تفاصيل الخبر

مقاطعة المصارف المراسلة للبنان تدفع الوضع الاقتصادي بسرعة الى الهاوية!

14/04/2021
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.


 قد يكون لبنان أمام عزلة اقتصادية عالمية تزيد من حراجة الأوضاع الاقتصادية والمالية التي يعيشها، وتزيد من سرعة الانهيار التي تتجه اليها البلاد مع عدم قدرة السلطة السياسية على "فرملة" تسارع الأحداث التي ستدفع لبنان الى هوة سحيقة بدأت مؤشراتها في اكثر من مجال. أما أسباب العزلة المتوقعة فتعود الى ما كشف عنه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مراسلة رسمية وجهها الى المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات في 31 آذار (مارس) الماضي شرح له فيها أسباب الأزمة الحالية التي تمثل جزءاً منها لأول مرة في التاريخ علاقة المصرف مع المصارف الدولية في اهتزاز سلبي بات فيه من الصعوبة بمكان اجراء التحويلات الخارجية لشراء السلع الأساسية كما الاستحصال على عملات نقدية لتسيير المرافق الاقتصادية المختلفة". وأوضح سلامة في كتابه أن "مصارف مثل WELLS FARGO ومصرفHSBC  و DANSKE  اقفلت حسابات مصرف لبنان بعملاتها وهذا ادى الى ترك مصرف لبنان من دون مراسلين وهذا يعني فقدان الفرصة لاستيراد الحاجات الاساسية للبنان فضلاً عن ان مصرف CIBC  الكندي اوقف تعاملاته مع مصرف لبنان وأعاد الودائع التي لمصرف لبنان عنده". لافتاً الى أن "أسباب هذه الأحداث تتمثل برفض حكومة الرئيس حسان دياب تسديد سندات "اليوروبوند" المستحقة، وحملات التحريض الحزبية والدعايات المتعمدة ضد مصرف لبنان وأنشطته وصدقيته، والضجة القضائية وتوظيفها إعلامياً وسياسياً في لبنان والخارج بما زرع شكوكاً لدى مراسلي المصارف في الخارج التي تتعامل معه منذ عشرات السنين". وشدد  سلامة في كتابه لعويدات أن "مصرف لبنان في وضع صعب ولم يبق سوى مصرف واحد هو J.P.MORGAN  الذي يقبل بتعزيز الاعتمادات المستندية التي تصدرها لاستيراد المحروقات وغيرها لصالح شركة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة والمياه وبعض ادارات القطاع العام. وذلك مقابل مبالغ تودع لديهCOLLATERAL  بقيمة لا تقل عن مجموع مبالغ الاعتمادات المستندية، وهو يرفض حتى تاريخه تعزيز اعتماد مستندي لصالح شركة COMBILIFT  الالمانية لرفع مستوعبات من مرفأ بيروت تحتوي على مواد كيماوية خطرة".

 وتلقت الأوساط المصرفية مراسلة الحاكم سلامة بقلق شديد لأن مثل هذه الاجراءات تجعل المصارف عاجزة عن فتح اي حساب مستندي مع الخارج لتغطية شراء اي منتجات من اي نوع كان، ما يضع لبنان امام واقع مأزوم مالياً وتجارياً، يضاف الى الظروف القاسية التي يمر بها والغلاء الفاحش الذي يرزح تحته شعبه مع انعدام الرقابة والتفلت وغياب الدولة كلياً عن ضبط الوضع وانعكاساته على الحياة المعيشية اليومية. وتؤكد مصادر مصرفية انه في حال انضمت مصارف اخرى الى المصارف المقاطعة للبنان فهذا يعني أن تحويلات لبنان الخارجية وشراؤه السلع والحصول على النقد الاجنبي.... باتت كلها مهددة بالتوقف عن التدفق الى لبنان.... وفيما اكدت المصادر نفسها ان هذه الاجراءات المستجدة هي الضربة الأقسى التي يتلقاها البنك المركزي اللبناني، ومعه السوق اللبنانية بكاملها، سجلت بارتياب عدم حصول اي ردة فعل رسمية من الجهات المعنية في الدولة حيال هذا الأمر، كما غابت كلياً مواقف او تعليقات او خطوات عملية في محاولة جدية لفك الحصار المالي المستجد على لبنان. واشارت المصادر نفسها الى ان علاقة القطاع المصرفي اللبناني مع مصارف المراسلة في الخارج متردية منذ العام 2019، الا ان ذلك لا يبرر عدم قيام مؤسسات الدولة المعنية بأي خطوة جدية للتخفيف من فداحة الخسائر التي ستحل بلبنان اذا ما استمر هذا الوضع الى تصاعد كما يتوقع الخبراء في عالم المصارف والمال.

خفض التصنيف الائتماني

 ولعل ما يزيد الأمور تعقيداً هو مواصلة وكالات التصنيف الائتماني خفض تصنيف لبنان، الأمر الذي كان من أسباب طلب المصارف المراسلة زيادة قيمة الضمانات التي تحصل عليها من نظرائها اللبنانيين لفتح الاعتمادات التي تعقد مسارها وأدى الى تشدد في إجراء التحويلات. وثمة من يضيف سبباً آخر، هو القرار الشهير الذي اتخذته حكومة الرئيس حسان دياب بوقف دفع اقساط "اليوروبوندز" ما جعل لبنان "عاجزاً" عن تسديد التزاماته المالية للمرة الاولى في تاريخ تعاطيه مع المصارف العالمية او اصحاب المحفظات المالية، علماً ان اكثر من خبير اقتصادي حذر الحكومة في حينه على عدم الاقدام على هذه الخطوة لأنه ستكون لها انعكاسات سلبية على الواقع الاقتصادي في البلاد، إلا أن الحكومة رئيساً وأعضاء، أدارت الأذن الطرشاء عن التحذيرات المحلية والخارجية وأصرت على قرارها، وها هي اليوم تدفع من جديد ثمناً للقرار المتسرع الذي اتخذته حكومة الرئيس دياب قبل سنة تقريباً. لقد سعت الجهات اللبنانية الى الاستمرار في تسيير الاعمال بين زبائنها في بيروت وعملائها في الخارج من خلال محاولات مصرف لبنان وعدد من المصارف القادرة الى "إغراء" المصارف بفتح صفحة جديدة سواء من خلال تسديد التزامات متأخرة او تعزيز السيولة في حسابات المصارف اللبنانية في الخارج 

 بعد صدور تعميم مصرف لبنان الرقم 154 الذي نص على تأمين سيولة في الخارج لا تقل عن نسبة 3% من الاموال المودعة لديها بالعملات الاجنبية. لكن يبدو ان مفاعيل "المسكنات" اللبنانية لم تكن طويلة الأمد، اذ صدر قرار المصارف المراسلة في التوقف عن التعامل مع المصارف اللبنانية ومصرف لبنان في المقدمة ما أوصل الوضع الى الواقع الصعب الذي بات قائماً منذ نهاية شهر آذار (مارس) الماضي.

 وتوزعت المصارف المراسلة التي أقدمت على هذه الخطوة كالآتي:

- ويلز فارجو WELLS FARGO  الأميركي، أوقف حساب مصرف لبنان بالدولار.

- أتش أس بي سيHSBC  البريطاني، أقفل الحساب بالليرة الاسترلينية.

- دانسكيDANSKE  الدانماركي أقفل الحساب بالكورون السويدي، ما ترك مصرف لبنان من دون مراسل خارجي بهذه العملة.

- سي أي بي سي CIBS الكندي الذي اعاد ودائع مصرف لبنان الموظفة لديه وأوقف التعاملات كافة معه.

الحملات ضد المصرف وحاكمه

 واعتبرت مصادر مصرفية ان عدم تسديد سندات الدين بالعملات الاجنبية "يوروبوندز" ليس السبب الوحيد الذي دفع المصارف المراسلة الى هذه الخطوة، بل هناك ايضاً الحملات السياسية ضد مصرف لبنان التي ارتفع منسوبها في الآونة الاخيرة بشكل ملحوظ، بصرف النظر عما اذا كانت محقة ام لا، فضلاً عن الضجة القضائية التي نتجت عن الاتهامات التي وجهت الى حاكم مصرف لبنان حول تحويلات غير قانونية تمت عبر مصرف لبنان (وهو ما نفاه الحاكم سلامة في حينه) واستمرار الحملات على الحاكم ما زرع شكوكاً لدى المصارف المراسلة ولاسيما منها المصارف الكبرى التي تتعامل مع لبنان. والملفت في هذا الاطار، أن مراسلة حاكم مصرف لبنان الى المدعي العام التمييزي كانت موضع استغراب مصادر رسمية لا تدعم الحاكم سلامة في مواقفه واجراءاته، اذ تعتبر انه كان من المفترض ان يرسلها الى السلطات المالية، ولاسيما وزير المال او السلطات السياسية اي رئيسي الجمهورية والحكومة، لاسيما وأن ارسالها تزامن مع نشر تقرير أعدته مؤسسة "غرنيكا 73" البريطانية وقدمته الى السلطات البريطانية للتحقيق مع الحاكم سلامة وابنه وشقيقه رجا سلامة ومساعدته ماريان حويك وصهره السابق شفيق ابي اللمع بتهم الاختلاس وتبييض الاموال، وقد اعتبر التقرير ان هؤلاء يعملون معاً كفريق واحد، متهمة سلامة بتنظيم مخطط احتيال ادى الى انهيار القطاع المصرفي اللبناني ومعه كامل الاقتصاد. 

 وتكامل هذا التقرير البريطاني مع الدعوى المرفوعة في سويسرا ضد رياض ورجا سلامة، وانتشار معلومات عن تحضير شكاوى ودعاوى قضائية اخرى ترفع في اوروبا ضد حاكم مصرف لبنان وعلى الرغم من تأكيد قضاة لبنانيين انه "لا يمكن قانونياً الحجز على اموال وممتلكات البنك المركزي، حتى لو كانت الجهات الدولية تتعامل مع سلامة ومصرف لبنان بصفتهما جهة واحدة"، الا ان الحاكم قرر لفت نظر المسؤولين اللبنانيين الى خطورة الوضع والاخطاء التي ارتكبت خصوصاً بعد الامتناع عن دفع سندات "يوروبوندز" علماً ان مسؤولين اميركيين، ابلغوا سلامة ان حاملي سندات الدين بالدولار ينوون رفع دعاوى على الدولة اللبنانية التي تخلفت عن السداد!.

القاضي غسان عويدات.

القاضي غسان عويدات.