تفاصيل الخبر

التصويت برفع الأيدي "أشعل" أول جلسة تشريعية واعتماد التصويت الالكتروني يحتاج الى تعديل دستوري

03/08/2022
جلسة مجلس النواب الأخيرة.

جلسة مجلس النواب الأخيرة.


 مجلس النواب بطبعة 2022 والذي بدأت ولايته في 21 ايار (مايو) الماضي لم يعقد سوى جلستين، الاولى كانت لانتخاب رئيس المجلس ونائبه واعضاء هيئة مكتب المجلس واللجان النيابية، والثانية لدرس سلسلة مشاريع واقتراحات قوانين محالة الى الهيئة العامة، اضافة الى انتخاب اعضاء المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. واذا كانت اول جلسة تشريعية لم تنجز كل ما كان على جدول اعمالها، فإنها لم تكن بداية مشجعة، لا في الشكل ولا في المضمون، ذلك انه في الشكل سجلت مساجلات بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والنواب "التغييرين"، ما استدعى تدخلاً من نواب كتلة "التنمية والتحرير" انحدر خلاله مستوى التخاطب ما دل على حجم الهوة ليس في السياسة فحسب، بل بين جيلين سياسيين لا يلتقيان على قواسم مشتركة، لكنهما مرغمان على "المساكنة" الالزامية خلال السنوات الاربع المقبلة الحافلة بالتحديات والاستحقاقات الجدية والبالغة الخطورة. لكن اللافت ان النقاش الذي دار في الجلسة التشريعية الاولى للمجلس الجديد، لم يكن على مستوى هذه التحديات، الامر الذي جعل المراقبين يسجلون ملاحظات كثيرة لعل ابرزها ان أياً من الكلمات او النقاشات لم يعكس وجود رؤية او تصور للمرحلة المقبلة، ما يؤكد أن اياً من الافرقاء السياسيين الممثلين في المجلس لا يملك أفقاً واضحاً، حتى على مستوى الأحزاب ذات الاجندات الواضحة. صحيح ان الاعراف المتبعة تقول بحضور أعضاء في السلك الديبلوماسي أولى الجلسات التشريعية للبرلمان المنتخب حديثاً، وهذا ما فسٓر مشاركة السفيرة الأميركية "دوروثي شيا"، في حين لفت غياب السفيرة الفرنسية "ان غريو" التي تتابع بلادها عن كثب الملف اللبناني، لكن الحضور الديبلوماسي الضعيف يعبّر في جانب آخر منه عن عدم اهتمام خارجي او عدم اقتناع بإنتاجية الجلسة سيما وان جدول أعمالها لم يحمل البنود المهمة المطلوبة دولياً. كذلك فإن الجلسة وعلى اهمية انعقادها في الظروف الراهنة في ظل حكومة تصريف اعمال، كان يؤمل منها ان تناقش وتقر البنود الملحّة مثل خطة التعافي وموازنة 2022 و"الكابيتال كونترول"، وهذه مشاريع مدرجة ضمن رزمة الإجراءات المسبقة التي التزمها لبنان امام الصندوق، لكنها لم تكن مدرجة على جدول اعمال الجلسة، باستثناء قانون تعديل السرية المصرفية الذي أقر معدلاً. واذا كانت الجلسة تناولت شؤوناً حياتية ومعيشية انطلاقاً من أزمة القمح، خصوصاً ان الموضوع مدرج على جدول الاعمال من باب اتفاقية القرض مع البنك الدولي للاستجابة لحاجات لبنان من الطحين وقيمته 150 مليون دولار، فإن النقاشات لم ترقَ الى مستوى مواجهة الأزمة، وإن كان رئيس الحكومة المستقيل اعترف صراحة بأن 400 الف ربطة خبز تُهرب يومياً. واللافت ايضا ان المجلس كان في حضرة حكومة كاملة المواصفات، رغم انها حكومة تصريف اعمال. وزراء تحدثوا عن وزاراتهم وادائهم، ورئيس حكومة مستقيلة يسترد مشروعاً لإعادة درسه، ونقاش في خطط ومشاريع المرحلة المقبلة. وهذا الأداء اللافت لميقاتي والوزراء يؤكد المؤكد لجهة ان لا حكومة في المدى القريب، وان تصريف الاعمال سيتمدد ويتوسع بما يفعٓل عمل الحكومة المستقيلة في انتظار تبيّن الخطط الموضوعة للاستحقاق الرئاسي!

التصويت الالكتروني بدلاً من رفع الأيدي

ولعل ما جعل حالة الهرج والمرج تسيطر على الجلسة التشريعية الاولى من عمر مجلس 2022، الخلاف الذي نشأ حول عملية التصويت ومطالبة نواب تغييرين وكتائبيين باعتماد التصويت الالكتروني بدلاً من التصويت برفع الايادي، علماً ان مجلس النواب اللبناني هو من المجالس القليلة التي لا تزال تعتمد التصويت برفع الايادي واحيانا بالمناداة... انما هذه الايادي نادراً ما ترفع كلها لضمان نجاح اقتراح او فشله، في حين المناداة غالبا ما تقطع ولا تستكمل. وفي عودة الى ما حصل في الجلسة يتضح ان لحظة التصويت على اقتراح قانون بعدم السماح بهدم الاهراءات في مرفأ بيروت بصفة المعجل، اعلن الرئيس بري ان صفة العجلة اسقطت عن الاقتراح وبالتالي يقتضي احالته الى اللجان النيابية لدرسه، فاعترض عدد كبير من النواب "التغييريين" والكتائب على النتيجة، واعتبروا ان هناك "كذباً وتزويراً في طريقة عد الاصوات لحظة اعتماد المناداة بعدما طالبوا هم اصلاً باعتمادها حرصاً على الوضوح. لقد اثارت هذه الحادثة  ردود فعل وضجة داخل مجلس النواب ما طرح علامات استفهام حول "نوعية التشريع" في اول جلسة يعقدها المجلس الجديد.

تقول مصادر النواب الرافضين للتصويت برفع الايدي، ان هذه الطريقة غير العصرية وغير المتقدّمة في التصويت، يمكن ان تعالَج "بكبسة زر"... انها الكبسة التي يمكن ان يستعملها كل نائب امامه من اجل اعتماد لتصويت الالكتروني، لاسيما ان كل التجهيزات كانت موجودة داخل القاعة العامة، من الشاشة المخصصة لذلك، الى الكبسات على طاولات النواب الـ 128... انما هذا التصويت يحتاج الى تعديل دستوري... هذا هو الجواب النمطي الذي يكرره بري دوماً، في كل مرة يسائله بعض النواب حول هذه المسألة... وكان آخرها اعتراض النائب سامي الجميل على طريقة التصويت واصراره المستمر على اعتماد التصويت الالكتروني. هذا الإصرار القديم – الجديد من الجميل مردّه الى ان الأخير، قدّم، ومنذ عام 2011 (26- 9- 2011) اقتراح قانون يجيز استعمال التصويت الالكتروني، وبالتالي يطالب بتعديل المواد 81, 85, 87, 88 من النظام الداخلي للمجلس لجهة الغاء التصويت برفع الايدي او بالمناداة واستبدالها بالتصويت الالكتروني. ولطالما كان الجميل يمازح بري بالقول: "هذه الكبسة امامنا لشو"... فيسارع بري الى الرد: "روح عدّل الدستور". وبالفعل، عاد الجميل وقدّم اقتراح قانون آخر في 6 – 8- 2012، يطالب بتعديل الدستور، وتحديداً المادة 36 منه، لتصبح كالآتي: "تعطى الآراء شفهيّاً إلا في الحالة التي يراد فيها الانتخاب فتعطى الآراء بطريقة الاقتراع السري. أما في ما يختص بالقوانين عموماً أو بالاقتراع على مسألة الثقة فإن الآراء تعطى دائماً بطريقة التّصويت الإلكتروني". وحتى الساعة، نام الاقتراحان في الادراج. والقصة لا تنتهي هنا. ففي العام 2004، كان النائب غسان مخيبر اول من قدم اقتراحا في هذا المجال، ثم عاد وقدّمه في 11- 5- 2006 للمطالبة باعتماد التصويت الالكتروني. مرّت الأعوام ولا خرق. حتى 24 –2- 2022، حين قدم "تكتل لبنان القوي" اقتراح قانون يطالب ايضا بالتصويت الالكتروني، وبرّر الاسباب الموجبة بـ "تعزيز الشفافيّة أكثر والعلنية بالتصويت على القوانين والتشريعات". كل هذه الاقتراحات بقيت مجمدة، وان كانت توضع احيانا على جداول الجلسات التشريعية، انما بخجل، ليبقى السؤال الأساس: لمَ الخوف من اعتماد التصويت الالكتروني؟!

يقول نواب من المخضرمين انه قد تكون حجة تعديل الدستور لرفض اعتماد التصويت الالكتروني مبررة في عدم المسّاس بمواد دستورية، انما الدستور نفسه اعطى الآلية لتعديله، مما يعني انه ليس منزلاً، لاسيما اذا تعلق الامر بالتقدم وبتحسين نوعية العمل، فالمادتان 76 و77 من الدستور واضحتان لجهة شرح الآليات الممكنة "لاعادة النظر في الدستور"، فاما ان تكون بناء على اقتراح من رئيس الجمهورية، واما بناء على طلب مجلس النواب، أي من خلال اقتراح مقدم من عشرة نواب على الأقل، اذ يمكن عندئذ للمجلس ان يعيد النظر بمواد من الدستور، بأكثرية الثلثين من مجموع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس قانونا.

وفي هذا الاطار يقول النائب السابق مخيبر ان اساس المشكلة، ليست في الدستور. هو كان من اوائل الذين قدموا اقتراح قانون بهذا الصدد. ويكشف انه منذ عام 2000، والتجهيزات التقنية المتعلقة باعتماد التصويت الالكتروني موجودة في الهيئة العامة للمجلس، وقد كانت تؤمَّن لها الصيانة دورياً، الا انها لم تُستعمل يوماً. حتى أتى انفجار 4 آب (أغسطس) وألحق بها اضرارا. اما من الناحية الدستورية، فيشرح ان "ليس هناك ابدا مبرر لتعديل الدستور، لان الأخير نص في المادة 36 منه على طريقة اعتماد التصويت الشفهي للنواب، واما القيام والجلوس، واما المناداة واما الاقتراع السري لشؤون الانتخاب طبعا، وبالتالي هو لم يتطرق الى رفع الايدي التي ذكرت في النظام الداخلي للمجلس، ولهذا السبب كنت دائما اردّ على الرئيس بري بالقول: "اذا كان رفع الايدي ممكنا في التصويت وهو لم يُذكر في الدستور، فلمَ لا يتم اعتماد التصويت الالكتروني وهو أيضاً لم يُذكر دستورياً؟". ووفق مخيبر، المشكلة ليست تقنية ولا دستورية ولا قانونية، انما هي في "خشية المجلس ككل من المسّاس بأي مواد تطاول النظام الداخلي، وذلك مراعاة لسلطة رئيس المجلس ولغالبية الكتل والافرقاء الذين لهم كلهم مصلحة مشتركة في التغطية على امرين: فقدان النصاب أحيانا، واتجاهات التصويت على بعض الاقتراحات أحيانا أخرى، مما يعني ان ثمة تواطؤاً بين الجميع حول هذه المصلحة. وإذ يشير الى جملة اقتراحات سبق له ان قدمها وتطاول تعديل النظام الداخلي للمجلس، يلفت الى انها "لم تحل واحدة منها على لجنة نيابية ولم تناقش مرة، على رغم ان النظام الداخلي هو أولوية توازي أولويات اصلاح مؤسسات الدولة وقوانين الانتخاب، ولا بد من تسليط الضوء عليه لانتظام العمل التشريعي وضمان إدارة جيدة للسلطة الاشتراعية وللجلسات".

ويبقى السؤال، هل من مبرر منطقي لعدم اعتماد التصويت الالكتروني في بلد يدعي انه والديموقراطية صنوان؟

الرئيس نبيه بري مترئساً الجلسة.

الرئيس نبيه بري مترئساً الجلسة.

بعض النواب التغييريين.

بعض النواب التغييريين.

النائب سامي الجميل.

النائب سامي الجميل.

النائب السابق غسان مخيبر.

النائب السابق غسان مخيبر.