تفاصيل الخبر

حكومات تصريف الأعمال بين الصلاحيات والواجبات

14/04/2021
مجلس النواب سيد نفسه.

مجلس النواب سيد نفسه.


بقلم علي الحسيني


 على الرغم من أن كل المكوّنات السياسية التي تتألف منها حكومة الرئيس حسّان دياب المُستقيلة تنتمي إلى لون واحد وتدور ضمن الفلك نفسه، إلّا أن هذه الحكومة المُستقيلة ما زالت عاجزة عن القيام بدورها "التصريفي" في ظل الأزمات التي تجتاح البلاد والتي تُهدد ما تبقّى من مؤسسات في القطاعين العام والخاص. وربما خير دليل على عمق الخلافات التي تواجهها هذه الحكومة من الداخل، هو ما يُشير اليه رئيس مجلس النوّاب نبيه بري على الدوام لمقربين منه، أن هذه الحكومة "تفتقد إلى الحد الأدنى من الانسجام بين وزرائها".

 بين تهديد دياب ورد بري

 يحتل النقاش حول صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، واجهة النقاشات السياسية سواء داخل الأروقة الحكومية أو من خلال حديث العامة حيث تُطرح أسئلة لها علاقة بمدى صلاحيات الحكومة الحالية لجهة اتخاذ القرارات خصوصاً المصيرية التي تتعلق بسياسة البلاد وحياة الناس وتحديداً الشقّ المعيشي والاجتماعي حيث المعاناة من الضائقة المالية التي بغلت ذروتها وسط غياب تام لحكومة أثبتت عجزها حتّى في مهام تصريف الأعمال.

 منذ شهر تقريباً، هدّد رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب بالامتناع عن تأدية المهام التي يُتيحها الدستور وذلك بهدف الضغط على الطبقة السياسية من أجل تشكيل حكومة جديدة تُلبّي احتياجات البلاد، وقال في حينه "إذا كان الاعتكاف يساعد في تشكيل الحكومة فأنا جاهز إليه رغم أنه يخالف قناعاتي، كون ذلك قد يعطل الدولة برمتها ويضر اللبنانيين بشدة". 

 لعل أبرز النقاشات أو الردود التي جاءت حول هذا التصريف، كانت من الرئيس بري الذي علّق على طلب دياب، تفسير القانون لجهة تصريف الأعمال، بالقول: "هيدا حكي تركي"، معتبراً أن الدستور واضح في ما خصّ تصريف الأعمال بالنطاق الضيق، ولا يحتاج إلى تفسير، وهو تسيير الأمور الضرورية التي تفيد الشعب، أو تدفع الضرر، إلا إذا كان المطلوب تغيير الدستور، وهذا الأمر غير وارد على جدولنا.

ماذا عن صلاحيات الموازنات؟

 هنالك عرفٌ يقول إنّه في حالة استقالة الحكومة يجوز للحكومة إقرار الموازنة المقررة بموجب حكومة غير مستقيلة. والإحالة قد تكون جائزة لأنّها عملٌ غير منشأ لحالة قانونية جديدة، في حين أن إقرار موازنة جديدة هو عمل يتصف بالصفة الإجرائية بامتياز لأنه يعبّر عن توجيهات الحكومة وبرنامج عملها، وكيفية التصدي للاستحقاقات المالية، وجباية الأموال، وتعديل القانون. ذلك وبحسب خبراء دستور فإن الإجازة للحكومة المستقيلة بإقرار الموازنة هو مخالف للمبادئ القانونية بإقرار الموازنة، ولا يمكن أن يدخل ضمن الالزامات الضرورية بمعناها الضيّق، خاصةً في ظل وجود بديل يمكن اعتماده وهو القاعدة الاثنتي عشرية حيث يتمّ الصرف على أساسها، خصوصاً وأنّ الموازنة تكون لسنة، وبالتالي ستكون ملزمة للحكومة الجديدة.

 من جهة أخرى، يقوم النظام البرلماني اللبناني على ركيزة أساسية مفادها مسؤولية السلطة التنفيذية أمام مجلس النواب، أي ربط ممارسة الحكومة لصلاحياتها بحصولها على ثقة السلطة التشريعية، لذلك فإنّ استقالة الحكومة، أو اعتبارها بحكم المستقيلة، يؤدي إلى زوال هذه المسؤولية ما يجعلها خارج الرقابة السياسية للسلطة التشريعية التي تفقد بالتالي قدرتها على سحب الثقة من الحكومة. ولمّا كانت السلطة لا تُمنح إلّا لجهةٍ تخضع للمحاسبة، لذلك كان الحد من صلاحيات الحكومة المستقيلة هو نتيجة منطقية تفرضها الطبيعة البرلمانية للنظام.

أفضل الطرق بالعودة إلى الدستور

 في ظل هذه "التصريفات" التي ما زالت غائبة بنصوصها الدستورية وتحديداً في ما يتعلّق بالمهلة الفاصلة بين استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، تؤكد مراجع دستورية أنه لا بد في هذه الحالة من العودة إلى الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور اللبناني والتي تدعو إلى استشارات نيابية يُجريها الرئيس المُكلّف لتشكيل حكومة، يوقّع مع رئيس الجمهورية على مرسوم تشكيلها على أن تقوم الحكومة مباشرة بعد ذلك، التقدم من مجلس النوّاب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة 30 يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها.

أمّا في طبيعة تصريف الأعمال التي يُمكن ان تُقدم عليها الحكومة المُستقيلة بحسب المراجع الدستورية وذلك طبقاً للأعراف القائمة منذ ما بعد اتفاق الطائف، فهي تتعلّق بكل عمل يقع ضمن الضرورة هدفه تسيير المرفق العام شرط أن لا ينتج عنه مشاريع جديدة أو قرارات جديدة تُرتّب على الدولة مسؤوليات مالية، أو إدارية، أو حتّى انتهاج سياسات جديدة تُلزم الدولة بتطبيقها. وبمعنى أصح، لا يُمكن لحكومة تصريف الأعمال تقرير سياسة البلد ولا ترتيب أعباء إضافية على خزينة على الدولة.

وبحسب المراجع الدستورية، فإنه من الناحية الدستورية لا يوجد شيء اسمه "إعادة تعويم" الحكومة المُستقيلة على غرار ما كان المح اليه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله منذ فترة، أو العودة عن استقالتها حتّى في أصعب الظروف، وذلك لعدم وجود نص صريح وواضح يُلزم الرئيس المُكلّف تشكيل حكومته ضمن مُهلة محددة. هذا مع العلم أنه وقبل اتفاق الطائف، كان يُمكن لرئيس الجمهورية منح صلاحيات جديدة لحكومة تصريف الأعمال، ذلك أن السلطة التنفيذية كانت ضمن صلاحياته، وذلك بموجب الأعراف التي كانت سائدة آنذاك.

من يُحاسب الوزير؟

عن الجهة التي تحاسب الوزير في حال اتّخذ قراراً خاطئاً، تُشير المصادر إلى أن مهمّات مجلس النواب الرقابية تبقى أيضاً قائمة في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، وبالتالي يحقّ للمجلس محاسبة أي وزير في حال تجاوز صلاحياته الدستورية، مشدّدة على أنّه "يحقّ للمجلس الاجتماع ومناقشة كل المواد التي يقرر مكتب المجلس وضعها على جدول الأعمال من دون أن يتأثر ذلك بالضرورة بواقع الحكومة سواء أكانت مستقيلة، أو في حالة تصريف أعمال مع بعض الاستثناءات.

 وتخلص المصادر نفسها إلى القول، إن لبنان يلزمه الكثير من التشريعات التي غفل عنها الدستور لأسباب كثيرة خصوصاً وأننا استمددنا من الدستور الفرنسي الكثير من النصوص التي بحاجة إلى تعريف وتفسير وتحديداً في ما يتعلّق بحق مجلس النوّاب بالتشريع وحق حكومة تصريف الأعمال اتخاذ مبادرات إنقاذية خصوصاً وأنه لم تمر في تاريخ لبنان أوضاع تُشبه التي نُعاني منها اليوم.

الرئيس حسان دياب وتصريف الأعمال العاجز.

الرئيس حسان دياب وتصريف الأعمال العاجز.

الرئيس حسان دياب وتصريف الأعمال العاجز.

الرئيس حسان دياب وتصريف الأعمال العاجز.