تفاصيل الخبر

الحراك الروسي لتشكيل الحكومة له استراتيجيته: تقاطع مع المبادرة الفرنسية وليس استكمالاً لها

28/04/2021
الرئيس سعد الحريري خلال لقائه مع رئيس الوزراء الروسي "ميخائيل ميشوستين".

الرئيس سعد الحريري خلال لقائه مع رئيس الوزراء الروسي "ميخائيل ميشوستين".


 ترصد الأوساط الديبلوماسية العربية والغربية بكثير من الاهتمام، الانفتاح الروسي تجاه سياسيي لبنان والدعوات المتلاحقة التي وجهت الى عدد منهم بعد الزيارة التي قام بها الرئيس سعد الحريري الى موسكو قبل ايام والتي يفترض ان تليها مع نهاية شهر نيسان (ابريل) الجاري زيارة لرئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل، وسط حديث متزايد عن "دور روسي" قد يأخذ مداه في الآتي من الايام اذا توافرت له معطيات تجعله قابلاً للتحقيق وإن كان ثمة من يعتبر ان "الحراك" الروسي لا يزل في طوره "الاستطلاعي".... وفي هذا السياق، يتحدث العارفون ان الدعوات التي وجهت  لسياسيين لبنانيين اتت كي لا تكون زيارة الحريري "يتيمة" حتى لا تحسب في اطار الدعم السياسي، وكذلك بعد زيارة وفد حزب الله. ووفق المعلومات ان الشخصيات المدعوة من بينها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل ورئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع ويرى العارفون ان موسكو ستحاول من خلال هذه اللقاءات، الاستماع لمختلف آراء ووجهات نظر القوى الفاعلة على الخط اللبناني، من دون ان "تأسر" نفسها باحكام مسبقة ومبرمة، ومن دون ان تقع في "خطأ" غيرها، عبر "استثناء" طرف من هنا، او "تكبيل" طرف من هناك، لعلها تنجح في اكتشاف "المخارج" المناسبة، التي من شأنها ان تفضي الى الحــــل المطلوب، من دون ان "تحرج" احداً بالضرورة. واذ ينفي العارفون ان تكون الوساطة الروسية المفترضة، ان كتب لها ان تخرج الى الساحة، منسقة مع اي مبادرة اخرى، يشيرون الى ان عناوينها لا بد ان "تتقاطع" وتتلاقى مع الافكار التي يطرحها المجتمع الدولي منذ اليوم الاول، لجهة وجوب الاتفاق على حكومة اختصاصيين تضع نصب اعينها تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية والادارية، بما يسمح بــ "تحرير" المساعدات الدولية الموعودة للبنان، منذ ما قبل مؤتمر "سيدر" الشهير.

ولكن وفق مبدأ ان "المكتوب يقرأ من عنوانه" ثمة من يرى ان الحراك الروسي لن يكون اكثر من "استنساخ" للمبادرة الفرنسية، لأن الاخيرة وضعت ببساطة اساس الحل، الذي ارتضى به جميع الافرقاء واتفقوا على عناوينه، قبل ان "ينقلبوا" عليه في الممارسة والتطبيق، عبر التمسك بثلث معطل من هنا، وحقيبة دسمة من هناك. ولعل ما صدر عن الجانب الروسي من "توصيف" للحكومة الجديدة، اي حكومة اختصاصيين غير حزبيين، يلتقي مع ما طرحه الفرنسيون في هذا المجال، غير ان ثمة آراء اخرى حول ماهية الدور الذي تلعبه روسيا في لبنان، بين من يعتقد ان هذه الجهود لا تصل الى مستوى المبادرة، انما هي مجرد سياسة انفتاح على مختلف الافرقاء، بما يتناسب واهتمام موسكو في منطقة الشرق الاوسط عموماً، ومن يعتقد ان الامر يتعدى هذه "الشكليات" لصالح وساطة حقيقية وجدية لا لبس فيها.

لا تنسيق روسي مع فرنسا

ويتقاطع الرأيان عند عدم التشكيك بوجود محاولة روسية، يكبر او يصغر حجمها، لإحداث "خرق ما" في الواقع اللبناني، استناداً الى شبكة العلاقات "المميزة" التي تحظى بها موسكو مع مختلف الاطراف والجهات الداخلية، والتي يمكن ان توظفها بما يتيح تقريب وجهات النظر، الامر الذي يشكل في مكان ما "مفتاح" الحل الذي يتوق اليه اللبنانيون في هذه المرحلة، بعدما شكوا من "جليد" يأبى الافرقاء "كسره" تحت اي ظرف من الظروف.

 وفي هذا السياق، يتحدث المطلعون على الموقف الروسي، ان شبكة العلاقات التي لدى روسيا مع الاطراف اللبنانيين قد تمنحها قدرة على احداث "خرق ما"، سواء مع الرئيس المكلف او مع حزب الله الذي تجمعه بموسكو "مصالح" متبادلة الى النائب باسيل الذي سيخرق بزيارته الى موسكو "الحظر" المفروض عليه بعد العقوبات الاميركية التي فرضت عليه قبل اشهر. ويبقى السؤال الابرز من اين ينطلق الروس في مساعيهم للحل والربط في لبنان وهل يؤسسون على ما حققته المبادرة الفرنسية وبالتالي تأتي جهودهم مكملة لتلك التي بذلها الفرنسيون ام ان للروس "استراتيجيتهم" الخاصة في التعاطي مع الملف اللبناني؟ يجيب المطلعون ان الاعتقاد يبدو اكثر ميلاً الى "دحض" فرضية "التنسيق" لصالح وجهة نظر "الجهود الفردية" المنفصلة عن سياق اي مبادرة من هنا او هناك، لاعتقاد موسكو بأن المبادرة الفرنسية اخذت فرصتها، ولا بد من محاولات اخرى تبذل وباطار مختلف بعيداً عن "قيود" قد تكون كبلت المحاولات السابقة، من حيث تعمد رعاتها او لا. وتتعزز هذه الفرضية بالنظر الى الاجواء الاقليمية غير المساعدة على توافق روسي- غربي عموماً، وروسي- فرنسي خصوصاً، فالعلاقة مع موسكو والغرب تكاد تكون في اسوأ حالها، على وقع التوتر مع اوكرانيا، واصطفاف الاوروبيين والاميركيين الواضح على خطــــه، او حتى على صعيد قضية المعــــارض الروسي الكسي نافالني ورفض موسكو لمـــا تسميه "تدخلاً" من الدول الاوروبية في شأن داخلي "سيادي". ما يؤكد هذا الرأي ما صدر عن باريس في اليومين الماضيين، بما لا يوحي بــ "تناغم وانسجام" فالرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تحدث صراحة عن "استعداد" بلاده لفرض عقوبات على موسكو، ووزير خارجيته جان ايف لو دريان حمل الرئيس فلاديمير بوتين شخصياً مسؤولية اي سوء يتعرض له المعارض نافالني، ما يدفع الى الاعتقاد بأن اي مبادرة يطلقها الروس في لبنان ستكون بمعزل عن اي جهد آخر، بل ربما في اطار البحث عن دور، ولو تطلب ذلك "التشويش" على المبادرات الاخرى المطروحة على الطاولة.

 في اي حال، يرى البعض ان اي مبادرة جديدة في لبنان، سواء كانت روسية او غيرها، لا بد ان تنطلق مما انتهت اليها المبادرة الفرنسية، سواء "تحصنت" بتنسيق بين الوسطاء ام لا، لان الاخيرة فرضت "قـــواعد لعبة" قد لا يكون متاحــــاً "الانقلاب" عليها في هذه المرحلة. ويذهب اصحاب هذا الرأي الى الاعتقاد بأن اي جهود تبذل لا بد ان تكون "مكملة" للمبادرة الفرنسية، لانها ببساطة وضعت اساس الحل الذي لا يمكن الانحراف عن مساره، وعنوانه حكومة انقاذ ذات مصداقية وقادرة على تطبيق الاصلاحات. ولكن، في غمرة الخلاف حول شكل المبادرة وطبيعة الدولة "الفائزة" بشرف النجاح، يبقى "المحك" الاساسي مرتبطاً باللبنانيين انفسهم، الذين تبقى "المبادرة" الفعلية على عاتقهم هم، فاما يسهلون الحل، من دون حاجة لوساطات اصلاً، واما يعقدون الامر اكثر، كما يفعلون فتصبح كل الوساطات بلا قيمة.