تفاصيل الخبر

اقتراح عون إنشاء سوق اقتصادية مشتركة دونه عقبات سياسية واقتصادية وأمنية....

14/04/2021
الرئيس ميشال عون يستقبل وزير الصحة العراقي حسن التميمي على رأس الوفد العراقي.

الرئيس ميشال عون يستقبل وزير الصحة العراقي حسن التميمي على رأس الوفد العراقي.


 عندما أطلق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أمام وزير الصحة العراقي حسن التميمي خلال وجوده في بيروت، دعوته الى قيام سوق مشتركة بين دول المشرق العربي مستعيداً بذلك ما كان اعلن عنه قبل نشوب "الحروب العربية" والأحداث التي شهدتها دول المنطقة، كاشفاً عن رغبته بإعادة طرح الموضوع من جديد، انطلقت أصوات في لبنان تعتبر ان الأولوية يجب ان تكون لتحقيق النهوض الاقتصادي بعد التراجع الذي أصاب الاقتصاد اللبناني والعملة الوطنية وتجفيف ودائع المصارف وانعكاس كل ذلك على حياة المواطن اللبناني. الا ان المعترضين فاتهم ان مثل هذا الطرح هو طرح مستقبلي يفترض ان يرافق خطة النهوض الاقتصادي التي من المقرر ان تلتزم الحكومة الجديدة اعتمادها.... متى شكلت!

 لماذا أطلق الرئيس عون هذا الموقف؟ في التوقيت الراهن وفي الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. تجيب مصادر قصر بعبدا ان الدعوة الرئاسية ليست جديدة من حيث التاريخ، اذ سبق ان تحدث عنها في القمة التنموية والاقتصادية العربية التي عقدت في بيروت العام 2019 حين اطلق مبادرة تتصل بتفعيل السوق العربية المشتركة، داعياً يومها الى تأسيس مصرف عربي لاعادة اعمار وتنمية الدول المحتاجة. واليوم، يستعد الرئيس عون للمبادرة مجدداً في ظل مناخات الانفتاح العربي المتجسدة بعودة الحرارة الى العلاقات داخل مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي، والانفتاح على العراق من جانب السعودية، والانفتاح القطري السعودي المتبادل والتقارب المصري السوداني، ويتطلع الرئيس عون الى طرح المبادرة في التوقيت الذي يراه مناسباً وهو يملك معطياته. والمبادرة تشمل الدول التي يعتبرها لبنان جاهزة للتعاون وهي الأردن والعراق وسوريا تماماً كما هي حال دول مجلس التعاون الخليجي الذي نريد التكامل معه في الفضاء العربي. 

 ولفتت المصادر الى ان لبنان الذي بلغ الوضع الاقتصادي والمالي الصعب اصبح بلداً جاذباً للاستثمارات وهو يملك القدرات التنافسية، ولاسيما على مستوى الطاقات البشرية، هو يستطيع ان يقدم للدول المذكورة مرفأين مهمين في طرابلس وبيروت وخدمات في المجالات التربوية والطبية والهندسية والفندقية والزراعات الصناعية الغذائية ذات القيمة المضافة. الا ان المبادرة ليست عملاً ينتهي في 24 ساعة بل يحتاج الى تحضير وحوارات واجتماعات على مستوى الوزارات في البلدان المعنية، لاسيما وان لبنان يستعد لتشكيل حكومة على قواعد إصلاحية يكون برنامجها الأساسي اجراء الإصلاحات الأساسية في بنية النظام المالي والاقتصادي وهناك عشرات الطلبات المرفوعة الى لبنان من دول فاعلة وذات وزن اقتصادي، كان آخرها المانيا لاعادة مرفأ بيروت الذي يعتبر من اهم المرافئ على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بالإضافة الى مرفأ طرابلس. وأشارت المصادر الى ان الحكومة التي ستشكل سيكون عنوانها اجراء الإصلاحات ومكافحة الفساد وإعادة بناء النظام المصرفي اللبناني بدءاً من اجراء التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان وان الرئيس عون لا يريد ان يكون لبنان الا دولة شفافة وجاذبة للاستثمارات، ويستطيع ان يقدم خدمات مهمة للعالم العربي بمجالات عدة، وهو يتطلع الى برنامج حكومة يقوم على إصلاحات بنيوية في النظام المصرفي ليعود كما كان في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ليعود هو منصة مالية مهمة. وفي قناعة الرئيس عون ان لبنان قادر على ان يتكامل مع اقتصادات الدول المجاورة، فالشعب يمتلك طاقات كبيرة وهناك ثروات كبيرة ليس اخرها النفط والغاز والمياه والمناخ والتاريخ والاثار. وباختصار المبادرة تندرج في اطار إعادة بناء مشرق عربي متجدد ومنفتح قائم على التعاون بين دوله وشعوبه ومجتمعاته.


ماذا يقول المعارضون؟

 في المقابل، وفور انتشار مواقف الرئيس عون ورغبته التقت مصادر اقتصادية وديبلوماسية وسياسية في المقلب المعارض على التعبير عن استغرابها ودهشتها لهذه الفكرة في شكلها وتوقيتها ومضمونها معتبرة ان على أي مراقب ان يدقق في صحة هذه المعلومات ومدى الجدية في الحديث عنها في مثل الظروف التي يعيشها لبنان والمنطقة قبل التكهن بمصيرها وجدوى الإعلان عنها. واعتبرت انه لا بد من النظر الى مدى قدرة لبنان على تجاوز مجموعة العوائق التي تحول دون هذه الخطوة الأولى مع سوريا قبل التوسع في اتجاهات أخرى ودول أخرى. فالعلاقات اللبنانية- السورية متأثرة بالعقوبات المفروضة على سوريا بموجب "قانون قيصر" وتلك التي فرضت على قادة النظام والمؤسسات المالية فيها وهي أمور تعيق أي تحرك باتجاه التعاطي معها وتكبله قبل التفكير بأي خطوة أخرى.

 ولولا الإذن المسبق الذي ناله لبنان لما تمكن من استجرار ما يغطي جزءاً من حاجاته للطاقة الكهربائية من سوريا ودفع اثمانها. وما ردات الفعل الدولية على ما سمي بــ "هبة الاوكسجين" السوري للبنان قبل أيام سوى مثال على ما يمكن ان ينشأ من جراء خرق العقوبات، ولولا التوضيحات بأن هذه المادة جاءت من مصنع يمتلكه لبنانيون بالشراكة مع سوريين على الأراضي السورية لما عبرت بسهولة. وترى المصادر المعارضة للطرح الرئاسي ان سوريا لم تلتزم حتى اليوم بمضمون مجموعة الاتفاقات المتصلة بــ "تسيير التجارة العربية البينية" بين لبنان ومجموعة الدول العربية ولاسيما الخليجية منها. وهي التي فرضت قيوداً إضافية ورسوماً جمركية لم يتحملها كثر من تجار الترانزيت بين لبنان والدول العربية ولاسيما الأردن والعراق ما أدى الى تحجيم هذه العمليات قبل ان تتأثر بمجرى العمليات العسكرية التي قطعت هذا الشريان الحيوي لتجارة الترانزيت منذ عشر سنوات حتى اليوم.

 وقبل ان تؤدي جائحة "كورونا" الى فرض القيود واقفال الحدود بين الدول العربية سواء على انتقال الأشخاص او البضائع فقد أدت النكبة التي حلت بمرفأ بيروت والعاصمة في 4 آب (أغسطس) الماضي الى انتقال الحركة بشكل كبير الى مرفأ طرابلس كما عزز الوجود العسكري الروسي على الساحل السوري الحركة في المرافئ السورية كطرطوس واللاذقية وبانياس عدا عن المرافئ المتخصصة بتجارة المشتقات النفطية وغيرها حتى ان بعضاً منها بات البوابة البديلة للبنان من مرفأ بيروت وخصوصاً لتهريب البضائع والمواد الغذائية والصناعية المختلفة ومنها الحديد الإيراني الى لبنان ولو لم تقفل الحدود الشمالية بين البلدين لما تراجعت نسبتها.

 وفي تقدير المصادر المعترضة ان استمرار عمليات التهريب لكل أنواع المشتقات النفطية والغاز والطحين المدعوم من لبنان بالاتجاه السوري وتهريب البضائع والإنتاج الزراعي والمواد الصناعية والعراقية والإيرانية في الاتجاه المعاكس، يؤدي الى انتفاء القدرة على تطبيق أي اتفاق يؤدي الى الشراكة بين البلدين، قبل ان ينضم الأردن والعراق، ومجموعة الدول الأخرى المستهدفة في الاقتراح الى أي اتفاق.

 وفيما توسعت بعض المراجع الاقتصادية والديبلوماسية التي توقفت امام الاقتراح في شروحاتها، فإنها نبهت الى ضرورة العودة الى التجارب الفاشلة في التعاطي مع سوريا وعبرها مع المجموعة العربية. ومنها على سبيل المثال لا الحصر التجربة التي قادها لبنان في العام 1997 عندما اقترح الرئيس الراحل رفيق الحريري ملاقاة الإعلان عن "الاتحاد الأوروبي" بخطوة مماثلة على مستوى دول شرق المتوسط امتداداً الى العراق ودول الخليج العربي من البوابة اللبنانية- السورية التي لا بديل منها. وبالعودة الى تلك المرحلة لا يمكن الا التوقف عند الشروط السورية التي طوت الفكرة قبل انطلاقها.

 وتجمع المراجع الديبلوماسية والاقتصادية والسياسية على ان الفكرة هذه لا تحمل في شكلها وتكوينها أي معنى للسوق المشتركة وجدواها . الا اذا كان ثمة من يحلم باسم جديد يحاكي اشكال التعاون الدولي على غرار "مجموعة الدول الصناعية العشر الكبرى" فيمكن تسميتها في هذه الحال بــ "مجموعة الدول الأربع الفقيرة والمفلسة".

 في أي حال، مبادرة الرئيس عون لا تزال في بدايتها، والعبرة تبقى في ان توضع لها المواصفات اللازمة لضمان انطلاقتها، الا ان الأجواء السياسية والامنية في دول الجوار اللبناني لا تشجع كثيراً على الاعتقاد بإمكانية الوصول الى هذا المشروع – الحلم الذي راود رئيس الجمهورية ويسعى الى تحقيقه ....