تفاصيل الخبر

شكري بدا منحازاً وزكي "مستطلعاً" والحصيلة: لا حكومة حتى إشعار آخر!

14/04/2021
الرئيس ميشال عون يستقبل الوزير سامح شكري.

الرئيس ميشال عون يستقبل الوزير سامح شكري.


 اذا كان المثل العامي يقول إن "المكتوب يقرأ من عنوانه"، فإن الزيارة التي قام بها الى بيروت الأسبوع الماضي وزير الخارجية المصري سامح شكري قرأت من عنوانها، أي منذ وزعت السفارة المصرية في بيروت برنامج الزيارة الذي تضمن لقاءات الوزير شكري في العاصمة اللبنانية والتي استثنى منها، رئيس حكومــــــة تصريف الاعمـــال حسان دياب، ورئيس تكتل "لبنان القوي" النائب جبران باسيل، وحزب الله.... الأمر الذي اسقط منذ البداية صفة "الوساطة" عن الزيارة المصرية لأن برنامج شكري ترك انبطاعاً لدى المراقبين بأنه آت الى بيروت لدعم الرئيس سعد الحريري والشد من عزيمته وتأكيد ضرورة استمراره رئيساً مكلفاً للحكومة الى ما شاء الله. والذين تابعوا مسار محادثات الوزير المصري لم يتأخروا في اكتشاف الحقيقة المهمة التي جاء من اجلها والتي تتجاوز اظهار دعم جمهورية مصر العربية للبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها على مختلف المستويات، الاقتصادية والسياسية والمالية والاجتماعية، وكذلك وقوف الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي مع كل ما يساعد على الحد من تداعيات الازمة اللبنانية وسلبياتها.

 فالوزير الضيف، الذي حرص خلال لقاءاته على نقل "قلق" مصر للوضع اللبناني، عبر في المقابل عن رغبة بلاده في الاسراع في تشكيل الحكومة، معلناً صراحة ان مصر تلتقي مع فرنسا في ضرورة تحقيق مبادرة الرئيس الفرنسي "ايمانويل ماكرون"، وان مشاورات أجراها مع الجانب الفرنسي سبقت زيارته الى بيروت. لقد بدا واضحاً من كلام الوزير شكري ان التنسيق قائم بين بلاده وفرنسا في ما خص الملف الحكومي عموماً، وفي ما يتعلق بدعم الرئيس الحريري خصوصاً. 

 ولعل المؤتمر الصحافي الذي عقده في "بيت الوسط" في ختام زيارته، كفيل باظهار "انحياز" مصر الى مواقف الرئيس الحريري اذ كان يمكن عقد المؤتمر في السفارة المصرية في بيروت او في مقر إقامة الوزير الضيف في فندق "موفمبيك"... ويقول الذين اطلعوا على الزيارة إن الوزير شكري لم يخف دعمه للرئيس الحريري وفي ما يضعه من شروط لتشكيل الحكومة العتيدة. صحيح ان اللغة الديبلوماسية التي يتقنها وزير الخارجية المصري كانت السائدة في اللقاءات التي عقدها في بيروت، لكن الصحيح أيضاً ان البراعة الديبلوماسية للوزير الضيف لم تبعد "الشبهات" عن ان مهمته في بيروت هي أولاً وأخيراً، الوقوف الى جانب الرئيس الحريري وتزكية ترؤسه للحكومة الجديدة، وضرورة إزالة العراقيل التي وضعت امام التشكيل بعد مرور نحو 175 يوماً على تكليفه.

ويتحدث بعض من التقى شكري، الذي لم يلتق نظيره اللبناني شربل وهبه الا خلال وجود الوزير وهبه مع الجانب اللبناني في المحادثات مع شكري والوفد المرافق له، انه تعمد لقاء الرئيس نبيه بري كبديل عن اجتماعه مع حزب الله، وانه اعتبر اجتماعه مع الرئيس عون بديلاً عن اللقاء مع النائب باسيل، مع العلم ان شكري سمع من الرئيس عون كلاماً واضحاً حول موقف الرئيس الحريري الذي يرفض اللقاء مع باسيل، وهو رئيس اكبر كتلة في مجلس النواب من جهة، واكبر كتلة مسيحية تمثل المسيحيين في مجلس النواب. كان الرئيس عون- حسب الرواة انفسهم- صريحاً مع الوزير الضيف في ترداد ملاحظاته على عدم لقاء الحريري بالنائب باسيل، وباستمراره في السفر من بلد الى آخر، وفي تنويع الأسباب التي كان يوردها الحريري خلال اجتماعاته مع الرئيس عون سواء لجهة تغيير مطالبه من جلسة الى أخرى، او من خلال الإصرار على مواقف يعرف سلفاً ان رئيس الجمهورية "مش ماشي" فيها، من تركيبة حكومة الـــ 18 وزيراً وتفضيله صفة الـــ 24 وزيراً، الى الأسماء التي رشحها لعدد من الحقائب الوزارية ومنها أساسية، وصولاً الى عقدة وزارتي الداخلية والعدل. إضافة الى عدم تحديد برنامج أولويات لحكومته في ما خص الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي ومسألة التدقيق المالي الجنائي التي كانت موضع "مساومة" من الحريري يوم عرض على الرئيس عون بعيد تكليفه بدقائق ضرورة تأجيلها الى ما بعد تشكيل الحكومة لضمان حصول الحكومة على ثقة نواب الرئيس بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط!

مهمة شكري دعم الحريري

 لقد أوحى سامح شكري في لقاءاته مع الرسميين والسياسيين على حد سواء انه يتحدث باسم الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي  والفرنسي "ماكرون" ، مشدداً على التكامل بين البلدين في ما يتعلق بلبنان وملف تشكيل الحكومة، وكرر الحديث عن اتفاق الطائف والدستور كمرجعية. وبدا مما قاله في جولاته على المسؤولين وكأنه دخل في لعبة تشكيل الحكومة عن قرب ولم يتردد في دعم رئاسة الحريري لتشكيل حكومة من الاختصاصيين. وإذ اكد قلق بلاده على لبنان مرر في سياق كلامه نوعاً من التحذير المتكرر اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. 

 وقالت مصادر لبنانية شاركت في اجتماعات المسؤولين مع شكري انها استشفت وكأن مصر تنوي الدخول الى لبنان من بوابة ترتيب اصطفافات معينة بدليل استثناء لقاءاته عدداً من القوى الفاعلة والوازنة في ملف الحكومة، واذا كان المسؤول المصري تجاهل متعمداً لقاء حزب الله فقد كان لافتاً ان الحزب اعتبر ان الزيارة أتت لتقول ان مصر تؤيد الحريري وتتهم حزب الله وباسيل ضمناً بالتعطيل، وبالنسبة الى حزب الله فهو يرى ان مصر ليست وسيطة ولا دور لها، وقد حضرت الى لبنان في مسعى لاكمال الدور الفرنسي لكنها لن تكون بديلاً عن دور سعودي مفقود.

ويدرك حزب الله ان الجانب السعودي ابلغ من يلزم من المعنيين ان شخص رئيس الحكومة لا يعنيه وكذلك موضوع الحكومة، فحاول الجانب الفرنسي التنسيق مع المصري ليكون الطرف العربي البديل او الواجهة العربية لدور فرنسي تراجع مع تراجع زخم المبادرة الفرنسية التي باتت تحتاج الى ترجمة مبادرتها الى لغة مفهومة.

واذا كانت المبادرة الفرنسية تراجعت، فهل يمكن لمصر ان تنجح في لعب دور ولو بالتنسيق مع الفرنسي؟ الأرجح ان زيارة شكري حصلت من دون ان تخلف اثراً يمكن استثماره على المدى البعيد، بدليل ان الزيارة انتهت من دون ان يحصل أي تفاعل مع الطروحات التي اثارها الوزير المصري من أفكار ومواصفات حكومية هي نفسها الأفكار والمواصفات التي يريدها الرئيس الحريري لحكومته. والملفت في هذا السياق ان سامح شكري تحدث اكثر من مرة عن اتفاق الطائف وضرورة التزام تطبيقه في ايحاء غير مباشر لتبني الديبلوماسية المصرية مقولة تحميل رئيس الجمهورية مسؤولية الإطاحة بالطائف، وهذه المقولة التي نفاها الرئيس عون نفياً قاطعاً  لأكثر من مسؤول عربي وللأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير حسام زكي الذي أتى هو الآخر في تحرك لا افق له ولا مفاعيل.

لا حكومة حتى إشعار آخر

 في أي حال، لم تكن بعبدا راضية عن زيارة الوزير المصري واعتبرت انه اتى بأفكار مسبقة تصب في اتجاه واحد لا يعكس مطلقاً الرغبة في لعب دور الوسيط لأنه كان يصر دائماً في كلامه على توجهات واحدة ما يعني انه أراد ان يدعم الرئيس الحريري من دون التسليم بــ "الأخطاء" التي تقول بعبدا انه ارتكبها في سياق مسار تشكيل الحكومة، ما أدى الى تجميد البحث في الملف الحكومي حتى اشعار آخر. 

 في المقابل، تنظر  بعبدا بارتياح الى زيارة مندوب الجامعة العربية السفير زكي وتقول انه تعاطى بحس من المسؤولية وكان اكثر اتزاناً وهدوءاً حيث سمع من رئيس الجمهورية تمسكه بالدستور وقواعد تأليف الحكومة وعدم القفز فوقها، وان ما يهمه هو عدم التوصل الى حكومة غير متوازنة، وان زكي قام بالدور الديبلوماسي المطلوب منه على عكس شكري.

 هذه الأجواء التي خلصت اليها بعبدا عن زيارة شكري يتبين ان لا مكان لها في "بيت الوسط" عند الحريري الذي يرى ان مصر تقوم بكل الإيجابية المطلوبة وتساعد لبنان وتدعم المبادرة الفرنسية، وان ما يقوله الرئيس المكلف يردده في الداخل، وزياراته الى الخارج هي لتذليل العقبات التي تقوم عنده على ثابتتين: عدم سيره بالثلث المعطل واختيار وزراء من الاختصاصيين بغض النظر عن العدد اذا كان 18 او 24 عضواً. وترد حلقة الحريري على كلام عون وتركيزه على التدقيق المالي الجنائي بأنه أمر لا يمكنه التسلح به، ولاسيما ان سائر الكتل اقرت قانوناً لمهمة التدقيق وتعبيد الطريق امامها. ولا اعتراض على اجراء هذا التدقيق في المؤسسات والصناديق والوزارات من دون استثناء ولا تشاء أجواء الحريري العودة الى الحديث عن امكان اجتماعه وباسيل في باريس وما رافق هذا الامر من تحليلات وسيناريوات في الأيام الأخيرة بعد اجهـــاض هذه المحاولة في مهدها. ويردد رئيس حكــــومة سابق هنا انه من الصعب التعاطـــي مع باسيل في تأليف الحكومات وغيرها، وانه عندما يحصل على حرف "الف" في أي ملف سرعان ما ينتقل الى "الياء" وان الفرنسيين وسواهم باتوا يعرفون حقيقة هذا الرجل وشروطه التي لا تنتهي.

 وسط هذه الصورة القاتمة للملف الحكومي، تؤكد مصادر متابعة ان عدم تحقيق زيارة الوزير المصري أي نتيجة عملية لا بل "فشله" في ان يكون وسيطاً حيادياً بدليل ما قاله رئيس الجمهورية عن ان مصر يجب ان تكون على مسافة واحدة من اللبنانيين، وعدم قدرة الجامعة العربية على تحقيق خرق جدي في الملف الحكومي، فإن كل المعطيات تشير الى ان لبنان باق من دون حكومة فترة زمنية لن تكون قصيرة وسط التصلب في المواقف من الأطراف كافة من جهة وغياب أي مبادرة جدية لتقريب وجهات النظر والتفاهم على "مخرج" كان يفترض ان يتولاه الرئيس بري، لكن التجاذبات السياسية المتصاعدة يوماً بعد يوم عطلت وسوف تعطل أي خطوة عملية في هذا الاتجاه. ومع سفر الرئيس الحريري الى الفاتيكان، فإن مسألة تشكيل الحكومة ستبقى مادة للتندر السياسي والاستثمار الإعلامي حتى إشعار آخر...

الرئيس عون يستقبل الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير حسام زكي.

الرئيس عون يستقبل الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية السفير حسام زكي.