تفاصيل الخبر

العقوبات الفرنسية بحق قيادات لبنانية باتت "على النار"... وتطبيقها وارد في أي لحظة!

14/04/2021
الرئيس "ايمانويل ماكرون" خلال لقائه بقادة الأحزاب والتيارات السياسية في قصر الصنوبر  في آب (أغسطس) الماضي.

الرئيس "ايمانويل ماكرون" خلال لقائه بقادة الأحزاب والتيارات السياسية في قصر الصنوبر في آب (أغسطس) الماضي.


 تحرص مصادر ديبلوماسية أوروبية في بيروت على تسريب معلومات مفادها ان "الكيل طفح" في باريس من ردود الفعل اللبنانية إزاء التعاطي "اللامسؤول" مع ملف تشكيل الحكومة الجديدة لاسيما وان العاصمة الفرنسية بذلت اكثر ما يمكن ان تقوم به من جهود للمساعدة وقوبلت مراراً بردود فعل لبنانية غير مشجعة...حتى ان الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون" لم يعد يتابع مباشرة الملف اللبناني كما كان يفعل في السابق، اذ أحال هذا الموضوع على معاونيه في الايليزيه وعلى وزير الخارجية الفرنسي "جان ايف لودريان" الذي اكثر في الآونة الأخيرة من توجيه عبارات "التأنيب" للطاقم السياسي اللبناني على الطريقة التي يتعامل بها مع هذا الملف الحساس الذي يزداد حدة مع استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد. وتضيف المصادر ان الرئيس "ماكرون" الذي كان يتولى بنفسه الاتصالات الهاتفية مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعدد من القيادات السياسية لم يعد يفعل ذلك، وأوكل أمر الاتصالات الى مستشاريه او الى الوزير لودريان لأنه "مصدوم" حيال اللامبالاة التي تظهرها القيادات السياسية اللبنانية في هذه المسألة.

 وتكشف المصادر نفسها ان خطوة اتخاذ عقوبات بحق السياسيين اللبنانيين الذين يعطلون خروج لبنان من الازمة أصبحت مادة أساسية على طاولة البحث في الدوائر الرئاسية الفرنسية التي ترى ان استمرار الفراغ المؤسساتي على مستوى الحكومة يزيد الأمور تعقيداً في لبنان مع انقضاء  نحو خمسة اشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة من دون ان يتمكن من تحقيق أي تقدم، لا بل على العكس تستمر السجالات بينه وبين بعبدا و"التيار الوطني الحر" ما افشل كل المساعي التي بذلت لإحداث اختراق إيجابي في الحائط الحكومي المسدود ما جعل هذه المساعي تدور في حلقة مفرغة، وكان آخرها محاولة جمع الرئيس الحريري برئيس "تكتل لبنان القوي" النائب جبران باسيل التي اجهضت في اللحظة الأخيرة وتبادل كل طرف مسؤولية تحميل الطرف الاخر مسؤولية ما حصل. 

 فالنائب جبران باسيل "يتهم" الرئيس الحريري بأنه اسقط المحاولة الفرنسية لجمعهما في باريس لانه غير راغب في تشكيل الحكومة الا كما هو يريد، في وقت يقول الحريري ان الشروط التي وضعها باسيل للقاء معه غير مقبولة ويصفها بــ "التعجيزية " .... والدليل ان مصادر "التيار الوطني الحر" روجت ان تشكيل الحكومة لا يتم في باريس بل في قصر بعبدا في إشارة الى ان أي لقاء بين الحريري وباسيل سيكون مادة جديدة لنقاش عقيم بين الرجلين من دون الوصول الى حلول عملية تفتح الطريق الحكومي المسدود في اكثر من اتجاه. 

 واذا كانت رواية الحريري تناقض رواية باسيل، والعكس صحيح، الا ان النتيجة ظلت واحدة وهي "فرط" اللقاء ما احدث صدمة لدى الفرنسيين الذين كانوا بذلوا جهوداً لتحقيقه. خصوصاً ان معاوني الرئيس "ماكرون" اقنعوه بأهمية حصول هذا اللقاء الثنائي تحت المظلة الفرنسية ما يعيد الى المبادرة الفرنسية زخمها بعد تراجع بدا واضحاً خلال الأسابيع الماضية.

مواقف لودريان مؤشر

 وترى المصادر نفسها ان التصريحات التي اطلقها الوزير "لودريان" واظهر فيها تشدداً بالغاً، أتت كرد طبيعي على مواقف القيادات اللبنانية لاسيما الثنائي الحريري- باسيل، علماً ان ثمة من يرى في باريس انه كان على الرئيس عون ان يبذل جهوداً إضافية للتخفيف من حدة ردود فعل صهره النائب باسيل لاسيما وان الرئيس "ماكرون" قال للرئيس اللبناني في آخر اتصال تم بينهما قبل ثلاثة أسابيع انه "يتكل" عليه في دفع العجلة الحكومية الى الامام. لذلك أتت تصريحات "لودريان" واضحة في "تفريغ" الطبقة السياسية اللبنانية والتهديد بتعبئة وزراء الخارجية الأوروبيين ضد هذه القيادات وهو ما فعله عملياً في اجتماع بروكسل حيث اكد بعدها ان الأيام المقبلة ستكون "مصيرية" وانه سيتم اتخاذ إجراءات بحق الذين عرقلوا إيجاد حل للازمة اللبنانية. ويقول مطلعون على الموقف الفرنسي ان مسألة العقوبات باتت واردة بقوة وان كانت باريس امتنعت حتى الآن عن الكشف عن ما هيتها، وذلك منذ ان قرر الرئيس "ماكرون" قبل نحو الشهر "تغيير نهج التعاطي" مع المسؤولين اللبنانيين، بعد ان تأكد له ان محاولات الاقناع لم تؤد الى نتيجة، بل بقيت المبادرة الفرنسية الانقاذية تراوح مكانها. والتدبير المثالي بالنسبة لباريس هو تكوين كتلة ضاغطة فرنسية-اوروبية-اميركية وعدد من الاطراف العربية لدفع السياسيين اللبنانيين الى التخلي عن انانيتهم. وقال "لودريان" ان القوى السياسية التي لا تتحرك لانقاذ البلاد رغم تعهداتها انما "تتعنت عن عمد، ولا تسعى للخروج من الازمة". 

وشدد على ان هناك اطرافاً سياسية في لبنان تضع مطالب تعجيزية. وفي اي حال، لم يرد "لودريان" ان يضع النقاط على الحروف وتعيين الجهات التي تعتبرها باريس معطلة للجهود المبذولة، بل اكتفى بالتلميح بقوله ان الازمة في لبنان "ليست ناتجة عن كارثة طبيعية، بل عن مسؤولين سياسيين معروفين".

 وتعد تصريحات "لودريان" تطورات بالنسبة لما صدر عن وزارة الخارجية الفرنسية في بيانها يوم 29 آذار (مارس) الماضي عقب الاتصالات التي اجراها الوزير مع رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، ومع رئيس الحكومة المكلف، اذ ابلغ الوزير الفرنسي المسؤولين الثلاثة انه "يجب فوراً انهاء التعطيل المتعمد للخروج من الازمة السياسية"، مشيراً الى ان الاتحاد الاوروبي يبحث سبل ممارسة ضغوط على الجهات التي تعرقل ايجاد مخارج من الازمة السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية في لبنان. وبحسب "لو دريان" لا يمكن للاتحاد الاوروبي ان يقف مكتوف الايدي فيما لبنان ينهار.

العقوبات... "على النار"

 ويرى العديد من المراقبين في العاصمة الفرنسية ان المبادرة الفرنسية فقدت زخمها، لا بل انها تلاشت بفعل عامل الزمن من جهة، ومن جهة اخرى، بفعل احجام باريس حتى اليوم عن وضع تهديداتها موضع التنفيذ. ويرى هؤلاء المراقبون ان قيام باريس بالتلويح باستعدادها الفوري لاتخاذ عقوبات بحق من تعتبرهم معرقلين او فاسدين، وبامكانية ان تمتد هذه العقوبات لتصبح اوروبية في مرحلة لاحقة من شأنه ان يدفع السياسيين اللبنانيين للتفكير ملياً، والتوقف عن النهج التعطيلي لكن الصعوبة ان المسؤولين الفرنسيين الذين يصرون على البقاء على تواصل مع جميع الاطراف اللبنانية، والتعامل مع طبقة سياسية لفظها الشارع اللبناني، تعي خطورة الوصول الى هذه المرحلة على ما تبقى من استقرار في لبنان. وعلى ما يمكن ان ينتج عنه من تداعيات في الشارع، الامر الذي لا تريده باي حال.

 في الخلاصة، يؤكد المطلعون على موقف باريس ان مسألة العقوبات الفرنسية اولاً، اصبحت "على النار" وان تطبيقها لم يعد بعيداً وهي ستتدرج من سحب الجنسية الفرنسية لمن يحملها من السياسيين، الى مقاطعتهم ومنعهم من الدخول الى فرنسا (ولاحقاً الى الدول الاوروبية) والتشهير بهم، وصولاً الى العقوبة الاقصى وهي حجز اموالهم في المصارف الفرنسية والاوروبية، مع ادراك باريس ان مثل هكذا عقوبات ستهدم الجسور بين فرنسا وهذه القيادات لكنها في المقابل "تعريهم" امام قواعدهم الشعبية التي باتت تتأفف من مواقفهم التي عطلت تشكيل الحكومة العتيدة.... 

 وثمة من يقول من الفرنسيين القريبين من الرئيس "ماكرون" ان مواقف القيادات اللبنانية المشكو منها بلغت حداً لا يمكن القبول به خصوصاً ان "كرامة" الرئيس الفرنسي باتت في "الدق" وهو صار محرجاً حيال الداخل الفرنسي الذي لم يعجبه كثيراً الاهتمام الذي يوليه "ماكرون" للملف اللبناني، في وقت هناك الكثير من الملفات الفرنسية الداخلية التي تحتاج الى معالجة خصوصاً مع اقتراب بدء المعركة الرئاسية الفرنسية ورغبة "ماكرون" في الفوز بولاية ثانية وهذا الامر يتطلب تحقيق "انجازات" يستطيع "ماكرون" ان يستثمرها في معركته ضد خصومه السياسيين لاسيما المرشحة الاقوى "ماري لوبين" التي اعلنت عزمها على خوض المعركة الرئاسية المقبلة، وبالتالي فإن اي اخفاق "ماكرون" في تحقيق انجاز لبناني سيسجل ضده وهو الذي اتى مرتين الى لبنان ودخل بوساطة وعقد مؤتمرين دوليين من اجل دعم الشعب اللبناني... كل ذلك من دون ان يلقى من الجانب اللبناني اي ردة فعل ايجابية تمكنه من اضافتها على سجل انجازاته خلال ولايته الاولى!.