تفاصيل الخبر

هل يسرّع "سبت بكركي" في الحلحلة الحكومية أم يضيف المصاعب القائمة جديداً؟!

03/03/2021
حشود شعبية مؤيدة لطروحات الراعي في ساحة بكركي

حشود شعبية مؤيدة لطروحات الراعي في ساحة بكركي


  لا يختلف اثنان على أن "النداء" الذي وجهه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يوم السبت الماضي امام المحتشدين في بكركي الذي قدر البطريرك عددهم بنحو 15 الف شخص، شكل نقطة تحول في الحياة السياسية اللبنانية لا من حيث المضمون الذي سبق ان كرره في مناسبات عدة، بل كذلك من خلال الاطار الذي وضع فيه اللقاء واعطي بعداً سياسياً في محاولة لجعل مضمون كلمة البطريرك خارطة طريق للمرحلة المقبلة وان كانت محفوفة بالمخاطر سواء الدعوة الى عقد مؤتمر دولي يعالج الوضع في لبنان او ما يعرف بــ "التدويل" ام لجهة تأكيد التمسك بــ "الحياد الناشط" او "الحياد الايجابي"، لانقاذ لبنان من الوضع الذي يعيشه. كذلك لا يختلف اثنان على ان ما طرحه البطريرك من عناوين وشعارات يلتقي حولها الكثير من اللبنانيين، كما يبتعد عنها الكثير ايضاً لاسيما في الشق الذي يتحدث فيه عن "وجود دولتين او دول على ارض واحدة، وجيشين او جيوش في دولة واحدة، وشعبين او شعوب في وطن واحد"، معتبراً ان اي تلاعب بهذه الثوابت يهدد وحدة الدولة. اما العناوين التي يلتقي حولها اللبنانيون فتبقى مكافحة الفساد والجوع وسلب الاموال والحدود المفتوحة وخرق الاجواء وغيرها من المواضيع التي تنتقد الطبقة السياسية وفشلها في معالجة الشؤون الحياتية للمواطنين....

 لقد شكلت كلمة البطريرك في بكركي نقطة تحول سياسية مهمة خصوصاً اذا ما تم استثمارها من قبل الأحزاب السياسية التي تواجه أحزاب الممانعة وخياراتها لاسيما الجهات التي تقف بوجه حزب الله وتحمل مسؤولية ما يحصل في البلاد من اضعاف للدولة وانتهاك لسيادتها واستقلالية قرارها. ومثل هذا التوجه الحزبي يلتقي معه ديبلوماسيون عربا وأجانب يحملون في لقاءاتهم العلنية والسرية على حزب الله وينادون بوضع حد لمواقفه وتصرفاته وخياراته التي تتناقض مع منطق الدولة. 

ويتوقع في هذا المجال ان يعطي المجتمع الدولي أهمية لمواقف البطريرك من دون ان يعني ذلك الغوص في ترجمة ما طالب به من انعقاد مؤتمر دولي من اجل لبنان، او اعلان حياد لبنان، لأن هذه الخطوة او تلك لها أصولها وضوابطها وقواعدها وليس في الأفق الدولي اليوم ما يعطي للبنان تلك الأهمية التي من شأنها ان تجعل مطالب البطريرك حقيقة قائمة لأن الاهتمامات الدولية المتشعبة لم تصل بعد الى مستوى مقاربة الهموم اللبنانية المباشرة.

"استثمار" مواقف سبت بكركي....

  حيال ما تقدم تطرح مصادر متابعة أسئلة عما ستكون الخطوات العملية لمرحلة ما بعد خطاب البطريرك في بكركي خصوصاً في ظل ردود فعل مختلفة لدى الأحزاب والتجمعات السياسية الأخرى التي لا تلتقي مع القوى السياسية التي تبنت "مهرجان" بكركي وحضرت له لوجستياً واعلامياً واستثمرته من زاويتين، الأولى للترويج لمطالب البطريرك ودعواته، والثانية لـــ "الثأر" من "التيار الوطني الحر" الذي تتهمه هذه القوى بالاستئثار بالموقف المسيحي ومحاولة الهيمنة عليه واستمرار تحالفه مع حزب الله وخيار المقاومة. وترى المصادر المتابعة ان حجم التأييد الواسع لكلام البطريرك في الأوساط اللبنانية، سيقابله حجم رافض واسع أيضاً من أحزاب جبهة الممانعة والطائفة الشيعية التي اعتبرت انها مستهدفة في بعض ما جاء في كلام البطريرك لاسيما دعوته الى المؤتمر الدولي والحياد والتدويل. وبدت ردود الفعل السياسية التي صدرت بعد "سبت بكركي" واضحة في هذا المجال، وان تنوعت التوصيفات، لكن المعنى واحد والهدف واحد وخلاصته رفض ما صدر عن البطريرك في الشق التدويلي للازمة اللبنانية. وفي هذا السياق تقول المصادر صحيح ان البطريرك حرص ان لا يكون طرفاً مباشراً وواضحاً ضد حزب الله والعهد، وان يلاقي الجموع التي وصلت الى بكركي بما يليق بها ومع الحدث ومبادرته، ورفعت شعارات ضد السلاح والرئيس عون وأيضاً استبقت وصولها بإعلان مواقف مشابهة كالقوات والكتائب ومواقفهما معروفة من السلاح وعون، ورغم سير الراعي بين النقاط في مواقفه، الا ان الكثير من العناوين الخلافية تطرق اليها الراعي بشكل مختلف عن المضمون وكلها ملفات خلافية وستثير الحساسيات منها واهمها موضوع السلاح ونزعه. فدعا الراعي الى تطبيق القرارات الدولية، التي لم تطبق ومنها ما طبق جزئياً واهمها الـــ 1559 والذي طبق الشق المتعلق بالخروج السوري من لبنان، لكن البند المتعلق بالسلاح الفلسطيني وسلاح حزب الله لم ينفذ، وبالتالي اليست مطالبة ضمنية بسحب السلاح؟.

اما الإشارة الثانية التي توقفت امامها الأوساط ملياً، فهي قول البطريرك الراعي "إننا حررنا الأرض فلنحرر الدولة من كل ما يعيق سلطتها وادائها، فعظمة حركات التحرر والمقاومة في العالم هي ان تصب في كنف الدولة وشرعيتها وعظمة الدولة ان تخدم شعبها، فاين نحن ودولتنا من هذه العظمة؟.

وتوقفت الأوساط عند توصيف البطريرك بأن البلاد امام حالة انقلابية اذ لم يكن واضحاً ما عناه سيد بكركي في هذا الكلام، والى اي وقائع يشير الامر الذي طرح علامات استفهام كثيرة لا بد من توضيحها كي لا تأخذ التفسيرات الوقائع الى مواقع اخرى تزيد من الحساسية التي لوحظت عن اطراف سياسيين اعتبروا ان ما جاء في كلام البطريرك سوف يفتح الابواب امام ردود فعل وتعليقات قد لا تصب في مصلحة التوجه الوطني العام الذي اراده البطريرك من خلال كلمته لاسيما وان الظروف الراهنة قد لا تسمح بتحقيق الكثير مما جاء فيها.


البطريرك بشارة الراعي يخاطب الحشود من شرفة بكركي.

البطريرك بشارة الراعي يخاطب الحشود من شرفة بكركي.

... وانعكاساتها على الحكومة

واذا كانت ردود الفعل ستكون متنوعة وحسب المضمون والجهة الصادرة عنها، فإن السؤال الاقرب هو عن مدى تأثير مواقف بكركي على الازمة الحكومية وما اذا  كانت ستسرع في ايجاد حل لها. وهنا تبدي مصادر محايدة خشيتها من ان يؤدي التصعيد السياسي المرتقب بعد كلمة البطريرك، الى زيادة تعقيدات الازمة الحكومية بدلاً من تسهيل حلها اذ ان الدعوة الى التدويل تعني في نظر البعض، استنفاد المساعي الداخلية لإيجاد حل للازمة الحكومية وكذلك انهاء "صلاحية " المبادرة الفرنسية، عدا عن انها تضيف عاملاً خلافياً كبيراً يتجاوز موضوع الحكومة الذي بدا وكأنه تحرك جزئياً الاسبوع الماضي من خلال اشارات تبعث على الاعتقاد ان هناك محاولات جديدة لـــ "حلحلة" العقد الحكومية واعادة تنشيط حركة المساعي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، استئناف المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم تحركه وزيارته بكركي بعد بعبدا وبيت الوسط، واعلانه عن مشاركته البطريرك في الجهود لدفع عملية تشكيل الحكومة. وبطبيعة الحال فإن ما قام ويقوم به ليس بمنأى عن الرئيس بري ومبادرته ولا عن حزب الله، وكذلك صدور بيان كتلة حزب الله النيابية الاخير الذي تضمن موقفاً متقدماً عن المواقف السابقة لجهة التشديد على وجوب الاسراع في تأليف الحكومة وتحذيره من الوضع لم يعد يحتمل الانتظار، فضلاً عن اللقاء الذي جمع السفيرة الفرنسية برئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل في حضور اركان السفارة ومسؤولين في التيار حيث تركز البحث في موضوع الحكومة وسبل تسريع ولادتها. ولا يغيب ايضا الاتصال الذي جرى بين الحريري والبطريرك الراعي حيث تناول الى جانب المواقف الاخيرة لبكركي الوضع الحكومي وسبل عودة تحريكه. لكن هذه الاشارات الايجابية غير كافية او حاسمة، ولا تحدث تغييراً في المشهد الحكومي بسبب استمرار تصلب الاطراف المعنية في مواقفها واقفالها حتى الآن المنافذ للحلول. 

وليس اكيداً ان يساعد مضمون مهرجان بكركي في تحريك المساعي الإيجابية لأن الاجواء التي كانت ضاغطة قبل "سبت بكركي" ازدادت ضغطاً بعده والآمال التي كانت معلقة لإحداث "خرق" في الجدار الحكومي الصلب تكاد تتبدد، والافكار التي كانت قيد التبلور سيتراجع منسوب ايجابياتها ما يبقي الحكومة اسيرة الكباش الداخلي وعدم الاهتمام الخارجي لأن الفرنسيين "زهقوا" من مواقف القيادات السياسية اللبنانية التي تعتبر باريس بأنها ليست على مستوى وطني يتناغم وحراجة الموقف الذي يمر به لبنان راهناً.... 

 في اي حال، بين ما صدر من مواقف في بكركي، وبين الجمود على المسار الحكومي ترى مراجع مطلعة ان انعكاسات ما قيل في بكركي يمكن التخفيف من حدتها على امل ان تؤثر ايجاباً على المسار الحكومي اذا ما عملت بكركي على عدم تحويل دعوتها مادة للاستثمار السياسي خصوصاً على الساحة المسيحية او ان يشكل موقفها مادة لزيادة الانقسام اللبناني. وفي تقدير هذه المراجع ان البطريرك الراعي قادر على "التموضع" حكومياً في موقع يجعل في استطاعته ان يركز جهده من جديد لتأمين حركة متجددة للملف الحكومي خصوصاً انه لن يكون وحيداً في السعي الى تفعيل البحث عن حل للازمة الحكومية بصرف النظر عن طروحات المؤتمر الدولي والحياد، وهو يلتقي في ذلك مع جهات اخرى تسعى هي ايضاً للاسراع في تشكيل الحكومة من خلال تأجيل البحث في المؤتمر الدولي والحياد لأن التجاوب الدولي مع هذين المطلبين ليس اولوية المجتمع الدولي في هذه المرحلة، بل الاولوية هي للحكومة العتيدة.