تفاصيل الخبر

هيل عاد خالي الوفاض حكومياً.... والبديل وعد باستئناف مفاوضات الترسيم!

21/04/2021
الرئيس ميشال عون يستقبل السفير "ديفيد هيل" في القصر الجمهوري.

الرئيس ميشال عون يستقبل السفير "ديفيد هيل" في القصر الجمهوري.


 لم تكن زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركية للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل الى بيروت الاسبوع الماضي على مدى ثلاثة ايام، زيارة عادية كسابقاتها من الزيارات التي قام بها الديبلوماسي الاميركي الذي ربطته علاقات صداقة مع الشخصيات الرسمية والسياسية اللبنانية، بل كانت زيارة مثلثة الاهداف. لقد اتى حاملاً معه رغبة اميركية في استطلاع الموقف اللبناني من التطورات السياسية الراهنة ليحضر تقريراً يسلمه الى خليفته في المناصب، ولابلاغ من التقاهم من رسميين وسياسيين ضرورة الاسراع في تشكيل حكومة جديدة تعنى خصوصاً باطلاق ورشة الاصلاحات لفتح الباب امام المساعدات الدولية لانهاض ورشة الاصلاحات لفتح الباب امام المساعدات الدولية لانهاض لبنان من حالة الانهيار التي يعيشها على مختلف المستويات. اما الرسالة الثالثة فهي "تشجيع" المسؤولين على المضي في المفاوضات مع اسرائيل لترسيم الحدود البحرية الجنوبية والتي توقفت منذ كانون الاول (ديسمبر) الماضي بسبب الخلاف الذي نشأ بين الوفد اللبناني المفاوض والوفد الاسرائيلي حول الخط الجديد الذي يريد لبنان ان يتفاوض عليه والذي يمنح لبنان مساحة اضافية من المياه تبلغ نحو 2240 كليومتراً مربعاً.

في الشق السياسي لم يكن هيل سهلاً في مقاربته للملف الحكومي بل ان احاديثه ركزت على ضرورة تشكيل الحكومة معتبراً ان لا مجال لمزيد من التأخير. صحيح انه قال انه غير راغب في التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للبنان، لكنه في الوقت نفسه بدا "عاتباً" بغضب على مواقف السياسيين اللبنانيين الذين يماطلون في تسهيل الحكومة، لافتاً الى انه تحدث في الموضوع مع الرئيس المكلف سعد الحريري خلال لقائهما في "بيت الوسط" وانه سمع منه انه يريد ان يكون "مطلق اليدين" في تشكيل الحكومة وان يتمتع بحرية كاملة، على ان يحمل حكومته الى مجلس النواب، فاما ان تنال الثقة او تحجب عنها ويصبح للعملية الدستورية دورها. لم يقل هيل ان حكومة الحريري تصبح في مرحلة تصريف الاعمال، لكن هذا ما قصده، كما ترى مصادر سياسية تابعت زيارة هيل، من خلال اشارته الى عبارة "العملية الدستورية" . لكن هيل حرص بعدما اطلعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن العراقيل التي واجهت عملية التأليف والشروط التي وضعها الرئيس سعد الحريري، على ان "ينصح" باعتماد المرونة في حدها الاقصى لان المهم، كما قال، في هذه المرحلة، وحدة المواقف وعدم الانقسام للوصول الى نقطة التقاء. وفي موقف اكثر صراحة قال هيل ان المشكلة ليست في من يشكل الحكومة، المسألة الاساسية هي ان تكون حكومة تلتزم الاصلاحات وتكون قادرة على تنفيذها لتحرير المساعدات المرتقبة من صندوق النقد الدولي وغيره من الدول المانحة. ولم يفت هيل الاشارة الى ضرورة مكافحة الفساد واعادة الثقة بمؤسسات الدولة واداراتها لان ذلك هو العامل الاساسي في اعادة لبنان الى الحياة الطبيعية، ووقف الانحدار السريع نحو الهاوية.

انتقاد حزب الله... من بعبدا

 في معظم لقاءاته لم يتطرق هيل بصورة مباشرة الى وضع حزب الله او الى ايران ، لكنه حرص في البيان الذي تلاه في قصر بعبدا الى الاشارة الى هاتين المسألتين، وهو لم يفعل ذلك بعد لقائه مع الرئيس نبيه بري في عين التينة، علماً انه لم يتحدث خلال زيارته لبيروت الى الصحافيين، سوى مرتين، في عين التينة وقصر بعبدا. لكن الذين التقوه من السياسيين اشاروا الى ان الموفد الاميركي تناول ملف حزب الله ودوره في "تقويض" الدولة واضعاف قدراتها، كما تناول تأثير ايران على دول المنطقة عموماً وعلى المسار العام في لبنان خصوصاً. 

 وثمة من رأى في كلام هيل من منبر القصر عن حزب الله، رسالة مزدوجة الى الفريق الذي يدعم الحزب والذي يضم رئيس الجمهورية و"التيار الوطني الحر"، لاسيما في ظل حكومة تصريف الاعمال وتعطيل رئة  البلد ومؤسساته، وتشير المعلومات الى ان حزب الله لم يكن مرتاحاً لكلام هيل على رغم انه يدخل في اطار المواقف الاميركية التقليدية ولاسيما من شخصية تواكب عمل الحزب باحترافية عالية المستوى منذ التسعينات ويأتي كلامه هذا تماشياً مع سياسة العقوبات الاقتصادية والمالية على لبنان والتي يحصل الحزب على النصيب الاكبر منها. وتبقى نظرة الحزب الى ما ردده هيل بانه يشكل اساءة لكل اللبنانيين وعيشهم المشترك. ولا بد من الاشارة هنا الى ان بيان هيل كان معداً سلفاً، وعندما انهى اجتماعه خرج لقراءة نصه على الاعلام. ولم يشأ هيل ممارسة هذا الهجوم على الحزب من مقر الرئاسة الثانية في عين التينة اول من امس، كما لم يدل بموقفه هذا من "بيت الوسط" ولا من عند رئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط في كليمنصو، انما اراد ان يطلقه عن قصد من منبر رئاسة الجمهورية. ويظهر في متابعة تصريح هيل انه كان يجب بحسب اجواء "حزب الله" عدم السكوت من طرف بعبدا على هذا الهجوم وتوجيه الاتهامات ضد مكون وطني لبناني واستهدافه. وعلى رغم ما صدر من هيل، لا يريد الحزب تكبير حجم كلامه. ولذلك يضع زيارة الديبلوماسي الاميركي في خانة السلبية وتعقيد الاجواء والخربطة اكثر في البلد والتحريض على فريق اساسي يواصل منذ اليوم الاول بذل كل الجهود وتقريب وجهات النظر بين الرئيسين عون والحريري من اجل صدور مراسيم التأليف. ولطالما ينطق الحزب في معرض رده على هيل بانه سيواصل الدور الذي يلعبه حيال السعي الى الاسراع في تشكيل الحكومة، لكنه يعتقد ان التعقيدات داخلية، وان المخرج من دوامة التأليف يكون بتطبيق مبادرة الرئيس بري.

"هدية" استئناف مفاوضات الترسيم

 اما الملف الاكثر دسامة في زيارة هيل، فكان ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية مع اسرائيل والتي سمع عنه كلاماً "مريحاً" من رئيس الجمهورية الذي ابلغه ان لبنان يريد عودة المفاوضات وهو من اجل ذلك لم يوقع على المرسوم الذي اعد لتعديل الحدود البحرية اللبنانية وزيادة حصة لبنان من المساحة المائية وهو المرسوم الذي يعدل المرسوم الرقم 6433 الصادر في العام 2011 والذي كان اعتمد كاطار للبحث عندما اعلن الرئيس نبيه بري انطلاق المفاوضات، قبل ان يسلم هذا الملف الى الرئيس عون. مرسوم التعديل كان وصل الى قصر بعبدا قبل 48 ساعة من وصول السفير هيل الى بيروت مرفقاً بتواقيع وزيري الدفاع والاشغال العامة والنقل وموافقة رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب الذي طلب في احالته الى بعبدا الحصول على "الموافقة الاستثنائية" من رئيس الجمهورية ليبنى عليها توقيع المرسوم التعديلي للحدود المائية ويرسله الى الامم المتحدة لحفظ حق لبنان. قال الرئيس عون للسفير هيل انه لم يوقع المرسوم رغبة منه في عدم حصول تشنج اضافي، مقترحاً معاودة المفاوضات حتى اذا ما استمر الخلاف بين الوفدين اللبناني والاسرائيلي حول المساحة المائية للحدود يمكن الاستعانة بخبراء دوليين للمساعدة في ترسيم الحدود وتحديد حصة كل من الدولتين في اي حقل مشترك يمكن ان يظهر الترسيم وجوده، وذلك في اشارة الى حقل "كاريش" الذي يقول لبنان انه يدخل ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية.

بدا السفير هيل مرتاحاً للفكرة الرئاسية لكنه لم يلتزم بأي موقف نهائي حيالها لانه لا بد من عرضها على الجانب الاسرائيلي لاسيما وان امكانية الاستعانة بخبراء دوليين تفسح في المجال امام الوصول الى نقاط مشتركة مع "تنازلات" متبادلة هي في النهاية سمة اي تفاوض بين الدول عندما تقع خلافات حدودية فضلاً عن ان دور الخبراء يمكن ان يزيل الكثير من الالتباسات حول الحدود المائية التي تختلف حساباتها عن الحدود البرية التي تكون عادة اكثر وضوحاً وظهوراً من خلال الاتفاقات الدولية اولاً، ومن خلال علامات مسجلة في دوائر محلية وخارجية على حد سواء، اكثر من ذلك توقع هيل ان يوافق الاسرائيليون على استئناف المفاوضات من دون الحاجة الى توقيع مرسوم التعديل في الوقت الحاضر، على ان يحتفظ لبنان بحقه في اي خطوة يمكن ان يتخذها في حال اظهر الاسرائيليون ممانعة او تصلباً. وطرح الرئيس عون على هيل ما يمكن اعتباره شرطاً اضافياً خلاصته انه طوال فترة المفاوضات، سواء كانت قصيرة ام طويلة، توقفت اسرائيل عن سحب النفط والغاز في حقل "كاريش" المقرر في اوائل حزيران ( يونيو) حتى لا تتم المفاوضات في اجواء ضاغطة تؤثر على مسارها من جهة، وتزرع قلقاً وتوتراً في المنطقة من جهة اخرى، وهذا "الشرط" سينقله هيل الى اسرائيل للحصول على جواب واضح حياله، لان الطرح اللبناني متكامل ويعتبر وقف التنقيب في "كاريش" جزءاً لا يتجزأ منه.

 بيد ان "الارتياح " الاميركي الذي عبر عنه السفر هيل لموقف الرئيس عون حيال ملف ترسيم الحدود لم يجد ردود فعل ظاهرة بل تريثت القيادات اللبنانية في التعبير عن رأيها به، وظل "اللغز" الاكبر هو موقف حزب الله حيال معاودة المفاوضات لترسيم الحدود البحرية من حيث بدأت، فهل يكتفي بموقفه المبدئي الذي عبر عنه مع بدء المفاوضات وينطلق من وقوفه وراء الموقف الذي يتخذه عون اسوة بموقفه الوقوف وراء الرئيس بري عندما طرح اطار الاتفاق لانطلاق المفاوضات من دون ان يأتي على ذكر المساحات البحرية المتنازع عليها بعد ان قام بما يتوجب عليه تاركاً التفاوض للسلطة التنفيذية من خلال الوفد العسكري الى المفاوضات الذي سمته حكومة تصريف الاعمال؟

دعم الجيش ورياض سلامة

وفي انتظار ان تتبلور الصورة اكثر بالنسبة الى ردود الفعل على مسألة استئناف المفاوضات في ضوء الموقف الاسرائيلي الذي يفترض ان يظهر خلال ايام قليلة، فان المعلومات تشير الى ان هيل، اضافة الى الموضوع الحكومي وملف الترسيم، اظهر في اكثر من جلسة تصميم بلاده على دعم الجيش والاستمرار في هذه العملية، وان الادارة الاميركية تنظر بعين الثقة الى المؤسسة العسكرية، ولم يقتصر مدها بالمساعدات على العتاد والاسلحة بل وصل الى النواحي الاجتماعية، وسيتم الاستمرار على هذا المنوال مع هذه المؤسسة التي تبقى جهودها محل تقدير الادارة الاميركية. 

في موازاة ذلك، ثمة نقطة اساسية هي ان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لا يزال يحظى بالتغطية الاميركية على رغم كل محاولات رفع دعاوى ضده في سويسرا وبلدان اخرى. ويتبين هنا انه ليس من السهولة اقدام اي حكومة جديدة او الحالية التي تصرف الاعمال على اقالة الحاكم والدليل ان هيل حرص على زيارة سلامة وتناول الغداء الى مائدته... كذلك ويقدر هيل الدور الذي تقوم به جمعيات ووجوه ناشطة في المجتمع المدني، ويعول عليه في امكان احداث خرق في الانتخابات النيابية المقبلة وتشجيع وصول وجوه جديدة الى الندوة البرلمانية ومواجهتها لجهات وشخصيات سياسية تقليدية لم تكن من وجهة نظره على المستوى المطلوب من تحقيق الشفافية. اما خارج لبنان، فيعتقد هيل ان التوصل الى حلول نهائية في سوريا "طويل وبطيء" والامر نفسه ينسحب على جولات مفاوضات الاتفاق النووي الايراني في فيينا.

غادر هيل بيروت بعد زيارته الرسمية الاخيرة، وسيكون تقريره عن كامل لقاءاته في حوزة خليفته فيكتوريا نولاند التي يستمع اليها الكونغرس على ان تتسلم مهماتها قبل نهاية ايار المقبل. ولا يمنحها منصبها متابعة سياسات اميركا في الشرق الاوسط بل كل العالم. وهذا ما كان يقوم به هيل. وسيتوجه صاحب المسيرة الديبلوماسية الطويلة للعمل في مركز ابحاث في بلاده ويتفرغ للكتابة وتأليف الكتب شأن رؤساء الجمهورية وكبار الوزراء والمستشارين الاميركيين في سنوات التقاعد للمشاركة في الندوات والمحاضرات المدفوعة الاجر.

في اي حال، لم يعد هيل الى واشنطن خالي الوفاض، صحيح انه لم يحقق تقدماً يذكر في الملف الحكومي وبقيت "سلته فاضية" حكومياً، الا انه في موضوع ترسيم الحدود البحرية الجنوبية حقق خرقاً يفترض ان يتبلور في الاتي من الايام من خلال حصوله على موافقة الرئيس عون على استئناف المفاوضات بصرف النظر عما ستحمله من نتائج مع موافقة اسرائيل على عدم سحب النفط والغاز من حقل "كاريش" قبل الوصول الى اتفاق.