تفاصيل الخبر

نكبة مرفأ بيروت أمام مسارين: تحقيق داخلي فعال أو دولي غير مضمون

03/03/2021
المحقق العدلي الجديد القاضي طارق بيطار.

المحقق العدلي الجديد القاضي طارق بيطار.

  في الرابع من آذار (مارس) الجاري، انقضت سبعة أشهر على الانفجار الذي دمّر مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) الماضي وأحياء عدة من العاصمة وأوقع اكثر من 200 شهيد وستة الاف جريح، وخسائر لا تحصى في الممتلكات.... ومع مرور الأشهر السبعة لم يصل التحقيق العدلي الذي بدأ قبل اشهر الى نتيجة ملموسة تكشف الغموض الذي رافق الانفجار وأسباب وصول الكميات الكبيرة من "نترات الامونيوم" الى مرفأ بيروت في العام 2013، والجهة التي أدخلت السفينة "روسوس" التي نقلت الحمولة، وأسباب افراغها في المرفأ مع العلم ان البضاعة كانت مرسلة- مبدئيا- الى موزامبيق، ثم أسباب ايداعها المستودع رقم 12 في المرفأ و"نسيانها" كل هذه السنوات حتى وقع الانفجار المشؤوم وما تلاه من تداعيات لا تزال مستمرة حتى الآن والى ازدياد.

 وبدل ان تحمل الأشهر السبعة التي انقضت جديداً على صعيد التحقيق العدلي، اتى قرار محكمة التمييز بقبول طلب الارتياب المشروع الذي قدمه النائبان علي حسن خليل وغازي زعيتر ضد المحقق العدلي فادي صوان إضافة الى مسألة امتلاكه شقة متضررة في المنطقة المنكوبة، اتى القرار ليزيد التساؤلات ويرفع من منسوب الشكوك حول الملابسات التي تحيط بالتحقيقات الجارية وما رافقها من توقيفات لاشخاص لا علاقة مباشرة لهم بالنكبة التي حصلت، الا ان الظروف جعلتهم على صلة بعملهم في المرفأ من جهة او بمجرد إيصال احد العاملين الى المرفأ يوم الحادثة.... بيد ان جديد الملف وهو تعيين المحقق العدلي القاضي طارق بيطار خلفاً للقاضي صوان أعاد طرح التساؤلات إياها حول مدى قدرة التحقيق اللبناني في الوصول الى نتائج ملموسة تكشف حقيقة ما حصل والأسباب الكاملة وراء الانفجار ومن يتحمل فعلياً مسؤولية بقاء كل هذه المواد طوال سنوات في المستودع الذي قيل انه تعرض للسرقة لاكثر من مرة لاسيما وان الكمية الأساسية كانت 2750 طناً من النترات، فيما حجم المواد التي سببت الانفجار لا يتجاوز الـــ 500 طن وفق تقارير خبراء دوليين تولوا التحقيق والكشف بعد أيام قليلة من الانفجار المدمّر.

ونظرا لما رافق التحقيق العدلي في زمن القاضي صوان من تساؤلات وعلامات استفهام، ارتفعت أصوات تنادي بتشكيل لجنة تحقيق دولية راحت تتسع يوماً بعد يوم، وسط صمت رسمي حيال هذه المسألة مع الإصرار على إبقاء التحقيق في يد القضاء اللبناني نظراً للتجارب السابقة مع التحقيق الدولي خصوصاً في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه التي وقعت في 14 شباط ( فبراير) 2005 ولا تزال امام المحكمة الدولية التي تم التمديد لها سنتين اضافيتين لاستكمال عملها! ولعل ما حرك المطالبة بالتحقيق الدولي في جريمة المرفأ كتلة نواب "الجمهورية القوية" الذين قدموا طلباً خطياً لهذه الغاية، فهل سيتجاوب المجتمع الدولي مع طلب النواب ام يستمر التحقيق في عهدة القضاء اللبناني؟

مسيرة لجنة التحقيق الدولية

 خبراء في القانون يتحدثون عن مراحل عدة يجب ان تحصل قبل قيام لجنة تحقيق دولية، ابرزها إنشاء بعثة لتقضي الحقائق من مجلس الامن الدولي، اما بطلب من الدولة المعنية رضائياً للمساعدة بسبب عدم إمكان اجراء التحقيق داخلياً، او ان يفرض مجلس الامن بالقوة على الدولة المعنية (أي لبنان) ان تستقبل هذه البعثة لتقصي الحقائق على ان يحول تقريرها الى لجنة تحقيق دولية، وربما لاحقاً الى محكمة دولية خاصة، او ان يحيل الامر على المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب نظام روما العام 1998. على ان الحالة الثانية التي تكون تحت الفصل السابع بموجب المادة 39 وما يليها من الاحكام التي تجيز استعمال القوة في سبيل فرض تحقيق امر معين يرى مجلس الامن ان من شأنه ان يحافظ على السلم والامن العالميين.

وتقول مصادر متابعة إن ثمة صعوبات محلية ودولية تقوم بوجه انشاء بعثة لتقصي الحقائق او لجنة تحقيق دولية، وتكمن الصعوبات الداخلية في ان السلطة الحاكمة في لبنان، في معظمها، ترفض الإحالة على تحقيق دولي، في حين ان الصعوبات الدولية تكمن في صدور قرار عن مجلس الامن على الأقل بموافقة تسعة أعضاء من اصل 15 عضواً يؤلفون مجلس الامن، على ان لا تستعمل احدى الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض. 

وهذا امر صعب في السياسة الدولية بسبب صعوبة الاتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين على قضية دولية معينة، فضلاً عن صعوبة أخرى هي صعوبة موضوعية لجهة انه يقتضي اثبات ان تفجير المرفأ يمس بالامن والسلم العالميين من طريق اعتباره مرفأ دولياً وليس ميناء داخلياً صرف، وان المواد المستعملة في التفجير خطرة للغاية، وان ثمة إمكانية لوجود قصف خارجي او طيران أدى الى هذا التفجير، وكذلك اثبات ان هذه المواد قد استعملت في نزاعات إقليمية هددت السلم والامن الدوليين طوال تخزينها في المرفأ".

 ولفتت المصادر الى ان إنشاء لجنة تحقيق دولية يوقف دور الأجهزة الأمنية المحلية ليوليها الى هذه اللجنة، ما يستتبع تنازلاً جزئياً للدولة اللبنانية عن السيادة القانونية لتمكين التحقيق الدولي من وضع يده. اما بعثة تقصي الحقائق فلا توقف عمل هذه الأجهزة في هذا الملف. واذ يرى الخبراء ان الظروف الحالية في لبنان لا تسمح بقيام محايد للأسف، وربما يكون هناك محقق اقرب الى ان يكون محايداً او محايداً  في المطلق، لكن التحقيق لا يمكن ان يكون محايداً بسبب الضغوط السياسية الهائلة التي ترافق مثل هذه الجرائم ذات الطابع السياسي، والتي في معظمها سواء التفجيرات والاغتيالات التي حصلت خلال الحرب اللبنانية او بعدها، لم تفض الى نتيجة، بدليل خلو عدد كبير من ملفات هذه الجرائم من أوراق التحقيق اللازمة. ويقترح خبراء تعيين قاض مساعد للمحقق العدلي في جريمة المرفأ لأنها جريمة كبيرة وتتطلب اصدار استنابات وطلب تعاون دولي ومتابعة حثيثة. مع استبعاد ان يقدم طلب لبناني رسمي لتعيين لجنة تقصي حقائق ما لم يضغط الرأي العام الداخلي، ويتقاطع ذلك مع رأي عام خارجي، او على الأقل ذهاب دولة عظمى او اكثر الى هذا الخيار. لكن كما للتحقيق الداخلي مساوىء، هي التأخير وعدم البلوغية بسبب الضغوط السياسية الكبيرة، فللتحقيق الدولي مساؤه هو الآخر بسبب امكان تعرضه للتسييس واخذ البوصلة الى استهدافات أخرى يكون لبنان بغنى عنها.

ويبقى السؤال هل من مصلحة لقيام تحقيق دولي في جريمة المرفأ، ام ان تبقى يد القضاء اللبناني على هذا التحقيق؟ الجواب يرتبط بالنهج الذي سيعتمده القاضي بيطار في تحقيقاته والمنحى الذي يذهب اليه التحقيق.... وغداً لناظره قريب!.