تفاصيل الخبر

بين بعبدا و"التيار" و"بكركي" أكثر من "رمانة" بل "قلوب مليانة" في الحكومة والتدقيق!

21/04/2021
الرئيس ميشال عون يستقبل الوزير السابق وديع الخازن.

الرئيس ميشال عون يستقبل الوزير السابق وديع الخازن.


 كانت ملفتة زيارة عميد المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن الى قصر بعبدا الاسبوع الماضي بعد انقطاع استمر اشهراً، وكذلك التصريح الذي ادلى به بعد خروجه من القصر، وأرفقه في وقت لاحق بإيضاح حول العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي التي تتحسن حيناً ثم سرعان مع تعود لتصبح سيئة خصوصاً بعد كل عظة يلقيها البطريرك ويضمنها انتقادات حادة لـــ "جماعة السلطة" من دون ان يسمي رئيس الجمهورية، لكنه يلمح الى دوره غير المسهل في تشكيل الحكومة الجديدة. "الشيخ وديع" قال في تصريحه الملحق كما قاله في بعبدا ان الرئيس عون لم يقصد في تغريدته عن "الفاسدين يخشون التدقيق، اما الابرياء فيفرحون به" التوجه الى البطريرك الذي كان تحدث في عظته على ان التدقيق المالي الجنائي لا يجوز ان يكون انتقائياً ولا انتقامياً، لافتاً الى انه -اي التدقيق- لن يبدأ قبل تشكيل الحكومة الجديدة. وكان هذا الموقف اثار امتعاضاً شديداً لدى الرئيس عون الذي اعتبر ان البطريرك يضع العصي في دواليب التدقيق لاسيما وانه سبق ان دافع علانية في احدى عظاته عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد سلسلة الاتهامات التي وجهت اليه، اضافة الى تحميله مسؤولية الانهيار المالي الذي وصلت اليه البلاد.

الوزير السابق الخازن تناول موضوع التغريدة الرئاسية بعد زيارته الى بعبدا والتي اتت غداة العظة البطريركية، فقال :"بعض الاقلام السامة حاولت تفسير تغريدة الرئيس عون وكأنها موجهة للبطريرك الراعي وهذا غير وارد. فالرئيس تحدث عن الفاسدين وليس من شيمه توجيه اتهام مماثل للبطريرك الماروني الذي يصر على تشكيل حكومة ويصر عليها وهو ايضا يريد التدقيق الجنائي بالتزامن مع تشكيل حكومة جديدة". ولا بد من تهدئة الاجواء لان البطريركية والرئاسة الاولى خطان احمران وسيد بكركي كما رئيس الجمهورية حريصان على احترام مرجعية وموقع الاخر. لكن ثمة من يريد الاصطياد في المياه العكرة وهنا يأتي دور العقلاء"!.

 قد يكون الوزير السابق الخازن مصيباً في ان البطريركية والرئاسة "خطان احمران"، لكن المواقف التي تصدر سواء من بعبدا او من بكركي تتجاوز الخط الاحمر حسب مفهوم كل من سيدي القصر وبكركي، فما يراه الرئيس عون ضرورة وقناعة في موقفه من تشكيل الحكومة مثلاً، لا يراه مماثلاً البطريرك الراعي الذي يريد ان تصدر مراسم تشكيل الحكومة في اسرع وقت ممكن لأن البلاد لم تعد تحتمل اي تأخير وهي في حالة اقتصادية منهارة والجوع دخل ابواب فئات لبنانية كثيرة ولم يعد على الباب فقط بل اصبح في داخل كل منزل ووسط كل عائلة مع تصاعد نسبة العائلات التي دون الفقر. من هنا يحاول الخازن ان يعيد ابراز القواسم المشتركة بين الرئاسة والبطريركية، ولا يريد ان يتجدد التباعد مع عودة "الجيش الالكتروني" التابع لــ "التيار الوطني الحر" الى ارسال ذبذبات ضد البطريرك بعد كل عظة او موقف. وفي هذا السياق، تقول مصادر بكركي ان ما قصده البطريرك في ان التدقيق بعد تشكيل الحكومة، هو ان التدقيق المالي الجنائي في ظل حكومة اصلاح يكون اكثر فعالية وكان اجدى بالذباب الالكتروني ان يرد على غبطته بالسياسة وليس بالشخصي". المصادر اكدت ان البطريرك ليس طرفاً مع اي فريق، ولا يقول الا ما تمليه عليه قناعاته الروحية والوطنية. ومن المستغرب ان يفسر موقفه من مسألة التدقيق الجنائي بأنه مع فرقاء ضد فريق العهد".

ولا تنفي المصادر نفسها استحالة اسكات ابواق ذباب التواصل الاجتماعي لكنها تصر على تحميلها الرسالة التالية: "على كل فرد ان يتحمل مسؤولية كلامه والبطريركية لا تعول على حملات التواصل الاجتماعي ومن لديه استفسار فليتواصل معها". وتختم بأمنية للاصوات التي تعلو على شخص البطريرك الراعي والبطريركية المارونية: "تحلوا بالحكمة لأن الاجواء لا تتحمل استعادة مشهدية ما حصل في العام 1989، في اشارة الى "الهجوم" الذي شنه انصار العماد عون عامذاك، وكان رئيساً للحكومة العسكرية الانتقالية، على بكركي وتعرضوا يومها لشخص البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير في ما وصف بــ  اهانات مباشرة" جعلته يغادر صرح بكركي الى المقر الصيفي في الديمان!.

علاقة  "هشة"

وبعيداً عن المواقف المعلنة وغير المعلنة التي يتناوب على  اطلاقها فريق "التيار الوطني الحر" في حق البطريرك الراعي، واحياناً ما يصدر بصورة غير مباشرة عن رئيس الجمهورية، فإن ثمة قناعة تترسخ يوماً بعد يوم ان العلاقة بين البطريرك الراعي والفريق "البرتقالي" ببعديه الرئاسي والحزبي، اصبحت شديدة الهشاشة وباتت تفتقر الى المناعة السياسية، تحت وطأة ازمة الثقة المتفاقمة وعدم اطمئنان كل منهما الى النيات المضمرة لدى الاخر، بحيث ان رقعة الخلاف بينهما آخذة في الاتساع. والاكيد ان القصة ليست فقط قصة تدقيق جنائي بل هي "قلوب مليانة" تعد بالمآخذ المتبادلة على طريقة مقاربة كل طرف للتحديات المطروحة، بدءاً من تشكيل الحكومة وصولاً الى التدقيق مروراً بالموقف من الرئيس المكلف سعد الحريري والمنظومة السياسية والخيارات الاستراتيجية.

ويعتبر الفريق العوني بشقيه الرئاسي والحزبي ان ما يصدر عن البطريرك الراعي يشكل تغطية للرئيس سعد الحريري في مقاربته الحكومية، الامر الذي يدفعه الى مزيد من التصلب في مواجهة رئيس الجمهورية متسلحاً بالتفهم البطريركي له، وأبعد من ذلك، اتى ربط التدقيق بتشكيل الحكومة في العظة ليكرس انطباعاً موجوداً لدى العهد وتياره بأن الراعي يحمي حاكم البنك المركزي رياض سلامة من المحاسبة وعبره مجمل المنظومة السياسية التي تسببت في الانهيار. اما بكركي، فهي تفترض بدورها ان ما صدر عن سيدها في شأن التدقيق الجنائي لم يكن سوى ذريعة للتصويب عليها، في حين ان السبب الحقيقي لانزعاج العهد والتيار يعود الى مطالبة الراعي بالحياد وعقد مؤتمر دولي وتحرير قرار الشرعية وفق القريبين من كواليس البطريركية. وينقل احد زوار بكركي عن الراعي استغرابه وأسفه للهجوم الذي تعرض له بعد عظته الاخيرة، متسائلا: لماذا يفعلون ذلك، ما المبرر؟ ومؤكداً ان استهدافه لن يؤثر عليه وهو مستمر في الدفاع عن قناعاته وخياراته وهو الاحرص على اجراء التحقيق الجنائي اليوم قبل الغد في كل مؤسسات الدولة ووزاراتها ومجالسها وصناديقها، وهذا ما دفعه الى المطالبة بتشكيل الحكومة اولاً، لأن هناك حاجة الى وجود مرجعية رسمية قادرة على مواكبة اعمال شركة التدقيق ومراقبتها وتلقي تقاريرها. وبالتالي، فإن البطريرك ينطلق من ان ولادة الحكومة هي المعيار والمحك لاثبات جدية خيار الذهاب الى التدقيق. وينفي المحيطون بالراعي ان يكون قد وضع اي خط احمر على مساءلة سلامة او غيره من الموظفين والمسؤولين، وكل ما طلبه هو تعميم التدقيق وعدم حصره بالبنك المركزي وبالتالي ليست هناك حماية بطريركية لاي كان".

 باسيل الى الفاتيكان؟

في المقابل، فسر احد نواب "التيار الوطني الحر" وهو قريب من النائب باسيل موقف البطريرك في مسألة التدقيق الجنائي بأنه وجه آخر من وجوه حماية سارقي المال العام والتغطية الواضحة على رياض سلامة وشبكة المصارف التي ابتلعت اموال اللبنانيين، فيما المطلوب ان يكون رأس الكنيسة الى جانبنا في هذه المعركة المصيرية والوجودية"، سائلاً : "ومن قال للبطريرك ان المطلوب تدقيق انتقائي وليس شاملاً، على ما جاء في عظته؟ وما سر مطلب البطريرك بأن يكون التدقيق بالتوازي في مصرف لبنان وكل الادارات والوزارات؟ وفي هذا تبن صارخ للمنظومة التي تبتغي من هذا المطلب نسف التدقيق، فيما "الشغل" الفعلي يجب ان يبدأ اولاً من المصرف المركزي ، ثم يكمل الى كل الوزارات، ولتكن وزارة الطاقة اولاً". وتفيد المعلومات ان نواباً من "التيار" دخلوا على خط تخفيف التشنج بين بعبدا وبكركي، وتوافق مصادر "التيار" على انه من الخطأ فتح معركة لا طائل منها ضد بكركي، فيما الامر الملح اليوم هو تشكيل حكومة فوراً تأخذ على عاتقها القرارات المصيرية والمهمة، بدءاً من استئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي الى التدقيق الجنائي وبدء ورشة الاصلاحات". وسط هذه التجاذبات بين بعبدا وبكركي، ثمة من يعتقد بأن احد الاسباب الرئيسية للحملة البرتقالية المستمرة على البطريرك، يعود الى كونه لم يقف الى جانب النائب باسيل في مواجهة خصومه لاسيما لجهة تحميله مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة، فضلاً عن "الشكوى" البطريركية الدائمة من مواقف باسيل "المتشنجة" و"المعرقلة" والتي وصل صداها الى الفاتيكان عبر اوساط بطريركية وكنسية، ما جعل الكرسي الرسولي "يطنش" عن رغبة ابداها باسيل بترؤس وفد حزبي للقاء البابا فرنسيس خلال وجوده في العراق، واتى الرد الفاتيكاني بطريقة ديبلوماسية تتميز بها الدوائر الفاتيكانية لاسيما عندما يكون الجواب سلباً.... وتكررت محاولات باسيل، كما تقول مصادر كنسية، وكان آخرها مع توجه وفد من تكتل "لبنان القوي" وتسليم مذكرة الى السفارة البابوية في محاولة للالتفاف على مطلب البطريرك بالحياد ودعوته الى مؤتمر دولي، غير ان هذه المحاولة لم تلق ايضا تجاوبا لدى الفاتيكان واضيفت مذكرة "لبنان القوي" الى مذكرات اخرى ترد من اطراف سياسيين وروحيين على حد سواء.

المصادر الكنسية تقول ان باسيل يريد زيارة الفاتيكان، وقد ازدادت هذه الرغبة بعد زيارة الرئيس الحريري، فأي دور يمكن ان تلعبه بكركي في تحقيق هذه الزيارة او في عرقلة حصولها ما يؤدي الى تحسن العلاقة بين فريق العهد والتيار من جهة، وبكركي من جهة ثانية.