في منطقة عملها في الجنوب قبل نحو 15 عاماً.

وتتولى جهات متابعة لملف العلاقات مع "اليونيفيل" انه من المألوف والمعروف مذ اتت قوة "اليونيفيل" الى بقعة عملها المحددة بموجب القرار 1701 الصادر في صيف عام 2006 ان حركتها وفق مندرجات هذا القرار يتعين ان تتم باشراف الجيش اللبناني وبعلمه وبالتنسيق معه. بل ان هذا القرار حظر على هذه القوة ان تسير دورية او تقيم حاجزاً او تدخل مكاناً من دون علم الجيش ومواكبته، الى درجة ان بعض الخبراء يعتبرون ان الامر الواقع هذا هو مكسب للجيش. ونسجاً على منوال مضامين هذا القرار وواقع الحال الذي بني عليه منذ وصول القوة الدولية الى الجنوب، سارت الامور طوال العقد ونصف العقد الماضيين ما خلا اشكالات محددة كانت تسجل وتجري معالجتها لتعود الامور الى سابق عهدها. ولكن وفق تقديرات جهات معنية مباشرة بالوضع، فإن قيادة "اليونيفيل" قد الحت في الفترة الاخيرة وعلى نحو غير مسبوق على ادخال تعديلات على طبيعة عملها وتحركاتها تحت شعار "ضرورات الحاجة المستجدة". ولما رفضت الجهات الرسمية اللبنانية المعنية التجاوب، لجأت الى الاستحصال على اذن من مجلس الامن يجيز لها تركيب الكاميرات والاجهزة. وهو ما اضعف موقف المؤسسة العسكرية اللبنانية وقدرتها على الاعتراض، فما كان منها الا ان احالت الامر على الجهات المعنية، اي وزارة الدفاع ومجلس الوزراء مجتمعاً بهدف اتخاذ القرار المناسب في ذلك.

ولاحظ المعنيون ان حزب الله نأى بنفسه عن هذا "الاشتباك" لكن مصدراً فيه استبعد ان تنجح قوة "اليونيفيل" في المضي قدماً في تلك المهمة الصعبة وقال : "نحن نفترض ان تكون قيادة اليونيفيل قد قرأت بتمعن حركة الاعتراض الصلبة التي ابدتها المجالس البلدية والفاعليات في كل المنطقة الحدودية لجبه هذا المشروع ومنعه. وتفترض بالموازاة ان تكون وصلت الى استنتاجات متعقلة تثنيها عن المضي في خطوتها، خصوصا ان اعتراض الناس قاطع ولا عودة عنه. واذ ما بلغت هذه القناعة وعملت بموجبها فعندئذ تعود الامور الى مربع التهدئة والتعايش القائم مذ حلت القوة بين ظهراني الجنوبيين.

ويقول احد الخبراء العسكريين ان المصدر الاول لموجة الريبة لدى الاهالي "يتأتى من طبيعة الاجهزة التي تعتزم القوة الدولية تركيبها ولو عنوة، فهي وفق العلم العسكري عبارة عن سلسلة مترابطة من الحساسات الحرارية والكاميرات المتنقلة او المثبتة على ابراج مراقبة مرتبطة جميعها بغرفة مراقبة ورصد وتحكم لدى غرفة عمليات قيادة "اليونيفيل"، لذا تصير مشروعة خشية القوى المعنية، وتبدو حجة الدوليين ان ثمة مستجدات تستدعي تركيب هذه الاجهزة ضعيفة، ولهذه الموجة من الريبة ما يبررها الى ان تثبت القوة الدولية العكس، فالوضع على الحدود حساس جداً وثمة صراع لم ينته بعد".

ويبقى السؤال: هل ستكون كاميرات المراقبة الدولية سبباً لمواجهة جديدة بين الدولة اللبنانية ومجلس الامن الدولي ام يمكن معالجة هذه المسألة بــ "مرونة " خوفاً من مضاعفاتها السلبية على الوضع الامني في المنطقة الحدودية؟